الصلاة وقراءة القرآن بأحد المساجد
مسلمون يصلون في أحد المساجد

من الأمور الملحوظة فى بعض – إن لم يكن العديد – من المجتمعات والأفراد في بلادنا هو إصدار الأحكام على الآخرين وحسابهم بدلا من ترك الحساب لله تعالى. وسواء تم نعت الآخرين بالكفر والزندقة أو بالفجور والانحلال أو بنشر الفسوق أو بأنهم من أهل النار، فإن الأمر في كل هذه الأمور هو إصدار أحكام على الآخرين ونزع حق الحساب من الله تعالى - وهو وحده صاحب الحق في حساب البشر كما سنوضح لاحقا.

وللأسف الشديد فإن إصدار الأحكام على غيرنا من البشر قد يقف عند حدود الكراهية فقط، وقد يتطور إلى سباب وإهانات وقد يصل أحيانا إلى حد الجريمة. فلا يمكننا أن ننسى كيف أن محاسبة الكاتب الرائع وشهيد الكلمة "د. فرج فودة" ومن ثم إصدار حكم بالكفر عليه تسبب في مقتله بطريقة شنعاء وبلا رحمة أمام إبنته الصغيرة. والكثير منا يتذكر كيف أن إصدار الحكم بالكفر على الكاتب العالمي "نجيب محفوظ" تسبب في محاولة ذبحه بسكين، والعديد منا أيضا يعرف كيف كانت الجماعات السلفية في الجزائر ترش وجه الفتيات اللواتي لا يرتدين الحجاب بماء النار، بعد أن يصدروا الأحكام عليهن بإشاعة الفسق والفجور. 

ومما لاشك فيه أن إصدار الأحكام على غيرنا من البشر هو تطاول على حق مطلق للذات الإلهية، فكما قال الله بوضوح في القرآن:" فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ" (سورة الرعد آية 40) 

وكما قال في الإنجيل " لا تدينوا لكي لا تدانوا...وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم".

وهنا يأتي السؤال المهم، ألا وهو، لماذا جعل الله تعالى حق الحساب له وحده ولم يسمح لأحد - ولاحتى الرسول - أن ينازعه فيه؟

أولا: الخالق وحده هو الذي يعرف ما يدور من كيمياء وتغيرات بيولوجية في عقولنا، قد تؤثر على أفكارنا. فمثلا قد يقوم إنسان بتصرفات غريبة لأن شرايين المخ تصلبت عنده، وتسبب ذلك في إنقاص ضخ الدماء، ومن ثم الأكسجين لخلايا العقل. وأيضا قد يقوم إنسان ما بتصرفات غير مقبولة عند البعض، بسبب نقص الجلوكوز المفاجيء في المخ، أو كنتيجة لكهرباء زائدة في بعض أماكن العقل البشري، أو كنتيجة لتغيرات في كيمياء الدم تؤثر على وظائف العقل، مثل حالات الفشل الكبدي الحاد. وهذه الأمثلة هي فقط لتوضيح أنه ليس من حقنا أن نصدر الأحكام ونحاسب الآخرين، لأننا ببساطة لا نعرف بالضرورة ماذا يدور في خلايا المخ، وماذا يحدث لها بالضبط. فالله وحده هو صاحب المعرفة كاملة، ولذا جعل حق حساب الناس له وحده ولم يتنازل عنه لسواه!

ثانيا: الله وحده هو الذي يعرف جميع الأمور والظروف حول الإنسان. فمثلا قد يرى أحدنا أن "فلان"، وهو في نقطة قريبة من الصلاح الأخلاقي كما نتصور هو أفضل من "علان"، الذي هو في نقطة بعيدة عن هذا الصلاح المفترض. ولكن حكمنا قد يتغير إذا علمنا أن الشخص الأول ولد في نقطة أقرب للصلاح، وهو الآن يبتعد عنها، وأن الشخص الآخر ولد بعيدا جدا عن هذا الصلاح، وأنه يحاول جادا للوصول إليه! فالله وحده هو من يعلم مجهود كل إنسان لتحسين ذاته وقد يرى الله أن الثاني عنده هو أفضل من الأول لأنه حاول أكثر أن يتجه للصلاح من الشخص الأول.

ثالثا: ينسى الكثيرون منا نسبية الأمور. فمثلا من ترى نفسها أفضل من غيرها لأنها محجبة فقد تنظر إليها إمرأة منقبة وتقول عنها أنها سافرة (أي الأولى) بل ومنحلة لأنها تظهر "بضم التاء وكسر الهاء" وجهها للرجال! وقد تأتي إمرأة منقبة أخرى لتنتقد هذه المنقبة وتتهمها بإشاعة الفاحشة بين الرجال لأنها – تظهر عينيها بينما هي (أي المنقبة الثانية) تغطي العينين كي لا تفتن الرجال من وراء النقاب! وهلم جرا!

رابعا: ربما لا يدرك بعضنا أهمية وقيمة منظورنا للأشياء. فقد نهاجم آخرين لأنهم يرون أن رقما ما هو"ثمانية" باللغة العربية بينما هم يرونه رقم "سبعة"! وسيتغير طريقة حكمهم تماما على غيرهم لو أنهم ذهبوا إلى الناحية الأخرى ليروا وجهة نظر الآخر!
وفي نهاية الأمر فإن الله وحده هو المدرك لكل هذه الأشياء، ولذا فقد جعل حق الحكم والحساب له وحده فكما قال وأوجز في كتابه الكريم
 
" إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ". والتعبير الأخير هو أسلوب "قصر وإستثناء" في اللغة أي أنه جعل حق الحساب هو حق له وحده  وليس لأحد سواه !

وللحديث بقية!
 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ