مناقشة أصحاب الفكر المتطرف لا تكون أبداً بالصدام
مناقشة أصحاب الفكر المتطرف لا تكون أبداً بالصدام

يتعرض الكثيرون منا لمواقف يتحتم فيها مناقشة بعض أصحاب الفكر المتطرف والمتعصب. وتتباين هذه المواقف بين مناقشات حول فوائد البنوك ونقل الأعضاء ومشروعية الطلاق الشفوي وهل هي "حلال أم حرام"! 

وقد يواجه البعض درجة من اللاعقل في مناقشة المتطرفين تجعلهم يعزفون عن إكمال المناقشة إما مللاً وإما تطبيقاً للآية القرآنية الكريمة "وأعرض عن الجاهلين". 

وفي هذه المقالة سأعرض بعض الأساليب التي قد تساعد على مناقشة أصحاب فكر التطرف. ولقد جربت الكثير من هذه الأساليب بعد أن تركت الجماعة الإسلامية في كلية طب القاهرة عام 1980 وقررت أن أكون مسلماً وفقط وليس عضواً في جماعة بعينها. 

وبأمانة شديدة وبعد العديد من المناقشات الدينية والفكرية المحتدمة بيني وبين العديد من أفراد هذه الجماعات المتعصبة وجدت أنه من العسير إقناعهم بالطرق التقليدية مثل أن تأتي لهم بآية أو حديث لدعم رأيك فهم دائماً جاهزون بنص ديني أو تفسير أو رأي فقهي معاكس له. ولذا فقد قررت استخدام وسائل غير تقليدية بالمرة حينما أناقشهم. 

ومن هذه الوسائل "الأسلوب الساخر" (أو الساركازم") ولكن بدون إهانة. 

فمثلاً كنت ذات يوم أناقش أحد أفراد الجماعة الإسلامية بكلية الطب وذلك بعد أن تركتهم وأدركت أني إن قلت له أنه لا يوجد حكم ردة في الإسلام تبعاً لقول الله عز وجل "لا إكراه في الدين" فسيرد فوراً بالحديث "من بدل دينه فاقتلوه". وسندخل في هذه اللحظة في صراع أزلي أنا أدافع عن القرآن وهو يستميت دفاعاً عن دقة البخاري في سرد الأحاديث. ولذا قررت أن أستخدم معه أسلوب آخر وهو بأن أقول له: لقد اقتنعت برأيك في حكم الردة لأن القرآن يؤيده! ووسط اندهاشه أقول له فعلى سبيل المثال لقد قال القرآن :"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة 256) وقال "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 29) وقال"لستَ عليهم بمسيطر" (الغاشية 22) وقال " وما أنت عليهم بجبار" (سورة ق أية 45) وقال "إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" (سورة الرعد آية 40) وقال " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (سورة يونس آية 99) وقال " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه " (سورة المؤمنون آية 117). وكنت في هذه اللحظات أدرك الهزة النفسية والفكرية التي أحدثها هذا الأسلوب معه. 

ومن الأساليب الأخرى الناجعة كانت عملية "تبديل الأماكن" بمعنى أنه بدلاً من أن أنتقد مبدأ الاعتداء على الشعوب - وهو مبدأ محرم ومجرم أصلاً في القرآن الكريم - ووضعهم بعد ذلك أمام خيارات "الإسلام أو الجزية أو القتل وسبي نسائهم" فكنت أبدل الأوضاع فأسألهم كيف كانوا سيصفون ديانة ما إذا أعلن أصحابها وأتباعها العدوان على المسلمين وإعطائهم هذه الاختيارات "إما ترك الإسلام واتباع ديانتهم وإما دفع أموال لهم وإما أن يقتلوهم ويأخذوا نساء المسلمين سبايا لهم للتسري بهن"! كنت فقط أسأل من يحاورني أن يصف لي هذه الديانة التي تأمر أتباعها بفعل ذلك وأترك لهم الإجابة وسط ذهولهم! كنت أراهم يهتزون فكرياً وتعجز ألسنتهم عن الرد! 

أما الأسلوب الثالث في حديثي مع المتطرفين فكان مطالبتهم بالدليل كما قال القرآن "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين". فمثلاً بدلا من الدخول في مناقشات لا نهاية لها في موضوع صِدْق ودقة كتاب البخاري فكنت أسألهم بوضوح ما هو برهانهم أن البخاري صحيح.... ويكون الرد دائماً هو "أن الأمة أجمعت" على ذلك! فيأتيهم ردي البسيط أن القرآن قال " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" أي أن مبدأ الاتباع لأن الغالبية تقول ذلك هو مبدأ مرفوض في القرآن. وفي هذه اللحظات يكون ردهم جاهزاً وهو أن البخاري يتحري بدقة ويدقق كل حديث فأنهي أنا المناقشة بسؤال ألا وهو "وما هي الآية التي تؤكد أو الدليل المادي على ما تقول عن البخاري"؟ وبالطبع لم يكن لديهم آية أو أي دليل مادي لدعم رأيهم! 

وخلاصة القول فإن مناقشة أصحاب الفكر المتطرف لا تكون أبداً بالصدام بل تحتاج إلى أخذ المتطرف إلى لحظة يضطر فيها أن "يفكر" ويجيب على الأسئلة المطروحة فقد تخرجه هذه اللحظة - كما حدث معي - من سجن كلمة المتطرفين الشهيرة "الفكر كفر"! 

وللحديث بقية!   

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ