المركز العالمي للديانة البهائية هو في حيفا بإسرائيل
المركز العالمي للديانة البهائية هو في حيفا بإسرائيل

عادت قضية البهائيين للأذهان من جديد وذلك بعد أن رفض بعض المسؤولين في مصر إلزام محافظة الإسكندرية بتخصيص أراض تستخدم كمقابر لغير أتباع الأديان الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية.

وذلك ببساطة شديدة يعني أنك إن كنت مصرياً ولكن تؤمن بالديانة البهائية (أي أنك من الفئة الرابعة!) فإنك ستجد صعوبات شديدة في أبسط حقوق الإنسانية وأبسط مبادئ الرحمة ألا وهو أن تدفن أباك أو أمك وتواريهما التراب يوم موتهما.

الأمر هنا لا يحتاج إلى قانون أو حتى إلى دستور بل يحتاج إلى ضمير ورحمة وإنسانية خلقها الله في أعماقنا وهي إجلال الموت والرحمة بأهل المتوفى في لحظات الفراق.

ولنا في هذه اللحظات أن نتصور لوهلة لو أن أهل الديانات الأخرى أو شعوب الدول الأخرى عاملت المسلمين بنفس المبدأ فرفضت إعطاء الحق لهم بدفن موتاهم بحجة أنهم لا يؤمنوا بديانة الأغلبية! كيف كنا سنصف هذه الديانة أو ماذا كنا سنقول عن هذه الدولة والتي تترك واحدا من مواطنيها وأبنائها يبكي موت ابنه أو ابنته لأنه يجد معوقات قانونية في أن يواري جثمانه أو جثمانها التراب!

 ألهذا الحد فقدت الإنسانية معناها عند البعض! ألهذا الحد مات الضمير! ألهذا الحد قست القلوب فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة! 

وتحضرني في هذه اللحظات كلمات الله عز وجل في كتابه الكريم " ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (سورة البقرة آية 74). 

والغريب أن الموقف العدائي من البهائيين تم نسجه لدرجة ما لأن المركز العالمي للديانة البهائية هو في حيفا بإسرائيل مما دعا الرئيس السابق عبد الناصر إلى إغلاق محافل البهائيين وأماكن عبادتهم  بحجة أنهم جواسيس لإسرائيل ومما دعا أيضاً مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر إلى الحكم على أتباع الطائفة البهائية بأنهم "كفار لا علاقة لهم مطلقا بالأديان السماوية من قريب أو بعيد"، مؤكدا أنها "حركة صهيونية تهدف لنشر الرذيلة في العالم، وخاصة في البلدان الإسلامية".

هكذا وبدون أي دليل يتم وصف البهائية بأنها تابعة لإسرائيل  وبأنها تهدف لنشر الرذيلة في العالم!

وأعجب ما في الأمر أن المركز العالمي للديانة البهائية بحيفا (إسرائيل) والذي يتم إتهام البهائيين بأنهم عملاء لإسرائيل بسببه تم إنشاؤه في في الخمسينات والستينات من القرن التاسع عشر أي قبل إنشاء دولة إسرائيل الحديثة بحوالى مائة عام وذلك لأن مؤسس الديانة البهائية هاجر إلى حيفا في القرن التاسع عشرلا أكثر من ذلك ولا أقل!     

ووسط هذا الظلام والظلم في معاملة غيرنا من البشر في لحظة موت أحبائهم أود أن أذكر أن الدستور المصري نص صراحة على حظر التمييز، وتكافؤ الفرص بين المصريين على أساس المواطنة، وبهذا يُصبح حق البهائيين تخصيص أراضي قبور لدفن موتاهم  وبناء دور عبادة هو حق دستوري لهم.

ومن الكلمات التاريخية ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي ذات يوم وفي منتدى شباب العالم بمصر فقال بالحرف الواحد دعماً لمبدأ المواطنة أنه "لا تمييز بين رجل  وامرأة ولا تمييز بين دين ودين، الكل سواء، لو احنا عندنا في مصر ديانات أخرى سنبني لهم دور عبادة، ولو في يهود سنبني لهم، ولو في ديانات أخرى هنعمل، لإن ده حق المواطن، يعبد كما يشاء، وبالمناسبة يعبد أو لا يعبد ده موضوع لا نتدخل فيه". 

فهل آن الأوان للمسؤولين الذين يتعصبون ضد الأقلية البهائية من أبناء مصر أن ينتهوا عن ظلمهم واستضعافهم لمصريين مسالمين لا لشيء ولكن لأنهم مختلفون عنهم في العقيدة! وهل آن لهم أن يعملوا بنص الدستور المصري في إرساء مبدأ المواطنة! وهل  آن لهؤلاء المسؤولين أن يقتدوا بالقيم التي قالها الرئيس السيسي - بوضوح- أعلاه حول مبدأ المواطنة! 

وهل آن لهم أن يكفوا عن إستضعاف البشر وظلمهم حتى لا يتحدوا واحداً من أهم المبادئ في القرآن ألا وهو تحريم الظلم وتجريمه وتوعد مرتكبيه بالعذاب كما جاء في  قوله تعالى "ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا" وكما قال أيضاً " وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ (أي الظالمون) فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً".

 فكفاكم ظلماً للبهائيين!

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ