آيات فقدت حياتها جراء الضرب المبرح من قبل زوجها ووالديه
 آيات فقدت حياتها جراء الضرب المبرح من قبل زوجها ووالديه

خمس ضحايا لجرائم قتل شكلوا حصيلة الأيام القليلة الأولى من الشهر الجاري. خمس ضحايا من صغار السن لم تبلغ أكبرهم سن العشرين، شكل مقتلهم صدمة عارمة في الشارع السوري الذي ما إن كان يحاول استيعاب تأثير الجريمة الأولى، حتى توالت الأخبار السيئة حاملة معها تفاصيل أربعة جرائم أخرى لا تقل عنفاً ووحشية.  

خمس ضحايا قتلوا على يد أحد أفراد أسرتهم، وهم  آيات، 19 عاماً، وأم لطفلة فقدت حياتها جراء الضرب المبرح من قبل زوجها ووالديه. ثم أمل، 11 عاماً، التي طعنت وأحرقت من قبل شقيقها. أما وئام، 18 عاماً، وهي أم لطفلين وشقيقتها مريام، 16 عاماً، وأيضاً أم لطفل، قتلهما والدهما بطلقات نارية في الرأس، فيما عذب الطفل محمد، 9 سنوات، حتى الموت بسبب خلاف بين رجل وزوجته.  

الشارع السوري الذي اتخذ تفاعل غضبه هذه المرة بعداً مختلفاً ومازال يتصاعد حتى اللحظة ويطالب بأشد أنواع القصاص للجناة، ترافق بشفافية من قبل السلطات المختصة التي وضعت الرأي العام في ضوء التطورات المتعلقة بسير العدالة، ومنها بث الاعترافات المتلفزة التي أدلى بها قتلة آيات، وهي القضية الأولى التي أثارت المجتمع وحركت كرة الجليد الغاضبة. 

مناهضة العنف الأسري، حراك غير جديد على المجتمع السوري، لكنه اتخذ هذه المرة عنواناً جديداً له تحت مسمى قضية آيات ورفاقها، يقوده نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأجل تفعيل بعض القوانين أو استحداث قوانين جديدة في السياق، والدعوة إلى تفعيل دور أكبر للمجتمع، يتشارك بتقاسم مسؤولياته السلطات الرسمية ورجال الدين والإعلام ونشطاء المجتمع المدني وجميع المعنيين بإيجاد حلول تردع تفاقم العنف وتغوله. 

في الاستماع إلى الاعترافات المتلفزة التي أدلى بها قتلة آيات، وهم زوجها ووالده ووالدته، لن يكون عسيراً على المتابع التقاط بشاعة الحالة الجرمية التي بدت متعمقة في ملامحهم  ولغة أجسادهم. حيث لم يشفّ أيّ أسفٍ من نفوسهم، ولم يلح أيّ ندمٍ كامن في العيون، أو تلتقط من أحدهم ولو نبرة أسى واحدة توحي بالحزن لفقدان ضحيتهم الشابة وهول خسارتها كزوجة وأم لطفلتهم. 

بل بدت اعترافات قاسية خالية من المشاعر الإنسانية، وكأنها تتحدث عن أمر بسيط وعابر مرَّ في حياتهم وانتهى مثل انزلاق كأس شاي من بيد أيديهم وانكساره. ويمكن القول إنها اعترافات توحي بكراهية الضحية، والحقد المبطن ضدها وكأنها المسؤولة عن دفعهم لقتلها، الأمر الذي أعاد التنبيه حول ما إن بات المجتمع منغمس في العنف إلى هذه الدرجة من الخطورة؟  

في قراءة عامة للمشهد العالمي والإحصائيات التي تصدرها المراكز المتخصصة، يمكن الحديث عن ارتفاع مستوى العنف الأسري والمجتمعي في كل بلدان العالم دون استثناء لدول متقدمة أو غير متقدمة، بل ملاحظة ازدياد هذه النسب في بعض الدول المتقدمة  في العامين الفائتين يمكن تفسيرهما بما تسببت به جائحة كورونا من بطالة واحتكاك وصدامات أسرية بسبب قيود الحظر المتتالية. 

المطالبات التي يسعى نشطاء مناهضة العنف إلى تفعيلها مثل القوانين الصارمة ومراكز الحماية وخدمات الأرقام الساخنة والتجاوب السريع كمثل التي توفرها الدول المتقدمة، متوفرة نسبياً في العديد من الدول العربية. لكن الحقيقة تشير إلى أن غالبية المعنفين من الجنسين، يقيدهم الخوف من الانتقام في حال التفكير بالشكوى، والخوف المتمثل بالعادات والتقاليد، وبخاصة في حالات النساء المعنفات من قبل أزواجهن الذين لايلقين تجاوباً لشكواهن من قبل أهاليهن وتوصد الأبواب في وجوههن خوفاً من التلويح بالطلاق وشبح الفضيحة. 

الأمر الذي يعني أن يداً واحدة لا تصفق، ومهما وفرت الدول سبل الحماية وفعلت آلياتها، لن يتراجع العنف إن لم تتوفر الشجاعة الكافية في المعنَّف ذاته، ولم تحطم دائرته المجتمعية المترابطة ومركزها الرئيسي الكامن في النصوص والشرائع وقوانين الأحوال الشخصية والعادات والتقاليد المفعمة بأشكال لا حصر لها من التمييز ضد المرأة الأكثر عرضة لأشكال العنف الأسري.  

كيف يمكن إقناع المجتمع أن النساء لسن عورة، وكيف تقنع الأهالي أن إنجاب البنات ليس همّاً إلى الممات، وأن تعليمهن واجب وفائدة لهن ولأسرهن ومجتمعاتهن. كيف تقنع رب أسرة كبيرة وفقير أن زواج ابنته القاصر حرام، وفي الوقت ذاته يلقى التأييد من مجتمعه وتقاليده والنصوص تبيح له هذا التجاوز وتحلله؟. وكيف تقنع زوجاً أن امرأته سواء كانت قاصر أو غير قاصر، هي شريكة حياة وليست ملكية له ينتهك إنسانيتها ويفعل بها مايشاء؟ 

يطول الكلام ويمتد بحر التجاوزات والانتهاكات المجتمعية إلى ما لا نهاية، قد تبدو الحلول المتوفرة صعبة التطبيق لكنها ليست بمستحيلة، وتحتاج إلى ما يشبه خطة وطنية تتشارك بها الدول مع مجتمعاتها، يتعاون بها رجال الدين والمدارس والإعلام والدراما المؤثرة ونجومها ومفاصل حيوية أخرى في المجتمع، وتخصص لدعمها صناديق مالية تذهب للأسر المحتاجة التي تلجأ إلى تزويج بناتها تحت ذريعة الحاجة على سبيل المثال. 

هل سيتراجع العنف بعد كل هذه الإجراءات والتسهيلات، وهو يحيط بالعالم من كل جوانبه ويرسم معالم العصر في معظم مفاصله، مثل  الحروب والمجاعات والبطالة والفقر، أضف إلى ارتفاع ثقافة الكراهية وتبادل المحتوى العنفي على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى أرض الواقع سواء بسواء؟ .  

الأمل في تراجعه ضئيل للغاية، بل إنه سيزداد تغولا وسنحصد المزيد من ضحايا العنف، إلى أن تهدأ البشرية قليلا وتصحو وتنتبه إلى الخطر الذي يواجه إنسانيتها بسبب جنوحها العام نحو العنف الكامن في النفوس، حيث لم يعد الحزن يشف من أصوات  القتلة، ولا يلوح ندم أو أسى من عيونهم لما ارتكبوه، وهو عمق المشكلة وجوهرها.   

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.