بعض المدارس الأميركية منعت تدريس رواية ماوس المصورة
بعض المدارس الأميركية منعت تدريس رواية ماوس المصورة

أحيت الولايات المتحدة، ومعها العالم يوم الخميس اليوم العالمي لذكرى المحرقة (الهولوكوست) النازية ضد يهود أوروبا، على خلفية ازدياد جرائم الحقد والكراهية والعنف ضد اليهود في الولايات المتحدة (والعالم) ونكران الهولوكوست، والتي تفاقمت طبيعتها ووتيرتها في السنوات الخمسة الماضية المتزامنة مع بروز الظاهرة السياسية لدونالد ترامب.

تصريحات ومواقف ترامب خلال هذه الفترة نضحت بالصور النمطية عن اليهود مثل الإشارة إلى سيطرتهم على الإعلام الاميركي، وتحديدا صحيفة نيويورك تايمز، أو وصف إسرائيل امام جماهير يهودية في أكثر من مناسبة بانها "وطن" اليهود الأميركيين، أو اتهام يهود الولايات المتحدة بأنهم "لا يحبون" اسرائيل، أو وصف تظاهرة معادية لليهود في مدينة تشارلوتسفيل بولاية فيرجينيا في 2017 بأنها كانت تشمل مشاركين "جيدين للغاية".

خلال ولايته، وبعد هزيمته قام ترامب وأنصاره في أوساط اليمين المتشدد والعنصري "بتطبيع" العداء للسامية، بما في ذلك ظواهر نكران المحرقة، والتقليل من أهميتها أو تسييسها لخدمة أهداف سياسية آنية مثل معارضة عمليات التلقيح ضد كوفيد-19.

قرارات ترامب مثل حظر دخول رعايا عدد من الدول ذات الأكثرية المسلمة، ووصفه لجائحة كورونا بالجائحة "الصينية"، وإهانته للمهاجرين من الدول الأفريقية، ومواقفه التقليدية السلبية من الأميركيين من أصل أفريقي، كلها ساهمت  في زيادة معدلات جرائم الحقد والكراهية والعنف ضد هذه الأقليات في اميركا في السنوات الماضية. 

الهيمنة شبه الكاملة التي يمارسها ترامب على الحزب الجمهوري وتحديدا قاعدة هذا الحزب، وجنوح الجمهوريين في السنوات الأخيرة إلى اليمين المتشدد وتسامحهم مع دعاة تفوق العنصر الأبيض والمناخ الأتوقراطي الذي ينضح به السجال السياسي في أوساط اليمين الأميركي دفع بالسلطات المحلية في عشرات الولايات التي تسيطر أكثريات جمهورية على مجالسها التشريعية المحلية إلى منع تدريس عشرات الكتب في المدارس الرسمية الابتدائية والثانوية بحجة انها مثيرة للجدل لأسباب سياسية او عنصرية أو جنسية.

 هذه "الحرب ضد الكتب" كما يصفها بعض المحللين تشمل محاولة منع كتب أدبية رائعة من بينها كتب الروائية الأفريقية الاصل  توني موريسون، الحائزة على جائزة نوبل للأدب لأنها تتمحور حول العنصرية والعبودية في تاريخ الولايات المتحدة.  

جاء إحياء اليوم العالمي لذكرى الهولوكوست بعد أيام من قرار السلطات المحلية في مقاطعة في ولاية تينيسي منع كتاب Maus  حول فظائع الهولوكوست  التي يقدمها عبر الرسوم لطلاب المدارس الثانوية والحائز على جائزة بوليتزر بحجة أن لغته نابية وأن أحد الرسوم هو لأمرأة عارية .كما جاء إحياء ذكرى الهولوكوست بعد أقل من أسبوعين من اقتحام مسلح بريطاني لكنيس في ولاية تكساس خلال تلاوة الصلوات واحتجاز 4 رهائن. 

ووفقا لإحصائيات مكتب التحقيقات الفدرالي (الاف بي آي) يتعرض اليهود الأميركيين إلى جرائم حقد بنسب تصل إلى ثلاثة اضعاف نسب جرائم الحقد التي تتعرض لها الفئات الاثنية والدينية الأخرى في البلاد. خلال شهر أكتوبر الماضي ومع حلول الذكرى الثالثة لمجزرة الكنيس في مدينة بيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا حين قتل مسلح عنصري 11 مصليا يهوديا، وهي أكبر جريمة قتل جماعي لليهود في تاريخ أميركا، أصدرت اللجنة اليهودية الأميركية، وهي من أبرز المنظمات اليهودية في البلاد تقريرا عن ظاهرة العداء للسامية في الولايات المتحدة جاء فيه :  

واحد من كل اربعة يهود أميركيين يقول أنه تعرض لهجوم معاد لليهود خلال السنة الماضية. 

أربعة من كل عشرة يهود يقولون أنهم غيّروا من سلوكهم بسبب خوفهم. 

أربعة من كل عشرة  يهود شهدوا شخصيا حوادث معادية للسامية.  

وكشف التقرير زن 82 بالمئة من اليهود يقولون أن مشاعر العداء للسامية في البلاد قد ارتفعت خلال السنوات الخمس الماضية، مقابل 44 بالمئة من المواطنين غير اليهود الذين يقولون الشيء ذاته.  

تفاقم مشاعر العداء لليهود تأتي على خلفية جهل عميق لطبيعة المحرقة بصفتها أبشع حرب إبادة في القرن العشرين في أوساط الشباب الأميركي وفقا للدراسات واستطلاعات الرأي، التي أظهرت ان 48 بالمئة من الأميركيين بين سن 18 و 39 لم يستطيعوا تسمية معسكر قتل جماعي واحد أقامه النازيون خلال فترة الهولوكوست. وحوالي 23 بالمئة من هذه الفئة الديموغرافية يعتقدون أن الهولوكوست هو أسطورة او حدث مبالغ به كثيرا.  

العداء للسامية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يتخذ أشكالا عديدة من بينها نكران الهولوكوست أو التقليل من أهميته، أو تسييسه بشكل رخيص يخلع عنه فرادته كحرب إبادة منظمة شنتها دولة متقدمة ضد شعب أعزل ما ادى الى قتل 6  ملايين يهودي أوروبي في عدد من معسكرات الاعتقال التي بناها النازيون في بولندا المحتلة خلال سنوات الحرب .  

خلال عملية مكافحة جائحة كورونا، وخاصة خلال محاولات إدارة الرئيس بايدن إقناع الاميركيين بتلقي اللقاحات الضرورية لمكافحة كوفيد-19 وخاصة إلزام الموظفين الحكوميين أو محاولة إرغام الشركات الكبرى على تلقيح موظفيها (وهي محاولة أجهضتها المحكمة العليا) برزت معارضة، معظمها (وليس كلها) في أوساط الجمهوريين والفئات المتشددة اليمينية والتي عكست استخفاف الرئيس السابق ترامب بالجائحة في بدايتها، ضد التلقيح ودور الحكومة الفدرالية في هذه الجهود. وقام عدد من السياسيين الجمهوريين من بينهم مشرعين في الكونغرس باتهام الحكومة الفدرالية بالتصرف "بشكل نازي" لإرغام المواطنين على تلقي اللقاح، او الادعاء بان الحكومة الفدرالية تعامل المواطنين كما عاملت المانيا النازية اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. هذه الادعاءات ليست باطلة او سخيفة فقط، بل خطيرة لأنها تستخف بضحايا الهولوكوست وعائلاتهم وتزور التاريخ بشكل مقزز، عدا عن أنها تعكس إفلاسا اخلاقيا شنيعا.  

إقحام النازية وهتلر والهولوكوست واخراجها من سياقها التاريخي واستغلالها في السجال السياسي الراهن في البلاد، وتسييس حرب ابادة جرت قبل أكثر من 75 سنة في أوروبا من قبل مشرّع او محلل او اعلامي أميركي لتسجيل موقف سياسي آني، بما في ذلك شيطنة شخصيات طبية وعلمية تشدد على مزايا التلقيح ضد كوفيد-19 ساهم في تفشي الجائحة وساهم في جعل الوفيات الناجمة عن الجائحة في الولايات المتحدة من اعلى النسب في العالم، عدا عن تشويه الحقائق العلمية والطبية، ناهيك عن تشويه الهولوكوست ومعناه التاريخي الحقيقي. 

خلال تحصيلي العلمي في جامعتي فيلانوفا (في ولاية بنسلفانيا) وجورجتاون (واشنطن العاصمة) في سبعينات القرن الماضي، وقبل أن ابدأ عملي كمراسل لمطبوعات عربية من واشنطن قبل حوالي 40 سنة، تعلمت بسرعة، من مناقشاتي ومناظراتي السياسية خلال المؤتمرات الطلابية والمناظرات السياسية التي كنا ننظمها كطلاب مؤيدين لحقوق الشعب الفلسطيني في مواجهة المدافعين عن سياسات إسرائيل، بعض الحقائق الأساسية حول الحرب العالمية الثانية. أولا، عدم مقارنة هتلر بأي زعيم طاغ آخر مارس القتل الجماعي، مثل ستالين أو ماو تسي تونغ، لأن هتلر شنّ حرب إبادة منظمة استهدفت يهود اوروبا بطريقة منهجية غير معهودة بفظاعتها، إضافة إلى قتله لعشرات الملايين من المدنيين الأوروبيين الشرقيين وتحديدا في بولندا وأوكرانيا وروسيا. وايضا لأن النازية كأيديولوجية كانت مبنية على تقاليد قديمة من العداء الدموي ضد اليهود في أوروبا، وهو عداء كانت تمثله قوى سياسية وشخصيات ثقافية وفنية وفكرية معروفة، ولأن النازية ولدت في أحد أكثر المجتمعات الاوروبية تقدما من النواحي العلمية والصناعية. 

 كثيرا ما نسمع خلال المناقشات السياسية – بمن فيها الجدية – في مختلف انحاء العالم من يطلق عبارات مثل حرب إبادة، لوصف مجزرة قتل فيها المئات، او حتى استخدام كلمة المحرقة لوصف مذبحة قتل فيها الآلاف. هناك تعريفات قانونية وسياسية مختلفة لجرائم الحرب، أو جرائم ضد الانسانية او الابادة الجماعية، او المجازر وهناك الهولوكوست التي تعني شيئا محددا ولا لبس فيه ولا مجال لاستعارته لوصف أي ظاهرة عنف أخرى.

وعلى سبيل المثال تاريخ وأصل كلمة  Genocide  الإنكليزية (والتي تعني الابادة الجماعية) صاغه المحامي البولندي الاصل رافايل ليمكن Raphael Lemkin في 1944 حين مزج الكلمة اليونانية القديمة genos التي تعني الشعب او العرق بالكلمة اللاتينية cide التي تعني القتل. ( ليمكن كان أول باحث يستخدم كلمة Genocide لوصف عمليات القتل الجماعي المنظمة التي قامت بها الامبراطورية العثمانية ضد الشعب الارمني خلال الحرب العالمية الاولى). 

 أي نقاش يتم فيه مقارنة هتلر بطاغ دموي آخر، او مقارنة الهولوكوست بأي عملية قتل جماعي اخرى لن يؤد الى فهم أفضل للموضوع قيد النقاش لأن المقارنة بين هتلر وأي زعيم آخر، وأي عملية قتل جماعي بالهولوكوست لن تكون صحيحة أو دقيقة لانها ستلغي حقيقة ان هتلر والهولوكوست هما ظاهرتين رهيبتين وفريدتين ولا مثيل لهما، وأي تجاهل لهذه الحقائق هو تزوير غبي او مقصود للتاريخ واهانة للملايين الذين التهمتهم المحرقة النازية ولذكراهم.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.