سوريا - إدلب- عارضة
"على الدوام كان ثمة طائفية ومناطقية في الحياة العامة السورية"

المنتفضون في المظاهرات الاحتجاجية المؤخرة في محافظة السويداء السورية جنوب البلاد، حيث غالبية سكانها من أبناء طائفة "الموحدون الدروز"، كانوا يرفعون العلم الذي يتخذه أبناء هذه الطائفة رمزاً روحياً ومجتمعياً، بينما ذوي "الوطنية السورية" كانوا يسعون جاهدين للتعامل مع تلك الواقعة بما فعلوه مع أحداث أخرى مشابهة. 

وهذا دل بوضوح على مأزق تلك الوطنية، التي مثل أي وطنية أخرى، مصابة بذلك المُركب المُرعب، المؤلف من العماء عن الواقع عبر نكرانه، والرُهاب من حقائقه عبر الإيحاء بخطورة مُطلقة متأتية منه.  

الشق المعارض من هذه "الوطنية السورية"، لم يرَ تلك الأعلام قط، وأنكر ما تتضمنه من نزعة مناطقية وجموح أهلي جماعاتي، هو حقيقة جوهر مشاعر وحدة الحال وشكل التضامن الداخلي الخاص الذي يجمع المنتفضين هؤلاء. هذه الأهلية والمناطقية التي هي الروح والجوهر السياسي الأكثر عمقاً لهؤلاء المنتفضين، راهناً على الأقل.  

فعل ذلك، لأن واقعة رفع العلم واختيار المقر الديني أو المذهبي لأبناء الطائفة كنقطة لانطلاق تلك التظاهرات، إنما هي أشياء مزعجة لخيالات ورغبات ومصالح ذلك الشق المعارض من "الوطنية السورية".

فهذه الأخيرة، تريد أن تكون مختلف الجماعات والجهات السورية متمركزة حول قضايا ورموز واحدة، هي تلك التي يفترضها ويفرضها أبناء هذا الشق المعارض من مُلاك "الوطنية السورية"، وحيث، ولغير صُدفة، ينتمون إلى جماعة أهلية بذاتها ومنطقة جغرافية بعينها، بغالبيتهم المُطلقة على الأقل. 

على العكس الظاهر، فإن الشق المؤيد من نفس تلك "الوطنية السورية" رأى تلك الأعلام بدهشة مبالغة للغاية، رآها بكونها تمثيلاً لمؤامرة كبرى ودلالة على ما يداهم البلاد من تهديدات، تسعى لتقسيمه وتفتيت مجتمعه الداخلي.

ولغير صدفة أخرى، فإن أبناء هذا الشق الأخير من "الوطنية السورية" ينتمون أيضاً، ولو بأغلبيتهم المُطلقة على الأقل، إلى جماعة أهلية ومناطقية بذاتها، تسعى لأن تُعمم رموزها وخياراتها باعتبارها الممثل الوحيد للـ"الوطنية السورية". 

في المحصلة، وحيث أن قطبي حاملي لواء "الوطنية السورية" يظهران وكأنهما متباينان، فهما مُتطابقان بوضوح في المحصلة، مُجمعان على ثنائية النكران مع الرُهاب. فالأشياء والحقائق حسبها إما غير موجودة وغير ذات معنى وعمق ودلالة وتعبير، أو شديدة الخطورة والمداهمة والتعبير والدلالة.

في الحالتين ثمة غياب مُطلق للمعاني والدلالة الموضوعية والطبيعية والعادية لمثل هذه الواقعة أو تلك الظاهرة المنافية لحقائق وتطلعات ذوي "الوطنية السورية". 

ليس في الأمر ما هو جديد تماماً، فهذا الداء الوطني له تاريخ ومسيرة ذاته هوية وأسس موضوعية، وهو تاريخ يدل على جذرية وأصالة الأهداف والمصالح التي يستميت "الوطنيون" في سبيل تحقيقها من خلال استخدام تلك الأدوات. 

فقبل حادثة الأعلام المرفوعة في محافظة السويداء، كانت هذه الوطنية قد فعلت الأمر ذاته مع الأعلام التي رفعها الأكراد شمال البلاد، بين سعي للقول إنها لا تعني شيئاً، وتالياً نكران أي مظالم أو قضية ذات هوية كردية، وبناء على ذلك نفي أي فضاء أو حقوق ذات خصوصية كُردية.

كذلك فإن الشق النظير من تلك الوطنية تعامل مع الأعلام الكردية بنفس الآلية، فاعتبرها دلالة على النزعة الانفصالية والتدخلات الإقليمية والدولية في المسألة السورية. لكن أيضاً لأغراض مطابقة لمساعي الطرف الأول، أي نكران المظلومية الكُردية ورفض الاعتراف بحقوق وخصوصية أبناء هذه الجماعة، ولو ضمن الفضاء السوري الكلي.

وفي أوقات سابقة لهاتين الحادثتين، فإن شقي هذه الوطنية مارسا الأمر ذاته فيما بينهما، فيما يخص الأعلام التي رفعها كُل طرف منهما.

إذ قالت قوى المعارضة أن علم النظام السوري ومختلف رموزه تمثل وتعبر عن قوة احتلال وسلطة الحكم الطائفي على البلاد، وأن "الوطنية السورية" تقتضي رفضها جذرياً.

كذلك النظام السوري اعتبر العلم الذي ترفعه قوى المعارضة السورية ممثلاً فعلياً لقوى الإرهاب والسعي لتقسيم سوريا، وبذا يُقتضى اقتلاعه جذرياً.

وهما نزعتان كانتا في الأساس تسعيان لرفض الوقائع، واقعة أنه ثمة في سوريا ثورة ما، وإن كانت ذات وجه طائفي ومناطقي، والواقعة الثانية تقول إنه للنظام السوري شعب ما من المؤيدين، وإن كانوا بغالبيتهم من طائفة ومنطقة سورية بعينها. 

قبل ذلك بسنوات وعقود كثيرة، كان ثمة نكران ورُهاب تام للطبيعة المركبة والمتنوعة للمجتمع والجغرافيا السورية. فسوريا التي تكونت أساساً من حساسيات مناطقية وأهلية متنوعة، كانت لسنوات طويلة أربع دول متحدة فيما بينهما، كل دولة منها كانت ذات هوية أهلية طائفية ومناطقية، ولم تتحد نهائياً إلا عبر قوة قسرية كان يمثلها الاحتلال الفرنسي وقتئذ.

أما الأكراد وغيرهم الكثيرين من أبناء الجماعات السورية إنما بقوا على الدوام يعتبرون الكيان السوري قوة قسر عمومية على كل أشكال حياتهم. 

طوال المراحل اللاحقة، لم تشهد سوريا يوماً اندماجاً سياسياً ومجتمعياً إلا في خيالات ذوي النزعة الوطنية وفي أدوات القهر التي مارسها الغالبون في كل فترة من حاضر وتاريخ هذا الكيان.

فعلى الدوام كان ثمة طائفية ومناطقية في الحياة العامة السورية، وفي كافة القطاعات، مهذبة ومغلفة ومكاذبة في أوقات التوازن، عنيفة ومؤذية في أوقات الانفجار. 

لكن الأهم هو الإدراك أن تلك الحقائق لم تكن منكرة لأسباب اعتباطية. فقطبا الحياة العامة السورية الأكثر حضوراً وفعالية خلال نصف قرن كامل مضى كانا يستخدمان "الوطنية السورية" المُدعاة تلك، لأنها كانت تؤمّن لحاملي لوائها استيلاءً كاملاً على البلاد، جغرافياها وذاتها وهويتها، على عكس الاعتراف، الذي قد يؤدي بالضرورة إلى أشكال من المقاسمة والشراكة والتوافقية، وإن ضمن نفس الكيان. 

النكران التاريخي لتلك الحقائق السورية أنتج الرياء السياسي المحض، الذي أغرق الحياة السياسية والعامة السورية بتركيبة من المكاذبات وعدم الثقة والفشل في القدرة على بناء منصات سياسية ذات مصداقية.

أما الرُهاب، فقد حول تلك النزعات من طابعها النسبي والعادي والقابل للعلاج ضمن الفضاء الوطني، ليكون شيئاً سياسياً مُطلقاً، مفعماً بالمتاركة والكراهية المتبادلة.

وتسعى "الوطنية السورية" لأن تروجه كـ"سبب وجيه" لنكرانها لتلك الحساسيات الأهلية والمناطقية، أو رهابها منه، باعتبارها شكلاً ونزعة لتشييد الحياة العامة على أسس مدنية أو علمانية مبنية على روح المواطنة.

وعلى العكس فإن جميع الديمقراطيات الراسخة في التجارب العالمية مرت أولاً عبر الاعتراف بـ"الحقائق الوطنية"، ثم حاولت التخفيف من شحنة تلك الحقائق ونزعاتها الكلية والمتاركة، وذلك عبر أوسع طيف من الاعتراف والشراكة والسياسات الاندماجية أو الاحتوائية، وليس بطائفية مُستترة وقسر مُغلف بخطاب يدعي المدنية، كما يفعل الوطنيون السوريون هؤلاء، وحيث أن كل تفصيل من أفعالهم يدل على ما هو العكس تماماً من أقولهم المنمقة، من أفعال المعارضين في جبال عفرين إلى سلوكيات الموالين في أقبية سجون العاصمة، دمشق. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.