مقتدى الصدر والمالكي في مؤتمر صحفي جمعهما عام 2006
الذهاب نحو حكومة الأغلبية لا يعني عصا سحرية لحلّ كل تلك الأزمات

ينافس سياسيونا لاعبي كرة القدم في دَوري المحترفين، لكنّهم يختلفون عنهم كثيراً، فالمتلاعبون بالساحرة المستديرة يتنافسون في استعراض مهاراتهم داخل المستطيل الأخضر وبالنتيجة نستمتع بالمشاهدة والتشجيع. أما لاعبوا السياسة في بلداننا فهم غير محترفين في شيءٍ إلّا في مراكمة   الحكومة، والأخرى تذهب إلى المعارضة داخل قبّة البرلمان. إلا أن الأحزاب والقوى السياسية المهيمنة والمتنفذة ثبتت عُرفاً سياسياً يرتكز على مقولة نعم لِلحُكم، وكلا وألف كلا لِلمعارضة، فالمعارضة تعني في عرفهم الانتحار السياسي! 

قبل انتخابات تشرين 2021 كان الخطاب السياسي لِكثيرٍ من السياسيين يركّز على انتقاد النظام السياسي القائم على أساس التوافقات والصفقات. ولكن، بعد نتائج الانتخابات وكثرة الاعتراضات عليها، أدركت بعض أحزاب السلطة التقليدية، التي خسرت مقاعدها مقارنة بالانتخابات السابقة، بأن معركتهم القادمة ستكون مع شركائهم السابقين في العملية السياسية، الذين يسعون إلى الاستئثار بالسلطة وإبعادهم عن مراكز النفوذ في الحكومة القادمة. لذلك فإنَّ الزعمات التي انتقدت التوافقيةَ في السابق، باتت اليوم أكثر إصراراً ودفاعاً عن بقائها، فهي الضامن الوحيد لمشاركتهم في السلطة.

لحدّ الآن، الثلث المعطّل هو حجر عثرة أمام الذهاب نحو حكومة الأغلبية التي يريدها تحالف الصدريين مع السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني. وبعد أن نجح في تعطيل جلستين لانتخاب رئيس الجمهورية، أصبح اليوم الرهان الأقوى لِضمان بقاء التوافقية وتعطيل حكومة الأغلبية، حتى وإن كان الثمن التجاوز على التوقيتات الدستورية، فالتوافقية هي طوق النجاة من خسارة النفوذ بعد خسارة مقاعد البرلمان. 

وعلى خلاف مواقفه السابقة، يبدو أن مقتدى الصَّدر أكثر ثباتاً هذه المرّة بدعوته إلى تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية، ورفضه العودة إلى التوافقية. وكلّما تمسّك أكثر بموقفه أحرج خصومَه وحلفائَه على حدّ سواء. فالخصوم لا يريدون تشكيل حكومة مِن دون الصدريين؛ لأنَّ ذهاب الصدريين نحو المعارضة يعني بأن حكومتهم تولد ميّتة. أمّا حلفائه في تحالف إنقاذ وطن، فالبرزاني يريد كسر إرادة خصومه والفوز بمنصب رئيس الجمهورية، وتأخير ذلك يعطّل الخطوات اللاحقة التي تريد توسّع تمركزه في كردستان وبغداد. وزعامات السيادة تريد تثبيت قوّة نفوذها من خلال الحصول على الوزارات في الحكومة القادمة. 

خطوات مقتدى الصدر باتت تنتقل مِن المواجهة المباشرة مع الخصوم إلى استراتيجية الانسحاب التكتيكي، ولعلَّ الأربعين يوماً التي حددها كفرصة لِلقوى المشاركة في الثلث المعطّل، بترك خيار التعطيل والاتفاق مع القوى السياسية في تحالف إنقاذ وطن لتشكيل حكومة مِن دون مشاركة الصدريين، ستكون تحديّاً واختباراً لِصلابة القوى المتحالفة في الثلث المعطّل في حال الانتقال مِن التعطيل إلى المشاركة في الحكومة.  

لا تريد قوى الإطار التنسيقي، ومَن يتحالف معها في الثلث المعطّل، أن تستوعب حالةَ الشيخوخة التي بلغتها التوافقية وعجزها عن احتواء التناقضات بين الفرقاء السياسيين، وإن حكومةً تتشكّل على أساس التوافقات تعني بقاء الدولة هَشّةً وتزايد الفجوة بين الجمهور والطبقة السياسية. ومن ثمَّ، خيارات البقاء ضمن دائرة السلطة من خلال التوافقية، قد تؤدّي إلى كسب جولةٍ جديدة للمحافظة على النفوذ والسلطة، لكنّه يعني مَوتاً بطيئاً لهذا النظام السياسي الذي فشل في أن يكون نظاماً فاعلاً وقادراً على حلّ أزماته السياسية وأزماته مع المجتمع. 

والذهاب نحو حكومة الأغلبية لا يعني عصا سحرية لحلّ كل تلك الأزمات والإشكاليات التي ترسّخت في العَملية السياسية طوال 19 عاماً، وإنما هو قرار جريء وشجاع باللجوء إلى الموتِ الرَّحيم لِنظام الحكم الذي أنتجته التوافقات الهشّة، والتي لم تنتج غير الفساد وهَدر الثروات وضياع ملامح الدولة وتسلّط الفاشلين على مقاليد الحكم.  

إذاً، كلاسيكو التوافقية والأغلبية لم يعد يحتمل التأجيل في مناورات الشَّد والجَذب، والمراهنة على كسر الإرادات بالتعطيل أو تفكك التحالفات، فشجاعة الذهاب نحو المعارضة أفضل مِن المشاركة في حكومةٍ توافقية تساهم بديمومةِ العجز السياسي حتّى وإن كانت حَلاً لِلانسداد السياسي. ويجب أن تسهم النتيجةُ بقرارات شجاعة تحتاج إلى الثبات بالمواقف أكثر مِن الخطابات الديماغوجية التي تتوسّل بشعارات "حقّ المكوّن"، أو تريد تسقيط خصومها من خلال نظريات المؤامرة. فالملعب السياسي يحتاج إلى مهارات احترافية لإقناع الجمهور مِن خلال الأداء السياسي والاقتصادي والخدَمي، وليس إيهام الناس بأنَّ الأولوية لِحفظ "حقوق المكون"، حتّى وإن أدّى ذلك إلى الخراب وإلى تسلّط الفاسدين والفاشلين على ثروات البلد ومقدّراته

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟