الحرب الأوكرانية - سلام - مظاهرة
"لا أحد يعلم كيف ستنتهي الحرب في أوكرانيا"

تبرر الدول العربية وإسرائيل مواقفها "المحايدة" أو ردود فعلها "الفاترة" تجاه الغزو الروسي المدّمر لأوكرانيا بالقول إنها تريد "موازنة" علاقاتها مع واشنطن وموسكو، وتفادي الظهور وكأنها تقف تلقائيا في المعسكر الغربي.

كما تسعى بعض هذه الدول، وأبرزها السعودية، إلى استغلال الأزمة لبعث "رسائل استياء" لواشنطن التي تتهمها هذه الدول بأنها  لا تقف بقوة مع حلفائها، وتحديدا تفادي واشنطن الدفاع عن هذه الدول ضد هجمات إيران وعملائها، ولكي تعبر عن قلقها مما تراه رغبة الولايات المتحدة، في ظل الحكومات الديمقراطية والجمهورية التي تعاقبت على البيت الأبيض في السنوات الماضية بتخفيض حضورها العسكري وحتى الدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط، للتركيز على التحدي الصيني الصاعد في شرق آسيا. 

بعض هذه الدول رأت في الانسحاب الأميركي الفوضوي والدموي من أفغانستان في الصيف الماضي دليلا إضافيا على عدم الثقة بواشنطن لتنفيذ التزاماتها أو تهديداتها، وكان أكثرها إحراجا إخفاق الرئيس الأسبق، باراك أوباما، في تنفيذ تهديده للرئيس السوري بشار الأسد بأنه سيتعرض لضربة عقابية اذا استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه، كما أخفق الرئيس السابق، دونالد ترامب، في الرد عسكريا على الهجوم الإيراني ضد منشآت النفط السعودية في 2019.

ذاكرة الدول العربية وإسرائيل حول ما يعتبرونه تسويات واشنطن مع خصومهم وإخفاقاتها في حماية حلفائها تعود إلى خطاب الرئيس أوباما في القاهرة في 2009 حول فتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي، بمثابة إضفاء الشرعية على الحركات الإسلامية بمن فيها حركة الإخوان المسلمين، وأن هذا الموقف يفسر إسراع أوباما بسحب غطاء الحماية الأميركية عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عقب الانتفاضة الشعبية في 2011.

وكان الاتفاق النووي الموقع في 2015 بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد، والذي جاء عقب مفاوضات ثنائية سرية بين واشنطن وطهران في عمان، بمثابة نقطة تحول سلبية في تعامل معظم دول الخليج العربية وإسرائيل مع إدارة الرئيس أوباما، وإدارة الرئيس بايدن الذي تعهد بإحياء الاتفاق الذي كان سلفه ترامب قد انسحب منه في 2018.

في الأسابيع الماضية، ارتفعت وتيرة الانتقادات العربية والإسرائيلية –المحقة نظريا – لإدارة الرئيس بايدن في أعقاب التقارير الصحفية التي ذكرت أن إدارة بايدن تفكر جديا بالتراجع عن تصنيف الحرس الثوري الإيراني كتنظيم إرهابي دولي كجزء من التسوية المتوقعة لإحياء الاتفاق النووي، قبل أن تنفي واشنطن رسميا هذه التقارير.

وتتركز معظم انتقادات الدول العربية وإسرائيل للولايات المتحدة على موقفها غير الحازم تجاه إيران، كما يتبين من ردود الفعل الأميركية المحدودة أو الضعيفة على الاستفزازت العسكرية الإيرانية المباشرة، أو عبر عملائها في العراق ضد القوات الأميركية في العراق أو ضد حلفاء واشنطن في العراق وفي المنطقة ككل.

هذه الانتقادات سليمة ومبررة وعكستها سياسات الرؤساء أوباما وترامب وبايدن. الرئيس أوباما رفض التصدي للسياسات العدوانية السافرة لإيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن خلال مفاوضاته النووية مع إيران.

الرئيس ترامب، على الرغم من انسحابه من الاتفاق النووي وفرضه لسياسة "العقوبات القصوى" ضد طهران، إلا أنه بقي في حيز معاقبة إيران لمجرد معاقبتها وليس للتوصل إلى اتفاق مختلف، لا بل أخفق في طرح أي بدائل للاتفاق الذي وقعه أوباما في 2015 والذي يريد بايدن إحياءه وربما مع تعديلات بسيطة عليه.

الرئيس بايدن الذي يتفادى مواجهة إيران وعملائها في العراق بشكل حازم، يجازف بتشجيع العدوانية الإيرانية الإقليمية، كما أن إسراع إدارته في إلغاء قرار إدارة الرئيس ترامب في آخر ساعاتها: تصنيف حركة الحوثيين في اليمن كتنظيم إرهابي، دون الحصول على تنازل حوثي مسبق، ساهم ربما في زيادة تطرف هذا التنظيم وشجعه على مواصلة قصفه الصاروخي العشوائي للمواقع المدنية في السعودية ودولة الإمارات.

ولكن في المقابل، حين  ترفض الدول العربية الخليجية وإسرائيل إحياء الاتفاق النووي مع إيران، فإنها تتفادى طرح البدائل أو التسويات والحلول التي ترغب بها، حيث توحي، وخاصة إسرائيل، أنها تريد التخلص من البرنامج النووي الإيراني برمته، ربما عبر ضربة عسكرية أميركية، وهذا ما لم ترغب به الحكومات الأميركية الأخيرة. ومن الواضح أن الحكومات الأميركية ترفض معاقبة إيران وسياساتها العدوانية كما رفضت وهزمت عدوانية نظام صدام حسين كما تجلت في غزوه للكويت في 1990. 

الدول المحورية لواشنطن في المنطقة وهي السعودية والإمارات وإسرائيل أصدرت مواقف غامضة، وأحيانا متناقضة، حول الحرب الروسية ضد أوكرانيا، التي لم تصفها أي من هذه الدول بالعدوان كما تفادت إدانتها وحاولت موازنة مواقفها بين واشنطن وموسكو من خلال الحديث عن القانون الدولي والحلول السلمية.

كما أن دولة الإمارات  تحدثت عن أن لموسكو الحق في ضمان أمنها القومي في أوكرانيا. هذه الدول وغيرها في المنطقة ترى أن الحرب الروسية ضد أوكرانيا أظهرت أن العالم أصبح متعدد الأقطاب، وأن الولايات المتحدة لم تعد الدولة العظمى الوحيدة في العالم، وأن هذه الدول يجب أن تسعى إلى "تنويع" مصادر حمايتها وألا تعتمد، كما كانت تفعل في السابق، فقط على الحماية الأميركية، وأن تعزز من علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الأقطاب الأخرى: الصين وروسيا.

ولكن حتى ولو كانت بعض الانتقادات العربية والإسرائيلية للسياسة الأميركية في المنطقة، التردد في التصدي لإيران وعملائها، صحيحة ومبررة، فإن ذلك لا يبرر تقليل هذه الدول من فظاعة ووحشية العدوان الروسي ضد أوكرانيا وشعبها، أو يبرر استغلال هذه الكارثة الإنسانية لمساعدة روسيا اقتصاديا من خلال مواصلة تنسيق إنتاج النفط عبر آلية OPEC+ والتي تؤدي عمليا إلى دعم وتمويل الحرب الروسية ضد أوكرانيا.

عدم المساهمة في زيادة إنتاج النفط في هذه المرحلة الحساسة سوف يضر بسمعة ومكانة الدول النفطية لدى واشنطن على المدى البعيد. دول الخليج لا تستطيع أن تجد الحماية البديلة في موسكو أو بكين، إذا كان الهدف توفير الحماية ضد عدوان إيراني مباشر أو غير مباشر.

لا روسيا ولا الصين مستعدة لتفويض علاقاتها المتشعبة مع إيران لصالح دول الخليج. كما أن هذه الدول يجب ألا تبحث عن مثل هذه الحماية عبر تعزيز علاقاتها العسكرية مع إسرائيل، التي لن تدخل في أي نزاع عسكري مع إيران إلا للدفاع عن مصالحها فقط.

استمرار القتال في أوكرانيا سوف تصل تداعياته وتردداته السلبية إلى دول إقليمية تهم دول الخليج وإسرائيل، مثل مصر التي اضطرت مؤخرا إلى تخفيض قيمة عملتها والتي تخشى من عرقلة إمداداتها السنوية من القمح الأوكراني والروسي، ما يمكن أن يؤدي إلى تجدد "تظاهرات الخبز" فيها.

أيضا استمرار العدوان الروسي سوف يجعل من الصعب أكثر على الدول التي تريد التمسك بالحياد المتعاطف عمليا مع روسيا، أو التظاهر بأنها ستحافظ على علاقات متوازنة بين واشنطن وموسكو، لأن حجم الكارثة الإنسانية والضغوط التي ستفرضها واشنطن وحلف الناتو على دعاة الحياد سوف تزداد حدة.

وحتى الصين التي تنتقد واشنطن، لن تدعم موسكو في المدى البعيد، لأن ذلك سيضر بمصالحها الاقتصادية مع أوكرانيا والدول الغربية.

قبل غزو أوكرانيا، كان حجم الاقتصاد الروسي هو في المرتبة الثانية عشرة في العالم. بعد الغزو، سوف يتخلف الاقتصاد الروسي إلى مستويات أسوأ مما كان عليه في أحلك سنوات الاتحاد السوفيتي، مع ما يعنيه ذلك من احتمال بروز حركات احتجاجية واضطرابات سياسية وشعبية بعد أن يكتشف الروس مدى الكارثة الاقتصادية التي خلقها لهم غزو بوتين لأوكرانيا. 

الغزو الروسي لأوكرانيا، أعاد الحياة والحيوية لحلف الناتو، وأكد من جديد مركزية القيادة الأميركية للعالم الغربي، وأعاد الثقة إلى مجموعة الأنظمة الديمقراطية في العالم والتي وجدت نفسها في موقع دفاعي في السنوات الماضية مع ازدياد زخم الحركات والطروحات والحكومات الأوتوقراطية في العالم.

ما يجري في أوكرانيا لا يهم أوكرانيا فقط، أو حتى القارة الأوروبية فقط. الحرب الأهلية الإسبانية في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي تحولت إلى حرب دولية بين اليمين واليسار، وعندما انتهت هذه الحرب في 1939، تبين أنها كانت مقدمة للحرب العالمية الثانية.

لا أحد يعلم كيف ستنتهي الحرب في أوكرانيا، ولكن مما لا شك فيه كما نرى اليوم من مشاركة عشرات الدول بشكل أو بآخر في هذه الحرب، أنها ستغير العلاقات الدولية بطريقة جذرية مماثلة للتغييرات التي جلبتها نهاية الحرب الباردة في أعقاب الإمبراطورية السوفيتية. في مثل هذا النزاع بين قومية شوفينية وظلامية، ودولة تريد صيانة وتطوير نظام ديمقراطي تعددي، لا مجال للحياد. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.