سقوط الدول الكبرى طالما حير المؤرخين والفلاسفة
سقوط الدول الكبرى طالما حير المؤرخين والفلاسفة

يستعرض جيمس سكوت جميع مساوئ الدولة، لدرجة يشعر معها المرء وكأنه يريد إعادتنا الى مجتمعات الالتقاط والصيد.  

ما يجعلنا نتساءل، هل يمكن تخيل كرة أرضية مختلفة دون تجمعات بشرية وأطر منظمة ومؤسسات ومأهولة فقط من صيادين وملتقطين؟  

فبالنسبة له غيّر التدجين التكوين الجيني وشكل الانواع المزروعة والحيوانات الموجودة في المساحة البيتية. وجعل، تساكن النبات والحيوان والانسان، الذي يميز الحواضر الزراعية، منهم معاقين وغير قادرين على العيش دون عناية وحماية مستمرتين. كما يجد ان نطاق التجارب التي تميز الوجود الزراعي اضيق وافقر في المجال الثقافي والطقسي. 

لكن جوزف هنريش، مُنظِّر ثقافي تطوري، يقدم مجموعة واسعة من البيانات النفسية والفسيولوجية والعصبية الحديثة لدعم وجهة النظر القائلة بأن عمليتين مترابطتين ولكنهما متميزتان شكلتا الطبيعة البشرية وجعلتها فريدة من نوعها، التطور الثقافي التراكمي والتطور الجيني المدفوع بالثقافة. فمن خلال استخلاص رؤى من المستكشفين الأوروبيين، والشمبانزي الذكي ، والصيادين المتنقلين، والعظام القديمة، واكتشافات علم الأعصاب، والجينوم البشري، يوضح هنريش كيف دفعت أدمغتنا الجماعية التطور الجيني لأنواعنا وشكلت بيولوجيتنا. كما أنتجت قدراتنا المبكرة على التعلم من الآخرين الابتكارات الثقافية، مثل النار والطهي وخزانات المياه والمعرفة النباتية وأسلحة المقذوفات، التي بدورها أدت إلى توسع أدمغتنا وغيرت علم وظائف الأعضاء وعلم التشريح وعلم النفس بطرق حاسمة. في وقت لاحق، قامت بعض العقول الجماعية بتوليد مفاهيم قوية وإعادة توحيدها، مثل الرافعة والعجلة والمسمار والكتابة، مع إنشاء المؤسسات التي تستمر في تغيير دوافعنا وتصوراتنا. فيوضح كيف أن علم الوراثة وعلم الأحياء لدينا متشابكان بشكل لا ينفصم مع التطور الثقافي. 

وبالتالي يصعب تصور عالم مختلف فقط بافتراض عدم وجود دولة والبناء على ذلك. فالسؤال المغيّب عند سكوت، كيف سيكون شكل الكرة الارضية بناء على اضاءاته؟ وهل كان ممكناً حينها ان يكون سكوت هو نفسه مثلاً في شروط تلك الظروف؟ ففي سرديته لا يوجد أي إشارة الى صعوبة او مخاطر نمط العيش في عالم الصيد والالتقاط.  أذكر أني عندما شاهدت فيلم عمر اميرالاي الذي كان قد أخرجه في مطلع السبعينات عن نمط عيش القبائل في صحراء سوريا، عاينت صعوبة العيش عندما "نعود الى الطبيعة"، كما يقترح سكوت، وكيف تعاني النساء من أعمال شاقة لتأمين الطعام، كطحن الحبوب وتحضيرها وعجنها وخبزها وصعوبة إشعال النار والحفاظ عليها.  

زادت الحرب الأهلية قناعتي، وخصوصاً الوضع الحالي من انهيار الدولة في لبنان وانقطاع الخدمات التي اعتادها البشر في العقود الأخيرة، في أن أحداً لا يمكن أن يستغني عن الأدوات التي تتوفر حالياً لرفاهية البشر. حتى سكوت نفسه في مزرعته الطبيعية. انه يناقش دور الدولة من موقعه كأستاذ ومثقف أنتجته هذه اللحظة التاريخية بكل حسناتها وسيئاتها. 

وهنا يسجل هنريش الحيرة أمام البشر الذين يجدون صعوبة في البقاء بمفردهم في البرية. وغالبًا ما يفشل الفرد في التغلب حتى على التحديات الأساسية، مثل الحصول على الطعام، أو بناء الملاجئ، أو تجنب الحيوانات المفترسة. مع ذلك أنتجت المجموعات البشرية تقنيات بارعة ولغات ومؤسسات معقدة سمحت لها بالتوسع بنجاح في مجموعة واسعة من البيئات المتنوعة.  

فما الذي مكننا من السيطرة على الكرة الأرضية ، أكثر من أي نوع آخر، بينما بقينا بلا حول ولا قوة كأفراد وحيدين؟ أن سر نجاحنا لا يكمن في ذكائنا الفطري، ولكن في أدمغتنا الجماعية - في قدرة المجموعات البشرية على الترابط الاجتماعي والتعلم من بعضها البعض عبر الأجيال. يترك الآباء حمضهم النووي لأبنائهم ، لكنهم - جنبًا إلى جنب مع نماذج أخرى مؤثرة - ينقلون أيضًا المهارات والمعرفة والقيم والأدوات والعادات. 

وبالتالي افتراض عالم مختلف دون تجمعات بشرية تقوم بتدجين النبات والحيوان سيعني القضاء على كل ما نراه حولنا، اي عودة الى عالم بدائي للحفاظ على الكرة الارضية المهددة من البشر!! اعتقد انه سيناريو مستحيل!! 

يحق لسكوت ان ينتقد الدولة بأدوارها القمعية وسياسات رجالاتها وتجارها ورأسمالييها وصنّاع وتجار الأسلحة وعمالقة العالم الرقمي (آغفا) الأقوى من الدول والمؤثرين على سياساتها، ما جعلنا نعيش في عالم موضة الاستهلاك المجنون لجميع الموارد ، بما يهدد وجود الكرة الارضية.  

لكن شيطنة الدولة كمؤسسة وتفضيل العيش من دونها شيء آخر. يمكن إدانة سياسات الدول، عدا عن ان عالمنا الحالي يتكون من أنواع عدة من الدول التي تدير شؤونها بأشكال مختلفة جداً وبعضها أقرب الى العدالة (مستحيلة التحقق) من غيرها. 

مع ذلك من المفيد الإطلاع على أفكاره حول الدولة وتشكلها. 

فما هي الدولة؟ وكيف أصبحت الدولة دولة؟  

من وجهة نظره، مجتمعات ما بين النهرين القديمة لم تصبح دولة الا بالتدريج . وعبر  استمرارية مؤسسية ترتكز الى "دولة نوعا ما" اكثر مما هو تعارض قاطع بين دولة ولا دولة. فإذا وجد ملك، وهرمية اجتماعية وجهاز اداري متخصص واسوار تحيط المدينة وآلية جمع ضرائب، نكون أمام دولة بالمعنى القوي للعبارة. 

لم يبرز هذا النوع الا في القرون المتأخرة للألفية الرابعة قبل الميلاد. 

وجدت قبل ذلك مجتمعات مأهولة بشكل معقول مع تبادل تجاري وانتاج حرفي وتجمعات مدينية دون ان تتجمع فيها كل مقومات الدولة. 

كل شيء يدل على ان الدولة لم تظهر الا في المناطق الغنية. لكنه يرى ان للإكراه دور كبير في ولادة وحياة الدول القديمة. ويجده موضوع خاضع للجدل، لأنه يضر بالسردية الكلاسيكية او التقليدية لتقدم الحضارة. فاذا برهنا على ان تشكل اولى الدول كان يعود لعملية اكراه بشكل كبير، توجب اعادة النظر بمفهوم الدولة عند لوك وهوب منظّرا العقد الاجتماعي، والقطب الجاذب الذي لا يقاوم  للسلم المدني، وللنظام الاجتماعي والأمن الشخصي.  

لكن الملاحظة هنا أن أعمال هوبس ولوك تنظّر لتنظيم العلاقات في دول وطنية كرد على التجارب شبه الدولتية والامبراطورية المتنوعة على امتداد تاريخي طويل، ولتطوريها وتحسينها وربما كرد على ما ينسبه لأرسطو في العالم القديم، اعتباره الاستعباد "أداة عمل" تماما كما الحيوان او عربة الجر. 

والاستعباد بلغ أوجه في اليونان الكلاسيكية وفي اوائل أزمنة روما الامبراطورية. لذا يقترح Owen Lattimore ان السور العظيم في الصين كان مزدوج الوظيفة، يمنع غزو البرابرة كما يمنع دافعي الضرائب الصينيين من الهرب.  

إذن شرط حياة الدول الاولى كان الاستعباد. ويقرّ انها لم تخترعه، لكنها نظمته ودونته كمشروع دولتي. مشكلتنا الاساسية اذن مع الاستعباد واللاعدالة، وهي وجدت قبل الدولة ومنذ ان بدأ البشر بتكوين جماعات. 

أما كيف تسقط الدول، فلقد أسال المؤرخون الكثير من الحبر لتفسير "سقوط" الدول او انهيارها. الأسباب عموما متعددة وتحديد سبب واحد مقرر يعد اعتباطيا. كمثل حالة المريض ضحية عدة امراض كامنة، ما يصعّب تحديد سبب الوفاة. فعندما يتسبب الجفاف بالمجاعة، ثم المقاومة والنزوح السكاني، تتعرض حينها المملكة للاجتياح والنهب وابعاد السكان، فأي سبب سيعتبر كأساسي او مركزي؟ ان نقص الارشفة، لأن الكتبة يهربون في ازمنة الانهيار، لا تسهل الامور. 

برأي سكوت هناك 3 خطوط تصدع. 

بالدرجة الاولى، الجائحات المرضية، كما نعاين مع كوفيد، التي نتجت عن التجمعات غير المسبوقة  للأنواع المزروعة، للبشر وللحيوانات، كما للطفيليات وللعوامل المسببة للامراض التي ترافقها.  

يقترح سكوت ان سلسلة من الأمراض، بما فيها التي تصيب الثقافة، كمسبب ممكن لعدد من الانهيارات (سقوط الدول) الفجائية، مع صعوبة اثبات ذلك.  

وفي المقام الثاني والثالث، يجب ذكر الآثار الايكولوجية الاكثر ضررا للتمدن والزراعة المرتكزة على الري الكثيف. فنلاحظ من ناحية ازالة الغابات المتدرجة للحوض المائي الموجود على منابع الدول النهرية، ما يستجلب انسدادات وفيضانات. كما ظاهرة ملوحة الارض ونقص الانتاجية وترك الاراضي الصالحة للزراعة. 

من ناحية أخرى يجب اعادة التفكير بتعبير "انهيار" عند تعيين تراجيديا حضارية تصيب عدد من الممالك القديمة وانجازاتها الثقافية. ان عددا من هذه الممالك كانت في الحقيقة كونفيدراليات لجماعات أصغر، ومن الممكن أن تعني كلمة "انهيار" العودة الى تشرذم الأجزاء التي تكونها، حتى ولو عادت واتحدت مرة اخرى لاحقا. 

وحتى في حالة ما يزعم انه انهيار عائد الى تمرد ضريبي، او رفض للاعمال الشاقة والتجنيد الاجباري، برأيه علينا الاحتفال، او على الاقل عدم التأسف على نظام اجتماعي قمعي؟ 

فهل علينا الاستغناء عن شكل الدولة حقاً لأنها قمعية؟ وهل ان المجتمعات من دون مؤسسة الدولة، تسود فيها العدالة؟ 

أم هناك إمكانيات أخرى؟ 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.