لظواهري حاصل على شهادة في الطب وخدم في الجيش المصري وهو مسؤول عن مذبحة "الأقصر" في مصر- Al Qaeda's top strategist and second-in-command Ayman al-Zawahri is shown in this undated file photo. [A…
زعيم تنيظم القاعدة أيمن الظواهري قتل بارة أميركية في أفغانستان

مقتل أيمن الظواهري، عام ٢٠٢٢، أي بعد أكثر من عقدين على بدء حرب إقدامية شنّها الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، على الحركة الجهادية العالمية، التي كانت قد أعلنت الحرب المفتوحة على «الصليبيين واليهود» قبل غزوات الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١ بأعوام قليلة، يستدعي طرح أسئلة حول المنهج والجدوى والهدف.

رغم الأعوام الطويلة من العمل الاستخباراتي والميداني المناهض للحركة الجهادية العالمية، ورغم قتل معظم زعمائها في المركز والأطراف، فإنها اليوم، بناءاً على معطيات موضوعية عديدة، أشد قوة وأوسع انتشاراً وأكثر رسوخاً ممّا كانت عليه في مطلع الألفية.

الغرب قد تمكّن دون شك من درء العديد من أوجه الخطر الذي تشكله له التنظيمات الإرهابية، وإن عبر تطبيق خطوات احترازية مكلفة، كما تمكّن في مواضع مختلفة من إنزال الهزيمة بها، بمعاضدة شركاء محليين، ونجح في ضبط مظاهر إرهابية متعددة. ولكن حضور ظاهرة الإرهاب الجهادي وانتشاره، وتعزّز العوامل الداعمة له، تقدّم في الحصيلة على مرّ الأعوام، وإن اختلفت أوجهه وفصائله. ليس أن الحركة الجهادية العالمية قادرة على الانتصار أبداً. أفقها الأقصى هو أن تستنزف خصومها، أن تعترض الإطار القائم، أن تدير التوحّش وأن تمارسه. هي قادرة على الهدم، عاجزة عن البناء.

أن يكون للحركة الجهادية العالمية أثماناً باهظة تتحمله المجتمعات التي يفترض بأن هذه الحركة قائمة لنصرتها، والتي هي على أية حال نابعة منها، هو أمر لا يستحق أن يكون ثمة خلاف بشأنه. ولا حاجة لاستعراض كافة أوجه الكلفة. يكفي وجه وحسب.

هو أن يخرج شاب من تونس مثلاً، أو من ليبيا أو السعودية أو لبنان، لا فارق، تاركاً خلفه أسرة رعته وتكبّدت المشاق للارتقاء به ديناً ودنيا وإتاحة الفرصة له كي يستفيد بذاته ويفيد أهله وناسه، فيدفع بنفسه ثمن رحلته إلى تركيا، ومنها، بمساعدة وسيط قابض الأجر، إلى الشمال السوري، ليلتحق بدور «الضيافة» للدولة الإسلامية أو غيرها من الفصائل الجهادية، ثم ليذهب طوعاً، أو ما يشبهه، في عملية استشهادية أو انغماسية أمست في معظم الأحوال محصورة باستهداف مجاهدين في فصائل أخرى، ارتأى أميره، أو ولي أمر أميره، تكفيرها ومحاربتها. كرّ وفرّ، ومعارك تحقّق الشيء ثم نقيضه. وحصيلتها الوحيدة هي موته وتغييبه عن مستقبل كان له، ولأهله، ومن شاء فليقل لمجتمعه، لوطنه، لأمّته، للإنسانية جمعاء. ولكنه هو، وإخوانه في الاستشهاد والانغماس، وبعض أمرائهم، ربما على يقين أنهم نالوا الفوز العظيم، وأن الحور والجنان أعدّت لهم، وإنها طاعة دينية أوصلت إلى الرضا الإلهي.

التفسير المعتمد على الغالب عند هذا الحد هو اعتبار هذا الشاب ضال مضلّل. وذلك لدى من يعنيه إنقاذه ومن يحاكيه في الظروف والمعتقد. أما لدى من لا يثمّن تخليصه، ومن يتعامل مع هكذا شاب وصحبه على أنهم مجرمون متحققون أو كامنون، فمن المستحسن عنده التخلص منهم، سجنهم، قتلهم.

وعليه فإن أساليب المعالجة، الاستباقية منها والاستلحاقية، لدى من لم ييأس من إنقاذ الجهاديين، أو بعضهم، تقوم على المناصحة والتوجيه وتقديم البدائل الدينية والدنيوية. وكافة هذه الجهود، في أحسن أحوالها، هزيلة الحصيلة، هشّة النتائج.

إزاء هذا الواقع، سخط اللادينيين والعلمانيين والتنويريين من الدين جلي، بل يبدو مبرّراً ومباشراً. وجهودهم، الصريحة كما الملطّفة أو الكاذبة لتفكيك الدين أو تعديله بما يستأصل منه ما يجعله إطار تعبئة وجهاد، بل للانتهاء من هذا الدين بجملته في حال تعذّر ذلك، كلها مفهومة، وإن كانت مكشوفة، رغم توهّم تعميتها. مستورة كانت أو صريحة، ما يجمعها هو أنها فاشلة بالإجمال، وإن زعم بعضها النجاح بتفصيل هنا وآخر هنالك.

فالمقومات المعنوية التي يعتمد عليها ذاك الشاب المهاجر إلى الجهاد ليست جديدة، بل هي كانت ولا تزال متوافرة، بالتجاور مع ما يناقضها ضمن الدين وضمن المجتمع، على مدى التاريخ الإسلامي. طبعاً أنماط التمكين والانتاج والتلقي لم تبقَ على حالها على مدى قرون هذا التاريخ، ولا الظروف الداخلية والخارجية التي رسمت معالم استدعائها. ولكن رغم فداحة التبدّل، فإنه، كما يتبين استقرائياً، لا يمكن إيعاز نتوء الجهاد الحالي إلى تغيّرات شكلية.

واقع الأمر أن المقاربة السائدة تتعاطى مع الحركة الجهادية العالمية، ومع حالة الشاب المهاجر إلى الجهاد مثلاً، على أساس توصيف يرى فيها الاعتلال الذاتي، أو الجهل الموضوعي، أو يستشف تحريك مغرض من جهات خارجية. أي أن الخصم، وهو هنا الجهادي، إما أنه يعاني من حالة مَرَضية نفسية (ربما نتيجة تراث استعلائي موبوء بدوره)، أو أنه لا يفقه ما هو خير له، أو أنه ثمة من يحرّكه كدمية ويدفع به إلى ما لا يتوافق مع مصلحته.

قد لا تخلو هذه التوصيفات الجزئية، فرادى ومجتمعة، من الصحة في حالات شخصية عديدة. ولكن، لو صحّ الانتقال بها من التفصيل إلى الإجمال، فإن السؤال التلقائي، بعد عقود من الإنفاق لتصحيح المعتل وتصويب المخطئ وتبيان أغراض المغرِض، لماذا الفشل في الانتهاء من هذه الظاهرة السقيمة الجاهلة الغبية؟

وإذا كانت العلّة هي الدين، كما يرى العديد من الإصلاحيين سرّاً أو جهاراً، فهل أن الإسلام استفاق فجأة بعد ١٤٠٠ عام من السبات ليصبح الإطار الصلب لإرهاب ناقض للإنسانية، أم هل أنه، كما يقترح بعض الاختزاليين، كان أداة الشر والدمار الدائمة، في تسطيح مزدوج يأثّم تاريخ الإسلام وينزّه تاريخ ما عداه؟

بل كيف يمكن إرجاع انتشار التطرّف في بيئة ما إلى جهود التعبئة العقائدية الغريبة عن تراث هذه البيئة، سلفية تيمية وهابية، وهي الجهود القائمة على إنفاق مالي ضخم ودعاية إعلامية واسعة، ثم العجز عند تفسير الفشل في اجتثاث هذا الانتشار مع توفّر موارد مالية أكبر وإمكانيات تقنية وفنية وإعلامية أوسع؟

لا إجابة قاطعة هنا على هذه الأسئلة ولا طرح بديل متكامل للسبيل الأنجع للتعامل مع ظاهرة الجهاد الإرهابي. بل تساؤل منهجي في أنه ربما أن الحركة الجهادية هي تعبير عن مصلحة موضوعية لبيئتها وإطارها، وفي السعي إلى محاولة تبيّن هذه المصلحة في طبيعتها المادية والمعنوية وفي أفقها الزمني. لا يعفي ذلك من مسؤولية مواجهة هذه الحركة بكل الوسائل، بما في ذلك القوة الحاسمة، سيما وأن الإرهاب الجهادي قد سار على مدى العقود الماضية باتجاه التوسع في استباحة الدماء بما يتجاوز الضوابط الفقهية السابقة وصولاً إلى استحلال قتل كل من يخالفه أو كل من في قتله مصلحة له.

في سيرة أيمن الظواهري بعض ما قد يفيد في هذا المسعى. لا يمكن فصل نشأة الظواهري العقائدية عن أجواء القمع الذي تعرّضت له التوجهات الإسلامية في مصر في زمن جمال عبد الناصر، والتي بلغت ذروتها مع إعدام سيد قطب. لا شك بأن سيد قطب، في وراثته التشددية لحسن البنا (وهذا بدوره لرشيد رضا، وهذا بدوره لمحمد عبده)، يشكّل حلقة هامة في تأصيل القطعية والتحضير للإرهاب. غير أن إعدامه جاء مفتقداً لشروط المحاكمة العادلة والعقوبة المتوافقة مع الجرم.

إعدام جمال عبد الناصر لسيد قطب عام ١٩٦٦ أشبه بالإرهاص لما سوف يشيع بعد عقود من فضائل مزعومة للسلطوية في دحر مفترض للإرهاب. ولكن كما أن قتل سيد قطب كان محطة تحفيزية هامة، فكرية وعملية، للشاب أيمن الظواهري، ولعبد الله عزّام، ومن بعدهما لأسامة بن لادن، فإن العلاقة بين السلطويات والحركات الإسلامية، على استشراس العداء بين الصفيّن، ليست علاقة نقض وأزالة، بل هي، على ما يشهد عليه السجل المعاصر، علاقة عداوة تآلفية يزداد الطرفين فيها تمكّناً وإن مع تداول الغلبة.

محاولة التوفيق بين الإسلام والحداثة، والتي أرادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر، أنتجت خطّين متباعدين. خط أول «تنويري» انكسر زخمه مع وفاة طه حسين، وخط آخر تأصيلي تفاقمت جهاديته عند بن لادن ولم تتوقف معه. كان على كل منهما إدارة المظلومية التي تعيشها مجتمعاته، تفسيرها، تحديد وجهة الخروج منها، السير نحو هذا الهدف.

الواقع الملموس هو أنه لا هذا الخط ولا ذاك قد تمكن من بلوغ الصدارة الفكرية والسياسية الراسخة في المجتمعات التي تحضنه. وتقييم حدود القدرات الاستقطابية لكل منهما غالباً ما يتم، لدى خصومه، من خلال الاستيعاب التعسفي للأكثرية الصامتة في المعارضة المفترضة له.

ولكن حتى مع مناصرة بعض «التنويريين» للسلطوية «المستنيرة»، أي العازمة على محاربة المنحدر الديني التشددي الإرهابي، فإن الواقع هو أن حضور المركّب الديني في هذه المجتمعات (أي مجموع الظواهر ذات المرجعية الدينية) لم يتراجع، وإن حصلت أقدار من الانكسار لأشكاله الجهادية بين الحين والآخر.

أساس المشكلة قد يكون بأن التعاطي مع هذا الواقع مرتبك لافتراض العلل فيه بدلاً من السعي إلى تبين منطقه. عناوين البحث هنا، بشقّه المعنوي، قد تكون بانعدام تأصل مفاهيم القيم العالمية وحقوق الإنسان في الموروث الاجتماعي الديني أي الإسلامي، أو في المحاولات التأصيلية الاختزالية الزاعمة غير المتجانسة في هذا الشأن، كما في عدم انسجام تطبيق هذه المفاهيم محلياً وفي الجوار. لا يمكن في هذا الصدد التقليل البتة من أهمية قضية فلسطين.

الواقع المرّ هو أنه بعد أكثر من ربع قرن على اندلاع الجهاد العالمي، أوجه فهمه واستيعابه وتقديره تقتصر على الشكليات، وهي ضعيفة جداً في تصويرها لعلاقته بمجتمعاته وفي استقرائها للمنطق الضمني للظاهرة. بل يجري التعامل مع هذه الإشكالية من موقع سجالي.

الأقرب إلى الصواب هو أن الحركة الجهادية العالمية، المتطابقة مع الإرهاب، لا تختصر واقع التوجهات الإسلامية المحافظة، كما يريدها خصومها، ولكنها ليست منقطعة عنها، كما يزعم الاعتذاريون.

قد يكون القليل في مضمون التحليلات التي تزعم كشف ما يحركّ الظاهرة الجهادية مقنع خارج السجاليات، أو قد لا يكون. ما هو أكيد على أي حال هو أن سبل معالجتها ليست في قتل قادتها، وإن كان الأمر مصلحة من جانب درء الخطر المباشر، وليست حتماً بمحاولة الاستعاضة عنها بالترفيه في البيئة التي تستقطب منها.

يوم قتل أسامة بن لادن، أصبحت جماعات جهادية عديدة كان تدين بالولاء الشخصي أو التنظيمي له بحلّ من بيعاتها أو تعهداتها. ولا بد من استقصاء بروز تنظيم الدولة الإسلامية وإن جزئياً في هذا التطور العرضي. أيمن الظواهري ليس بقامة أسامة بن لادن، غير أن تغييبه ينهي الجيل المؤسس لتنظيم القاعدة ويفتح المجال أمام قيادات جديدة، سواء بشكل تنافس على القيادة المركزية أو المزيد من التشظي بتنظيمات فرعية.

ثمة حاجة في واشنطن إلى الاستمرار بضرب هذه التنظيمات، منعاً لها من الإقدام على اعتداءات. على أن هذا الضرب لا يعني الانتصار بالحرب. واشنطن، والعالم أجمع، بحاجة إلى قراءة أكثر اعتباراً وأقل تسقيما وتعليلاً لمسار الحركة الجهادية. قتل أيمن الظواهري، من وجهة النظر السائدة في الولايات المتحدة، هو سداد دين اعتداءات ماضية. غير أن ترحيل الرجل، وإن أدى إلى تفتيت تنظيم القاعدة المنهك أساساً، ليس نهاية الحركة الجهادية الإرهابية. أمام هذه الحركة للأسف مستقبل ناشط، والحاجة إلى فهم موضوعي لأصولها في أوجّها.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.