أنصار مقتدى الصدر في احتجاج أمام البرلمان العراقي
أنصار مقتدى الصدر في احتجاج أمام البرلمان العراقي

هل يمكن للديمقراطية أن تؤدي، وأن تكون سبباً، في اندلاع الحروب الأهلية؟ 

من المفترض أن تكون الإجابة "لا". كون الديمقراطية تأسست جوهراً لأن تكون أداة لضبط التوازنات وترتيب العلاقات بين قوى المجتمع، الاقتصادية والطبقية والسياسية على حد سواء، منحها جميعاً الحق في التمثيل التشريعي والبرلماني. ذلك التمثيل الذي من المفترض أن يكون مخولاً وأداة لحل معضلتها، عبر الحوار والمنافسة السياسية في القبة البرلمانية، التي تكون استعارة عن كل الحياة العامة. وبذلك سحب أي ذريعة وتبديد أي فضاء قد يولد العنف داخل المجتمع الأوسع، بالذات على الأسس الأهلية. 

لكن الكثير من تجارب بلداننا، إن لم تكن كلها، تقول عكس ذلك تماماً. فمجموع التجارب التي شهدت اختبار "ديمقراطية" ما في هذه البلدان، تكشف بوضوح كيف أن هذه الديناميكيات الديمقراطية، الانتخابية والتمثيلية منها تحديداً، قد تكون سبباً ومنبعاً لطيف من الصدامات الأهلية. 

العراق ولبنان مثالان بارزان على ذلك راهناً، وتركيا نموذج ثالث مرشح لأن يكون كذلك، وقبلها كانت مصر على حافة الوصول إلى نتيجة شبيهة، ولم تكن التجربتان التونسية والسودانية بعيدة عن ذلك. فجميع هذه البلدان، شهدت وتشهد، توترات أهلية كثيفة، اندلعت بجوهرها من الصِدام واستحالة التفاهم والتوصل لحلول وسطى بين القوى السياسية، التي كانت قد حازت على تمثيل سياسي واضح من القواعد الأهلية والاجتماعية، عبر انتخابات ديمقراطية واضحة.

بمعنى ما، لم تتمكن البرلمانات في جميع تلك التجارب من أن تكون "استعارة سياسية" عن الشارع والقواعد الاجتماعية الأهلية والطبقية والهوياتية. لذا كانت مختلف القوى تُهدد بالعودة إلى "الأصول"، إلى الشارع والجماعات الأهلية، لتصفية ما لم تتمكن عبر البرلمان من تصفيته.  

ثمة طيف هائل من الأسباب التي قد تُعرَض كمسببات لهذا العارض، كالطبيعة التكوينية للنُخب السياسية لهذه الأحزاب ونوعية وعيها السياسي وعلاقاتها الخارجية وحداثة التجربة الديمقراطية في بلداننا.

لكن السبب الأكثر وجاهة كامنٌ في غياب الاتفاق المسبق والمطلق على ما تعنيه الديمقراطية نفسها: من حيث ضرورة انقسام القوى المُمثلة للقواعد الاجتماعية إلى طرفين بالضرورة، واحد حاكم، وإن بشكل مؤقت ومقيد بعدد من الاعتبارات، وآخر معارض، وبنفس الشروط. 

لم تتمكن القوى السياسية في هذه البلدان من إدراك ذلك، وتالياً تجاوز معضلة سوء الوعي لدور البرلمان والمعنى الجوهري للديمقراطي، لسبب بالغ الوضوح: هو التشظي الهائل في أعداد الجهات والتنظيمات والشخصيات التي تنال الحق والفوز في التمثيل السياسي أو الانتخابي.

فجميع الانتخابات الحرة في هذه البلدان، أوصلت أعداداً هائلة من الممثلين السياسيين، عشرات الأحزاب والتنظيمات والشخصيات الاعتبارية والمحلية والأهلية، المتهافتة جمعياً لنيل المزايا وغرف الأموال من الخِزانة العامة وتحقيق مستويات غير قليلة من الاعتبار الاجتماعي، وكل ذلك عبر "السُلطة"، التي لا تستطيع أن تتنازل عنها بأي شكل.  ففي وعيها الباطن، ثمة ارتباط مُحكم تماماً بين الفوز في الانتخابات والظفر بالسُلطة. 

يخلق هذا الشيء استحالةً في تنفيذ الشرط الديمقراطي، أي الانقسام على دفتي الحياة السياسية الصحية، بين قوى حاكمة وأخرى معارضة، ويدفع الأمور لأن تكون شبه حرب أهلية، قابلة للاندلاع على الدوام. 

لا يمكن للمرء أن يتخيل حدوث ذلك، فيما لو كانت برلمانات هذه الدول مؤلفة بالضرورة وعبر قوة القانون من كتلتين نيابيتين فحسب، بينهما فرز واضح وإجباري، بين واحدة ذات أغلبية تمثيلية، وتالياً حاكمة، وأخرى أقلية تمثيلية، وتالياً معارضة. 

نظرياً، لا يبدو الأمر مُعقداً. فإذا كان هذا الأمر مُنقذاً من الصدامات الأهلية والاجتماعية، فلم لا؟ ولماذا لا يكون ذلك الفرز شرطاً مسبقاً وإجبارياً، ضمن القانون الانتخابي ونظيره البرلماني؟

فقبل إجراء أي انتخابات، يمكن لذلك القانون أن يُجبر المرشحين على تحديد موقعهما من واحدة من كتلتين برلمانيتين فحسب، واحدة حمراء والأخرى زرقاء مثلاً، واللون أو الجهة التي تنال العدد الأكبر من مقاعد البرلمان تشكل الحكومة والسلطة، والأخرى تبقى معارضة. 

ليس في ذلك أي تجاوز لجوهر اللعبة الديمقراطية. أوَلم تُصمم هذه الأخيرة أساساً لتكون الأداة الأكثر مرونة وصحية لأن تتمكن المجتمعات من التعامل مع معضلتها وتجاوز ما قد يلحق بها من مهددات التهلكة، طالما ثمة تحقيق واضح لشرطي التمثيل وحرية التعبير؟

ثمة نماذج عالمية لا تُعد، شبيهة بذلك. فبرلمان إيرلندا الشمالية مقسم بوضوح بين ثلاث كُتل، اتحادية وجمهورية ومحايدة. والبرلمان المقدوني مقسم إلى كتلتين بالضرورة، واحدة للأغلبية الأهلية وأخرى للأقلية، لا يمكن للقوانين أن تمر دون الحصول على أغلبية الكتلتين معاً.

وإلى جانبهما يعد علماء القانون الدستوري،البرلماني على الأقل 49 نموذجاً عالمياً، لأمثلة من مثل تلك عبر العالم، اجتهدت البرلمانات والشخصية الديمقراطية في كل واحدة من تلك التجارب على وضع قوانين وآليات عمل برلمانية نوعية وخاصة، بحيث يُمكن عبرها تجاوز إمكانية الصدام الأهلي المتأتي من الاستعصاء الديمقراطي، مع الحفاظ على الأسس الجوهرية للحياة والعملية الديمقراطية. 

في تجارب بلداننا يمكن أن يحدث ذلك تماماً. في لبنان مثلاً، ثمة "انقسام شاقولي" في الحياة السياسية، متمركز حول الخلاف بشأن حزب الله وسلاحه. ذلك الخلاف الذي يُمكن أن يخلق كتلتين نيابيتين مختلفتين تماماً، فيما لو كان ذلك شرطاً إجبارياً في الحياة البرلمانية اللبنانية. وتالياً سيدفع الأمر نحو واحدٍ من أمرين، إما أن يحكم حزب الله وحلفاؤه، وتالياً أن يتحملوا كل تبعات ذلك الحُكم. أو أن يحكم غيرهم، وتالياً يخضعوا لشروط ذلك الحكم.

وفي الأمرين تجاوزٌ لحالة الاستعصاء الحالية، حيث يحكم حزب الله دون أي تبعات أو مسؤولية متأتية من ذلك الحُكم. وحيث أن أي إمكانية لإخراجه من الحُكم، قد تؤدي لاندلاع حرب أهلية. 

في العراق مثال آخر عن ذلك، عن استعصاء نظير، متمركز حول عصبيات عائلية وطائفية وقومية، لا تستطيع التفاهم والتوافق على أي برنامج عام، وفي مختلف المجالات.

ذلك الاستعصاء الذي كان التشارك في النهب العام يسمح بسترها، وما عاد بقادر على ذلك، مما يُهدد بتفجيرها. يحدث ذلك، لأنه طوال عقدين كاملين، كانت جميع هذه القوى جزءاً من الشراكة السلطوية، في الوقت الذي تدعي فيه جميعاً بأنها كانت ولا تزال معارضة. 

لكن لماذا يبدو إقرار مثل هذا القانون أمراً مستحيلاً رغم بساطته ونجاعته الواضحة؟  

لأن الديمقراطية في مختلف هذه التجارب إنما هي "انتخابات فحسب". ليس فيها أي مضامين وفضاءات أخرى. إذ هي "ديمقراطية" غير قائمة ومستندة على الحريات العامة والعلمانية وأولوية الفرد على الجماعة والمساواة الجندرية واستقلال السلطات وحيادية مؤسسات الدولة والاقتصاد الحر والشفافية في إمكانية الوصول إلى المعلومات العامة والحق المطلق في الحريات الجسدية...إلخ. 

مجموع تلك الممارسات هي جوهر الديمقراطية الطليقة. الديمقراطية القادرة على امتلاك مرونة داخلية، بالاستناد على تلك الأسس. وتالياً تصبح الديمقراطية الأوسع مروحة والأكثر قابلية لتفكيك حالات الاستعصاء في الحياة العامة، بما في ذلك أشكال الاستعصاء التي تبدو وكأنها قد تفرزت عن الديمقراطية نفسها.

وحيث أن "الديمقراطية" بدون مجموع تلك الممارسات، إنما تتراجع لأن مجرد "انتخابات"، تتصارع فيها العصبيات الأهلية والمناطقية، التي ما تلبث أن تجد استحالة في التوافق على تقاسم "كعكة المغانم"، فتندلع الحرب.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.