تظاهرة احتجاجا على وفاة مهسا أميني في طهران
تظاهرة احتجاجا على وفاة مهسا أميني في طهران

راهنا، ومع تجدد الاحتجاجات الشعبية داخل إيران، تستعيد قوى المعارضة الإيرانية نوعا من الرؤى والمواقف تجاه الوضع الداخلي في البلاد، يطابق ما فعلته أثناء مختلف موجات الاحتجاج التي اندلعت في إيران طوال السنوات الماضية. من حيث الإصرار على وسم الاحتجاجات الحالية في إيران بـ"الانتفاضة الوطنية"، أي وضعها ومنحها سياقا سياسيا وحيدا، قائما على ثنائية فوقية ومجردة، طرفاها: النظام الشمولي السلطوي الحاكم، قبالة المجتمع/الشعب الإيراني. 

تعمل تلك الرؤية على سحب أية أبعاد أو سمات أو هويات ذا دلالة لنوعية وخصائص الاحتجاجات الراهنة، من حيث أنها كردية الطابع أولا، في مواجهة نوع من السلطوية "الفارسية"، وباعتبارها انتفاضة محملة بالكثير من "المشاعر الطائفية السُنية" الجياشة، المناهضة لهيمنة طبقة رجال الدين الشيعة على البلاد، وطبعتها الجندرية/الأنثوية، المتطلعة لنوع من الحريات الشخصية والمدنية والعامة، أكثر من أية نوازع سياسية كلانية، ترى في الأمر مجرد مواجهة مجردة ومطلقة مع سلطة استبدادية.

حينما تنفي وتقصي المعارضة الإيرانية مجموع هذه الخصائص، وغيرها الكثير في احتجاجات السنوات الماضية، فإنها فعليا تتقصد إنكار وإلغاء ترسانة من طبائع التطلعات والأحوال والسمات الكلية للمجتمع والسياسة والحياة العامة داخل إيران نفسها، لصالح رؤيتها وأيديولوجيتها ومخيلتها عن إيران، راهنا ومستقبلا. تلك الرؤية المتهافتة لاختلاق فضاء سياسي يفترض إنه ثمة "شعب ما"، هو أمة المواطنين الإيرانيين، المتضامنين والمتحدين فيما بينهم، والمناهضين للنظام الحاكم، فقط لأنه غير ديمقراطي، من دون أية تناقضات وصراعات وأسئلة وقضايا بين هؤلاء المواطنين أنفسهم، وبينهم وبين البنية الكيانية لدولتهم، أيا كان حاكمها. 

ما يقصد بالمعارضة الإيرانية في هذا المقام، هو مجموعة الأحزاب المركزية، التي ترى نفسها منذ عقود بديلا عن النظام الحاكم، سواء تلك الملتحفة حول ولي العهد الإيراني السابق، رضا بهلوي، أو قوى مثل "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" والحزب القومي الإيراني وحزب والحزب الدستوري والحزب الديمقراطي العلماني الإيراني. أي مجموع القوى التي ترى نفسها "مالكة إيران" ومسؤولة عن هوية الكيان الإيراني ومستقبل الحياة السياسية داخله، ممثلة الكتلة الأهلية السكانية الأكبر حجما، أي الفرس من أبناء الطائفة الشيعية. 

فعليا، فإن قوى المعارضة الإيرانية هذه، وإن كانت تسعى لتغيير النظام الحاكم للبلاد، فإنها فعليا تسعى للحفاظ على كامل الخصائص البنيوية التي يقوم عليها، من خلال الإصرار الأسطوري للحفاظ على إيران ككيان دولاتي مركزي، تحكمه وتستحوذ عليه جماعة أهلية مركزية بذاتها، هُم القوميون الفرس من أتباع المذهب "الأثن عشري"، من دون أية التفاتة لكل ما هو دون ذلك من معضلات البلاد، بالذات تلك المنبعثة من تلك المركزية الهوياتية، والتي تملك حساسيات ومناهضة لتلك المركزية، أكثر من انشغالها بهوية ونوعية الحاكم للبلاد.

ثمة قاموس مخادعة كامل تستخدمه هذه المعارضة، منذ أكثر من أربعة عقود وحتى الآن، يتهافت في سبيل إخفاء مراميها تلك، بجدارية كاملة من الخطابة عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية والعلمانية وحقوق الإنسان. لكنها بمجموعها لم تتمكن من خلق كتلة وطبقة من المؤازرين الداخليين، لأنها فعليا تبدو بوضوح غير جادة بالتعامل مع الخصائص والحقائق الموضوعية داخل البلاد، التي تشكل مصدرا أوليا وأساسيا ودائما في بينان "الخراب الإيراني". 

بهذا المعنى، ترتكب المعارضة الإيرانية الخطيئة التقليدية التي مارستها مختلف القوى المعارضة في البلدان المركبة أهليا، المحكومة من قِبل أنظمة شمولية. وذلك من خلال نفي وجود مستويات مختلفة من "المعارضة" ضمن الدولة الواحدة. فحيث تسعى الجماعة المركزية في هذا البلد أو ذاك الإطاحة بالنظام الحاكم والحلول مكانه، فإن الكثير من القوى والجماعات الأهلية تتلهف لنيل الاعتراف والمساواة والجدارة بتلك الجماعة المركزية نفسها. وثمة قوى سياسية واجتماعية أخرى ترى في قضيتها الاقتصادية/الطبقة مكانة ذات أولوية في صراعها السياسي، بينما ثمة جماعات وطبقات اجتماعية أخرى مشغولة تماما بهوياتها الجندرية والثقافية، وهكذا. 

تشكل حادثة مقتل الفتاة الكردية "مهسا أميني" مناسبة لتكثيف كل ذلك. فهل واقعة الاعتداء على الضحية أميني من قِبل "شرطة الأخلاق" الإيرانية جرت فقط لأنه ثمة نظام شمولي في مواجهة شعب مُسيطر عليه؟ جوهريا، لأن الضحية كردية، أي فرد من جماعة قومية وسياسية مغلفة بالهوان!. وكذلك لأنها "سُنية" المذهب، شعر الجناة بأنها مستباحة المكانة!. فوق ذلك، لكونها امرأة، أي فرد في التكوين الاجتماعي والثقافي الأكثر مناهضة لوعي النظام الحاكم في البلاد!. مقابل ذلك، هل اندلاع الانتفاضة الحالية في المناطق الكردية/السنية شمال غرب البلاد، وبزخم استثنائي من قِبل الإناث اللواتي في مقتبل العمر، هو مجرد صُدفة!. 

ثمة شيء ما عضوي في باطن اللاوعي السياسي/التاريخي لهذه المعارضة، مشترك مع ما يضمره النظام الحاكم نفسه، ومستمد من تراث سحيق من المشاعر والنزعات والرؤى الإمبراطورية. ينزع ذلك الشيء العضوي ليتمركز حول وعي قومي طائفي مركزي، متطلع لاستعادة "مجد تليد". أي رؤية سياسية متمركزة حول الدولة وقوتها ودورها وسلطتها، لا المجتمع وحرياته ونزعاته وحقوق مكوناته الداخلية، التي ربما تكون على حساب "متانة" الدولة المتخيلة.

ليس الأمر مجرد تفصيل صغير في الحياة السياسية لدول مثل إيران. فهذا التحول الجذري "المأمول"، هو الشيء الوحيد القادر على تشكيل فرق نوعي عن النظام السياسي الحاكم، أو الذي سبقه، وحسبه فقط يُمكن خلق إجماع شعبي عمومي على مستوى البلاد، متمركزة حول رؤية وعقد اجتماعي/سياسي مختلف تماماً. وحيث أن عكس ذلك يؤدي إلى خلق حروب أهلية مستترة، سواء بين القوميات أو الطوائف أو الحساسيات الاجتماعية الإيرانية. مثلما اثبتت مختلف التجارب الإقليمية خلال السنوات العشرة الأخيرة بالذات.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟