في الجزائر تعرضت شابة تبلغ من العمر 28 عاماً إلى الحرق عل يد جارها بعد أن رفضت الزواج منه
في الجزائر تعرضت شابة تبلغ من العمر 28 عاماً إلى الحرق عل يد جارها بعد أن رفضت الزواج منه | Source: Social Media

تكرار حوادث القتل في بعض البلدان العربية والتي تذهب ضحيتها فتيات على أيدي شباب لمجرد أنهم تقدموا للزواج وتم رفض طلبهم، يثير علامات استفهام كبيرة بشأن طبيعة ودوافع هذه الحوادث التي تكاد أن تصبح ظاهرة عربية وهي بالتأكيد بحاجة إلى دراسة نفسية واجتماعية.

آخر هذه الحوادث قيام شاب مصري بخنق خطيبته حتى الموت أمام المارة في إحدى مناطق محافظة بورسعيد لأنها لم توافق على الزواج منه بعد أن علمت بأنه متزوج ولديه طفلة.

وكذلك في الجزائر حيث تعرضت شابة تبلغ من العمر 28 عاماً، من ولاية تيزي وزو، شرقي العاصمة، إلى الحرق عل يد جارها بعد أن رفضت الزواج منه.

وسبق هاتين الحادثتين مقتل العديد من الفتيات بطرق مختلفة، ولكن للسبب نفسه وهو أنهن أردن أن يمارسن حرية الاختيار وأن يحتفظن بحقهن الطبيعي في اختيار شريك الحياة.

فهل نحن إزاء ثقافة جديدة تعطي الرجل والشاب الحق في أن يتزوج بالإكراه وتحت طائلة التهديد بالقتل؟ أم نحن إزاء خبل مجتمعي، يسمح للأفراد بأن يتصوروا بأنهم قادرون على فعل أي شيء إذا تعلق الأمر بالمرأة بما في ذلك مصادرة حقها في الحياة؟

بطبيعة الحال يبقى السؤال هو كيف يمكن لإنسان أن يرتكب جريمة قتل يعرف أن مصيره فيها قد يكون الإعدام، رغم أن حياته لم تكن معرضة للخطر. وما هو الرابط بين حوادث قتل النساء والمستمر منذ مدة من الزمن؟

الملاحظ أنه في جميع هذه الحوادث تقريبا كان التخطيط المسبق والتهديد بالقتل واضحا ومعلنا، ما يعني أن النية والدافع وكذلك الفعل نفسه لم يكن مجهولا.

فما الذي يجعل شابا يهدد فتاة بالقتل لإنها رفضت الاقتران به؟ هل هي الرغبة في التملك والاستحواذ أم هي النظرة الدونية للمرأة أم هي القناعة بأنه قد يفلت من العقاب لأي سبب من الأسباب؟  

الإجابة على هذه الأسئلة ربما تكشف لنا جانبا مهما من الثقافة المجتمعية القائمة على تمجيد العنف والبلطجة والآخذة في التشكل في بعض المجتمعات العربية والتي ترى في التحرش بالنساء أمرا طبيعيا بسب وجود المرأة في الشارع أو خارج المنزل عموما، كما ترى في النساء مشروع غواية دائم ينبغي السيطرة عليه.

وحين تتداخل هذه الثقافة مع موقف الدين من المرأة والذي يجعلها في نهاية المطاف وسيلة إمتاع للرجل، وجائزة لجهاده في الدنيا (السبايا والإماء) وفي الآخرة (الحور العين)، من السهل أن نفهم العقلية الجمعية المتراكمة التي خلقت نظرة الرجل العربي والمسلم للمرأة والتي شكلت الفضاء الذي سمح ويسمح بحدوث هذه الموجة من قتل النساء.

هناك بالطبع من سوف يتبرع بالقول إن هذه الجرائم تحدث في كل مكان وزمان، وأنه ليس من الغرابة أن تحدث في بعض المجتمعات العربية، وبالتالي لا داعي لتضخيم الأمور. وهذا كلام قد يبدو صحيحا في الظاهر لكنه في الحقيقة ليس كذلك. وفي حين أن حوادث القتل تحدث بالطبع في كل زمان ومكان، إلا أن قتل النساء بسبب رفضهن الزواج وكذلك في إطار ما يعرف بجرائم "الشرف" هو اختراع اختصت به بعض المجتمعات العربية وملكت ناصيته الإجرامية. إذ لا يوجد بحسب علمي مجتمع آخر يبيح أو يشجع على قتل المرأة على هذا النحو.

الأمر الغريب أن قتل النساء يحدث في مجتمعات عربية معينة، بينما ينعدم تماما في أخرى. فهل ثمة تفسير لذلك؟ لا أدري.

وبحسب معلوماتي لم تسجل في أي دولة خليجية جريمة قتل لامرأة واحدة سواء بسبب الزواج أو ضمن جريمة شرف، من دون أن يعني ذلك بالطبع أن النساء الخليجيات لا يعانين من مشاكل أخرى تتعلق بالحرية الشخصية والطلاق والحضانة وما شابه. هن يعانين وحالهن في هذا حال باقي النساء العربيات.

يبقى القول إن قضية قتل النساء على هذا النحو العنيف ولأية أسباب كانت، هي قضية تنبئ بوجود مشكلة مجتمعية أكبر، تتعلق بثقافة العنف والنظرة إلى العنف بوصفه وسيلة مقبولة للتعامل مع الآخر وخاصة إذا كان موجها ضد الحلقات الأضعف في المجتمع.  

والمفارقة المؤسفة هنا هي أنه في الوقت الذي يعتبر فيه الكثيرون أن النهوض بواقع المرأة العربية هو أحد الشروط الضرورية للنهوض بهذه المجتمعات، يحدث العكس تماما.. المزيد من الارتكاس والمزيد من حوادث القتل!

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.