جانب من حفل افتتاح كأس العالم لكرة القدم في قطر 2022
جانب من حفل افتتاح كأس العالم لكرة القدم في قطر 2022

مع أشياء كثيرة أخرى، أثبتت مجريات المونديال الحالي لكأس العالم كثافة حضور الدين في الفضاء والحياة العامة لبلداننا، أو بمعنى أدق، سيطرته على كل شيء آخر في هذه الفضاء.

طغيان الدين هذا، لا يجري بكونه شكلا من الوعي الروحي، قائم على نوع من الإيمان الميتافيزيقي أو مجموعة من السلوكيات وأنماط العبادة والالتزام، التي يعتقد المتدينون أنها ترسم مختلف مستويات ومسارات علاقتهم مع ما يعتقدون أنه يتجاوز الحياة المُعاشة. بل الدين باعتباره كل شيء، من وعي الذات والعالم، مروراً بآلية العلاقة مع المختلفين، أفرادا ومجتمعات ودولا، الدين بكونه سردية كبرى عن الماضي والحاضر وحتى المستقبل، وترسانة كبرى من المنطق والقياس، محاطة بالتفكير والمخيلة، إلى جانب ما يشكله من لائحة شبه عسكرية من التعليمات لكل سلوك في الحياة، ما يجب فعله أو نهيه أو قبوله في كل تفصيل، في السياسة والفكر والقانون، في الحياة الخاصة والعامة، داخل مجتمعاتنا ومع الآخرين وكامل العالم.

ليس ذلك قولا في الدين بذاته، بل محاولة لفهم المجتمعات والدول والسلطات التي تمارس ويحدث معها هذا. عن السياق التاريخي الذي تطورت وتغيرت فيه هذه المجتمعات، أسباب الموقع والديناميكية التي كان وما يزال الدين يشغلها بالنسبة لها، بالذات خلال القرن العشرين، وكيف أن هذا الحضور الكثيف للدين في كل شيء، إنما هو استعارة كبرى عن كل شيء آخر حدث لهذه المجتمعات طوال هذه المراحل، وكيف أن الدين بقي مُفسراً لكل الظواهر والعلاقات، باعتباره الهوية والثقافة والمعرفة والسياسة، التاريخ والمعنى، لأن الأشياء الأخرى كلها، غير الدين، ليس لها أي حضور وتأثير وفاعلية. 

ينكشف ذلك بوضوح خلال هذه المناسبة بالذات، لأن كأس العالم كانت تاريخياً مناسبة إنسانية استثنائية، يتجاوز البشر في مختلف أرجاء المعمورة أثناءها تفاصيل ما بين بلدانهم ومجتمعاتهم وثقافتهم وهوياتهم من تناقضات، وينخرطون بشكل جماعي في نوع من المنافسة الإيجابية والبهجة الكلية. حيث أن منافسات كأس العالم هذه، كانت من المجريات النادرة في التاريخ الحديث، التي صنعت ذاكرة إنسانية جمعية ذات بهاء ما، لا يشوبها أي إكراه أو الكراهية. 

هذا الأمر الذي ما جرى في المونديال الأخير، الذي بالرغم من كل البهرجة التي أحيطت به، صار مناسبة كبرى للحديث عن "ثقافتنا/ثقافتهم"، عن المثلية والكحول والملبس والمأكل، عن حقوق النساء وشكل حضورهم وما عاناه العمال، عن عشرات الآلاف من اللوحات والمنشورات التي تدعوا الآخرين لترك دينهم والإيمان بدين آخر، صار مسرحاً عبثياً للمشايخ والدعاة والمبشرين، مكاناً لصعود الأقوال الكبرى عن الاختلاف الجذري بين البشر، وإلغاء المسافة المشتركة الأساسية التي من مفترض أن تجمعهم في هذه المناسبة. 

يكشف الأمر هنا تناقضاً أولياً بين الشكل والجوهر الذي نتعاطى فيه مع العالم، منذ أن دخلنا العالم الحديث قبل قرابة قرن ونصف، وحتى الآن، ذلك التناقض الذي نتوخى الاعتراف به.

فعلى الدوام، وإذ كان ثمة سعي ما لنشارك العالم بعض مشاريعه وأنماط انشغاله واقتصاده، مثل تنظيم مناسبة ككأس العالم لكرة القدم؛ لكن دوماً نرفض أن يعني ذلك أي تبدل في جوهر وعينا وعلاقتنا مع نفس العالم، باعتبارها ساحة كبرى للشراكة، للوصال والبذل المتبادل، والتخلي عن تلك الثوابت واشكال الوعي التي تقسم العالم إلى فساطيط متقابلة على الدوام، ومتصارعة غالباً، وكأنه ساحة حرب كبرى. 

يعطي الدين الغطاء لديمومة وفاعلية المنطق، فهو الأداة التي والديناميكية التقليدية التي ترسم مسافة بيننا وبين العالم، نقبل منه ما نريد: التكنولوجيا والأدوية وأدوات الترفيه والتسلية والعلوم الباردة، ونرفض كل قيمه ومنتجاته ومعارفة الإنسانية الأعمق، منظومة القيم وسمو الحرية والحق في المساواة الآدمية، وطبعاً الديموقراطية وجدارة النساء ومنظومة حقوق الإنسان. 

في نفس هذا السياق، فإن المسألة لا تتعلق بنظام سياسي ما، ذو نزعة محافظة وداعمة لتنظيمات الإسلام السياسي، إقليمياً وعلى مستوى العالم. فمستوى تقبل المجتمعات لهذا النوع من السجال والانقسام والتمركز حول الدين، التي شكلت هذه المناسبة فرصة لكشفه، يبدو أنه يغالب ما لدى لهذه الدولة من سياسات وتوجهات في ذلك الإطار.

هذه المجتمعات التي قد يكون مستوى تدين أفرادها عاديا على المستوى الذاتي، مثل أفراد باقي المجتمعات الأخرى، لكنها قابلة وجاهزة لإظهار دفق من الوعي والخطابات والهويات والسلوكيات الدينية على المستوى العام، وفي العلاقة مع المجتمعات وذوي الثقافات الأخرى. 

تبدو هذه الكثافة في الدين متأتية من ثلاثة منابع رئيسية، ميزت سياق دولنا ومجتمعاتنا عن باقي بقاع العام، بالذات خلال القرن العشرين، فسمحت للدين أن يكون الحكاية والمنطق وآلية القياس الوحيدة والأكثر حضوراً في كل تفصيل يحيط بنا. 

فنحن الدول والمجتمعات التي خرجت من مرحلة السيطرة والذهنية الإمبراطورية/العثمانية لترى نفسها تحت الحُكم الاستعماري، الذي كان شرط مواجهته مرتبطاً بمعاداة الثقافة الكلية التي أتى منها، أي الحداثة الغربية، وتالياً التمركز حول الدين كمضاد نوعي لتلك الحداثة الغربية. 

في مرحلة لاحقة، عقب الحقبة الاستعمارية، وأثناء سنوات الحرب البارحة، لاقت نفس الدول والمجتمعات تشجيعاً لأن تتمركز حول الدين، كي لا تندرج في أية سياقات سياسية مستقطبة للمعسكر اليساري. 

تضاعف الأمر مع فشل كل أشكال التنمية الإنسانية في نفس الدول، بالذات الفشل في التنمية الإنسانية. فهذه الدول والمجتمعات لم تنتج تقريبا أي شيء في تاريخها الحديث، لا معارف ولا اقتصاد ولا تعليم ولا بنى سياسي ودولتية ذات معنى ومضمون، فقط سلطة عارية تحكم مجتمعات بطريقة سلطانية. خواء الإنتاج ذاك، منح الدين الثقة والشرعية للبقاء كمُفسر لكل شيء على الدوام، البشر والظواهر والعلاقات، حتى الأمراض والكوارث والاقتصاد وأعقد المعارف. 

المعضلة الكبرى لكثافة لحضور الدين، وشغله لمساحات وأخذه لأدوار تتجاوز التقليدي والمعقول لما يجب أن يكون عليه، كامن في تحوله إلى عائق جوهري ودائم أمام أية إمكانية للنفاذ إلى مسرح العالم، باعتباره مساحة كبرى وقادرة على احتواء الجميع، دون أية نزعات للبحث عما هو صراعي ومختلف بشكل هيستيري، ليس الدين باعتباره عقيدة وشكلاً من الإيمان، بل الدين بكونه سلطة مطلقة على كل شيء، كما أقدم العصور.   

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.