A handout picture taken and released on July 24, 2020, by the Turkish Presidential Press service shows Turkey's President…

بالالتفاتة السياسية الإقليمية الاستراتيجية الأخيرة، التي من المتوقع أن ينتهي منها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال الأشهر القليلة المقبلة، وبعد المجريات التونسية الحادة طوال العام الماضي، ستكون جماعة الإخوان المسلمين قد فقدت آخر النُظم الإقليمية المؤازرة لها، ولأول مرة منذ سنوات كثيرة. 

إلى جانب ذلك، فإن الجماعة السياسية والإيديولوجية الأوسع انتشارا والأقدم عمرا والأكثر حيوية في تاريخ منطقتنا، ستكون قد أنجزت دورة حياة سياسية كاملة، طالت لثلاثة أرباع قرن، جربت خلالها كل شيء تقريبا: من مزج السياسة بالدعوة مرورا بمهادنة الأنظمة، وصولا للاندراج في العنف ودعم الإرهاب، وليس انتهاء باستلام السلطة وقيادة بعض الدول، لكنها خرجت منها جميعا بنتيجة واحدة: "صفر اليدين". 

منطقيا، من المفترض أن يؤدي هذا التموضع الجديد للجماعة إلى مجموعة من التحولات في بنيانها الهيكلي: في وعيها لذاتها كتنظيم وفاعل سياسي، ورؤيتها الكلية للمجتمع وموقع الجماعة وتنظيمها منه، بالذات من مسألة الحريات العامة والمساواة والمواطنة الواحدة. ومع الأمرين في فهم الجماعة للدولة، كمجموعة من المواثيق والمؤسسات والسلطات والأعراف والحدود، المادية والرمزية. 

فما وصلت إليه جماعة الإخوان المسلمين راهنا، كتنظيم سياسي عقائدي عالمي، يعاني من النبذ والملاحقة والشيطنة، إلى جانب الفشل الذريع في تحقيق أي شيء أو إضفاء أية قيمة مضافة على الحياة العامة في مختلف البلدان والتجارب، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، كان على الدوام نتيجة لتلك المستويات الثلاثة من التفاعل. ولحظ عاثر، لم يكن الإخوان وحدهم ضحايا تلك التجربة المريرة، بل جروا معهم مختلف مصائر وأحوال سكان المنطقة.  

التحولات المنظورة والمفترض حدوثها ضمن جماعة الإخوان هذه، لا تتعلق ببعض الخلافات التفصيلية التي قد تحدث ضمن الهيكل التنظيمي للجماعة، مثل انشقاق بعض القياديات عن بعضها الآخر، وتكوين تنظيمات شبه إخوانية هنا وهناك، بأسماء براقة لكن مخادعة، أو إعلان الجماعة إجراء مصالحة سياسية مع نظام سياسي ما. فهذه أدوات جربتها من قبل، وتقصدت مختلف أنظمة دول المنطقة تطبيقها، لكنها جميعا أثبتت فشلها على الدوام. 

فالحكاية المركزية في سيرة جماعة الإخوان المسلمين في تاريخ منطقتنا تتعلق بموقع الدين من الحياة العامة، بالذات من السلطة، السياسية منها بالتحديد، التي تؤطر فكرة السيادة العامة في أي بلد كان، حيث من  موقع الدين ذاك من السيادة العامة ينفرز كل شيء آخر. 

 فما إن خسر الدين موقعه المركزي والسيادي ذاك، مع انهيار الإمبراطورية الدينية الإسلامية/االسنية/العثمانية في منطقتنا، واُجترحت الدول الحديثة، حتى انبثقت جماعة الإخوان لمسلمين، كتنظيم أول وإيديولوجية ريادية، تفعل كل شيء، لاستعادة ذلك الماضي العتيد، بكل منطقه وسلطاته وأدوات فعله، وإن باستعارات واشكال من التقية وبأسماء وتنظيمات مختلفة العناوين والأدوار التفصيلية، لكن دوماً لاستعادة الدور المركزي للدين في السيادة والسلطة العامة، على الذات والمجتمع والدولة.   

بهذا المعنى، وبعد تجربة تاريخية مريرة أثبتت فشلها التام في كل تفصيل، وصار الإخوان في محصلتها مجرد "أيتام سياسيين"، وغدت أحوالهم مع دولهم ومجتمعاتهم أكثر بؤساً بسبب تجاربهم تلك، ولاعتقاد راسخ بأن مسألة العلاقة بين الدين والسياسة والفضاء العام شديدة الأهمية، وأكبر بكثير من أن تُترك لأية جماعة سياسية كانت لوحدها، فإن سؤالاً سياسياً كبيراً يُطرح على مجموعة كبرى من "القادة الجدد" للجماعة، في مختلف دول المنطقة والعالم، لكن أولاً في دول مثل مصر وسوريا والسودان، التي عاشت التجارب الأكثر مرارة.  

سؤال تعريف الذات هو الأكثر إلحاحاً وحضوراً: فهل جماعة الإخوان المسلمين ما تزال مقتنعة بتلك النوعية من البهلوانيات الكلامية، التي تعتبر الجماعة هيئة سياسية ودعوة دينية وجماعة رياضية وفكرة اجتماعية وشركة اقتصادية ... إلخ، كما سعى الإخوان طوال عقود لتعريف أنفسهم، وذلك لتكوير وتخبئة حقيقة نزوعهم السلطوي للهيمنة على كافة مفاصل الحياة العامة؟! 

 أم أن الجماعة من المفترض أن تعود إلى الأصل الأكثر بساطة للعمل السياسي، عبر الإقرار بكونهم مجرد حزب سياسي، يسعى للسلطة مثل غيره من التنظيمات السياسية؟ مع حقه التام في الحفاظ على نوعية من المعتقدات والخطابات والإيديولوجيات السياسية، الواضحة والمعلنة والشفافة، التي لا تخالف الدساتير المدنية، ولا تسعى للقبض على روح المجتمع أو تفكيك الدول وتأسيس إمبراطوريات عالمية.  

بالضبط وببساطة مثل مئات من التنظيمات السياسية المحافظة في مختلف دول وتجارب العالم.  

السؤال الرديف لذلك يتعلق برؤية الجماعة للمجتمع: فهل هو مجرد مجموعة من الأفراد المحتاجين إلى الإرشاد والضبط والتلقين من قِبل جماعة ما إرشادية على الدوام، ليكونوا موافين لترسانة من المحددات التي تخلق منهم "كائنات الصلاح"، وأن ذلك هو جوهر اللعبة والديناميكية الاجتماعية، وعلى حساب أي شيء كان حسبما فعلت الجماعة طوال تاريخيها السياسي/الاجتماعي المديد؟! أم أن المجتمع فضاء أكثر تعقيداً وتركيباً من ذلك، ترتبط وتقوم صحيته على مستوى روح المبادرة والحريات العامة التي بداخله، بالذات على تلك المعايير العلمية التقليدية القائمة على ربط صحية المجتمع بمدى اعتراف أفراده ببعضهم البعض، واعتراف الأفراد بالمجتمع، واعتراف المجتمع بهؤلاء الأفراد بالأدوار والفاعليات والمبادرات والحقوق الطبيعية التي لكل واحد دون قسر وفوقية وأبوية؟ وتالياً ترك ذلك السرد من المعتقدات ذات البنية الذهنية العسكرية التي تتخيل المجتمع عبارة عن مجموعة من العصاة المحتاجين لمجموعة ضخمة من النواهي وأشكال العِقاب.  

أخيرا، فإن الجماعة من المفترض أن تعود للسؤال المركزي الذي على أساسه تأسس كل الإسلام السياسي في تاريخ منطقتنا: هل استعادة الماضي السياسي العتيد أمر ممكن؟ أم أن ذلك مجرد خيال رومانسي عليل؟! الماضي بكونه مجموعة من التجارب والسرديات الكبرى عن الدولة الإسلامية الجبارة التي كانت تخوض حروباً وتطبق نظماً سياسية وقوانين داخلية قائمة على الشرائع الإسلامية.   

جواب أبناء الجماعة على ذلك السؤال، هو مقدمة أولية لخلاصهم من فكرتهم العدائية مع بنيان الدولة الحديثة التي، ومع كل وبالها، ليس لنا ولحاكميها وللإسلاميين من عيش وخلاص إلا بمزيد من تحديثها لا العكس. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

منتخب الأرجنتين خلال استقباله في بلاده بعد عودته فائزاً بكأس العالم لكرة القدم- تعبيرية
منتخب الأرجنتين خلال استقباله في بلاده بعد عودته فائزاً بكأس العالم لكرة القدم- تعبيرية

لا أخفي أني تعمّدت أن يكون العنوان مُثِيرا/ مُسْتفزّا؛ مُتَساوِقا مع مستوى الإثارة الرياضية هذه الأيام. ومع أني لا أحفل ـ لا قليلا ولا كثيرا ـ بهذه الرياضة، ولا أعْنَى بِمَن كَسب ولا بمن خسر؛ إلا أنني مَعْنِيٌّ جِدّاً بالدلالات الـ"مَا وراء رياضية"، أي بالدلالات الأيديويوجية والسياسية والثقافية، المرتبطة بسلوكيات المُشَجِّعين الرياضيين، أو حتى بسلوكيات أولئك الداخلين ـ عَرَضَا ـ في التعليق على مسار المباريات والاشتغال بتكييف مظاهر التشجيع الرياضي وتوظيفها؛ لهموم أخرى؛ لا تتعلّق بهذه الرياضة، لا من قريب ولا من بعيد.  

في المباراة النهائية أمس بين فرنسا والأرجنتين، حَدثَ ما توقّعتُه تماما. وتوقّعي هنا هو توقّع ثقافي/ معرفي؛ وليس رياضيا؛ لجهلي التام بالرياضة الكروية. لقد توقّعتُ أن يَنحاز المُشجّعون العربُ في هذه المباراة انحيازا واضحا، بل وحماسيا، لمنتخب الأرجنتين. وصدق توقّعي! وبالتأكيد؛ لم يصدق إلا لأن هذا "الانحياز الجماهيري العربي" مَبْنِيٌّ على موقف غير رياضي بالأساس؛ إذ لو كان موقفا رياضيا خالصا ما استطعت التنبؤ به، فللموقف الرياضي الخالص مسار فني مَحْض، هو بالضرورة غير المسار الأيديويوجي والسياسي والثقافي.    

إذن، فَرِحَ مُشَجعو العالم الثالث فَرَحاً غامِرا بانتصار الأرجنتين؛ بعدما هتفوا طويلا، وبحماس بالغ، في انتظار هذه النتيجة التي جعلتهم يستشعرونها نَصْرا مُؤزَّراً مُتجاوِزا لِحَيثِيّات النصر الرياضي. ويعترف كثير من هؤلاء المُبْتهِجين صراحة بأن حماسهم لانتصار الأرجنتين صادر عن موقف غير رياضي، موقف يُبَرّره ـ حسب ما يقولون صراحة ـ: ماضي فرنسا الاستعماري، وحاضرها العنصري (فيما يزعمون !!!)، وهيمنة الغرب الذي تُعَدُّ فرنسا جزءا أساسيا/ أصيلا منه...إلخ، فهذا ـ وِفْقَ تبريرهم المُعْلَن ـ هو ما جعلهم يستشعرون لذة وإثارة في مشهد الانكسار الفرنسي، حتى ولو كان ذلك في "عالم الألعاب"؛ بعد أن تَعذّر عليهم أن يروه في "عالم العِلْمِ والعمل الجاد"! 

لكن، هل صحيح أن هذه المُبَرِّرات المذكورة آنفا هي بالذات ما جعل مُشَجّعي العالم العربي (والذين هم جزء أصيل من العالم الثالث) ينحازون ضد الفرنسيين لحساب الأرجنتين؟ هل صحيح أن "الاستعمار" و"العنصرية" و"الهيمنة" هي الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز أم هي فقط الدوافع المعلنة التي يجري بوساطتها التّستّر على الدوافع الخفية التي يخجل مُشجّعو العالم العربي من ذكرها؛ لأنها هي الحقيقة المُرّة التي لا تزال تُشَكِّل لهم عُقْدة نفسية جمعية تنتظم مجملَ مسار علاقاتهم مع الآخرين، الآخرين المتقدّمين تحديدا؟! 

ابتداء؛ لِنُبَيِّن تَهافتَ هذه المُبَرِّرَات الثلاث التي يُصَرِّحُ بها المُنحازون ضد فرنسا/ ضد الغرب. فأولا، مقولة "الاستعمار" لا معنى لها في سياق ادعاء أن الأرجنتين ليست دولة استعمارية، إذ هي بذاتها ظاهرة استعمارية مكتملة الأركان، فالسكان الأصليون في حدود 1% فقط، بينما البيض الأوربيون (= المُسْتَعْمِرون) في حدود 97%، ومعروف تاريخ المذابح/ الإبادات الجماعية للسكان الأصليين التي رافقت الهجرات الأوربية الأولى إلى أمريكا الجنوبية/ الأرجنتين. فالأرجنتين كدولة، هي نجاح الاستعمار بامتياز، وبالكامل، أي تحققّه واقعا، اليوم، ومستقبلا؛ ودنما أي أمل بـ"الاستقلال" غدا.    

أما مقولة "العنصرية" الفرنسية/ الغربية، فيدلّ على تهافتها حقيقة أن الأوربيين البيض يُشَكّلون نسبة 97% من سكان الأرجنتين اليوم، أي أن بقية الأعراق في الأرجنتين أقل من 3%، بينما الأجانب المهاجرون يُشكِّلون في فرنسا اليوم ما نسبته 19% من سكان ، أي حوالي 12 مليون نسمة. ومؤكد أن لهذه الأرقام الموضوعية/ المحايدة دلالة بالغة في تحديد درجة الانفتاح على الآخر، وبالتالي، درجة الاتصاف بالعنصرية. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ وهو الأهم والأشد حسما ـ الاعتبار بكيفية اشتغال منظومة الحقوق والحريات في فرنسا، مقارنة بكيفية اشتغالها في الأرجنتين؛ عرفنا ـ إنْ كان حقا يَهُمّنا أن نعرف ! ـ مَن الأحق بأن يُوْصَم بعار العنصرية من البلدين: فرنسا أم الأرجنتين ؟   

وتبقى مقولة "الهيمنة"، التي هي هنا ذَمٌّ أشْبَه بالمديح، تهمة عبثية ساخرة. والمعنى أن الهيمنة الغربية هنا (والفرنسية جزء منها) ليست قسرا وقهرا وإذلالا، بل هي تقدّم باذخ، وثراء متراكم، شامل لكل الحقول المعرفية والعملية، ومُتَصاعِد في مدى زمني متطاول، بحيث يفرض نفسه ـ طوعا ـ بقوة إغراء النموذج على الجميع، حتى على ألدِّ أعدائه الذين يجدون أنفسهم مُضْطرّين إلى تمثّله، مع الخضوع لشروط هذا التَّمثّل الموضوعية بطبيعة الحال. 

إذن، كل هذه المُبَرِّرَات المُتَهافِتة، المعلن عنها صراحة/ ادعاءً، ليست هي المبررات/ الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز الجماهيري العربي ضد فرنسا في تنافسها مع الأرجنتين. ما يعني أن ثمة دوافع أخرى، يجري التكتّم عليها خجلا وخوفا، وهي ستصبح أشد وضوحا وسطوعا، بل وافتضاحا، في حال الإجابة على الأسئلة التالية: ما الذي يجمع العربَ مع الأرجنتين ؟ وما الذي يُفَرِّق بين العرب وبين الفرنسيين ؟ وما الذي يُفَرق بين الفرنسيين وبين الأرجنتين؟  

لن تجد الإجابة الشافية على هذه الأسئلة المُرْبِكة/ المُحْرِجة إلا في سياق مقاربة ثنائية "التقدم" و"التخلف"، التقدم بأوسع معانيه، والتخلف بأوسع معانيه أيضا. فالأرجنتين لم تُقَدِّم طِوال تاريخها الممتد لما يناهز قرنين أيَّ إسهام حضاري في أي مجال مُعْتَبر من مجالات الإسهام الحضاري، بل لم تتقدم في مجالها الخاص ولو بأدنى مستوى من مستويات التقدم الحقيقي. ثم إن منظومة الحقوق والحريات؛ وما ينتظمهما من قوانين وأعراف وثقافة جمعية، فضلا عن جدلية العسكري والمَدني والديني، بما في ذلك الانقلابات العسكرية...إلخ معالم واقعة التخلّف الراسخة، كل ذلك يُشْبه كثيرا ما هو موجود في معظم أنحاء العالم العربي.    

وعلى العكس من حال الأرجنتين، تقف فرنسا في مفاصل كثيرة من تاريخها كرأس حربة لمسيرة التقدم الإنساني. إنها منارة من منارات التقدّم؛ رغم كل صور التعثّر؛ ورغم كل الاستثناءات العابرة. وهي/ فرنسا في مسيرة استنارتها وتقدّمها وإسهامها الحضاري المتواصل، كانت بالنسبة للعرب ذلك الآخر المتقدم الذي يُقَاس عليه مستوى فشل وتخلّف وانحطاط الأنا، كانت هي التي ـ دونما قصد، بل بحكم الأمر الواقع ـ تنكأ الجرحَ النرجسي العربي باستمرار، وتمضي ـ ومن ورائها عموم الغرب المتقدم ـ في تعميق هذا الجرح وفي إبقائه مفتوحا على الألم، بل وعلى الرعب خوف التلاشي والانقراض.  

هكذا، وكما قال المتنبي: "وشبه الشيء مُنْجَذِبٌ إليه"، يجد المُتخلِّفون أنفسهم في صف واحد ضد الآخر المتقدم، الذي لم يتقدم عليهم فحسب، وإنما هو نموذجهم المعياري للتقدم، إذ ليس للتقدم من هوية دون وضعه على قائمة النمذجة علانية أو سرا، أقصد النمذجة التي تستتبع بالضرورة نمذجة الوعي، ومن وراء ذلك، نمذجة الأعراف والتقاليد ومنظومة القيم الأساسية التي تضع الخطوط العريضة للسلوك الإنساني.    

كُلنا سمع بحركةَ عدم الانحياز منتصف القرن الماضي، وكيف كانت أمريكا الجنوبية/ اللاتينية جزءا أصيلا منها. وكلنا يعرف كيف حاول بعض المثقفين العرب الاقتداء بـ"لاهوت التحرير" في أمريكا الجنوبية، في الوقت الذي كان هجومهم الضدّي مهووسا بهجاء الغرب، والتبشير بانتهاء دوره، بل وبزواله على سبيل التفكك والانهيار، وكل ذلك كان يجري لحساب نموذج آخر مقترَح، نموذج متخلف في نهاية المطاف: لاتيني، شيوعي، اشتراكي...إلخ، المهم ألا يكون نموذجا تقدميا بحق/ نموذجا غربيا ليبراليا.     

إن الاصطفاف العالم ثالثي/ العربي الظاهر في صورة الفرح العارم بانتصار الأرجنتين على فرنسا، ليس بدعا، ليس غريبا، وبالتالي، ليس مفاجئا، بل هو في سياق مطّرد مع مقدماته الثقافية/ الأيديويوجية: الأكبر من رياضية، إنه ـ مثلا ـ ليس إلا صورة للاصطفاف العربي الجماهيري مع روسيا ضد أوكرانيا/ ضد الغرب. إنه صوت "الوعي الضدّي" الذي ينتظم وعيَ العرب المجروحين نرجسيا منذ قرنين؛ ولا يزالون. فهم ـ تحت هيمنة هذا الوعي الضدي ـ مستعدّون للاصطفاف مع أي أحد، أي أحد؛ أيّاً كان، ومهما كان؛ شرط أن يكون في مسار ضدي: في موقف صراعي مع الغرب. 

إن الإنسان يقف ـ مُتَحيِّزا ـ مع مَن يظنه شبيها/ مماثلا له. يحدث هذا بوعي؛ وبلا وعي أحيانا. هكذا تُخْبِرُنا نظريات التّحيّز. فالمعلمون مثلا، يجدون أنفسه متحيزين لبعضهم تلقائيا في حال كان الحديث عن التلاميذ من جهة، أو عن الإدارة التعليمية والاشراف التربوي من جهة أخرى. وأيضا، أصحاب المَحلات التجارية يتحدّثون عن عَنَت الزبائن، بينما الزبائن يتحدثون عن استغلال أصحاب المحلات وجشعهم. وفي حال تحوّل الزبون إلى صاحب مَحل؛ فإنه سيتحدّث تلقائيا كتاجر، وسَيَكفّ عن الحديث كمستهلك. وهكذا دواليك. ما يعني أن الارتياح النفسي الذي يستشعره المُتخلّف إزاء المتخلف، وما يتبع ذلك من سلوكيات، له ما يُبَرِّره في أصل تركيبة السلوك الإنساني المتحيّز بطبعه لنظرائه. فهو نوع من التحالف الخفي مع مَن يتشابه معه في الظروف (ما يعني توقّع تشابه الدوافع، ومن ثم تشابه الأفعال) ضدَّ من يراه مُخْتَلفا عنه، فكيف بمن يراه نقيضا له في أعلى مستوى وجوده، بل و في معنى وجوده أحيانا؟! 

إن خطورة هذا "الموقف الضدي" الذي تجلىّ ظاهرا في مشهد تشجيع رياضي، يتجاوز حقيقةً هذا الموقف الجزئي الهامشي، بل الموقف التافه؛ ليكون دلالة على خيارات حاسِمة: حضارية مصيرية. وما لم يَبْرأ العربُ مِن جُرحهم النرجسي العميق النازف منذ أمد بعيد؛ فيتجاوزا المواقف الضدية المرضية؛ وصولا لتفعيل التواصل الإيجابي، التواصل المُتَحلل من العُقد، مع العوالم التي تُمَثِّل أعلى مستويات التقدم الإنساني؛ فلن يتقدموا إلا كما تتقدّم الأرجنتين وأشباه الأرجنتين!            

أما الغرب، الغرب المُتَقَدِّم حقيقة، فمع كل عيوبه، سيبقى مُنْشِدا ـ بلسان الحال ـ قَوْلَ الشاعر العربي القديم/ البُحْتري:  
إذا مَحَـاسني اللاّتي أُدِلُّ بهـا     كَانَت ذُنُوبي فَقُلْ لِي: كَيفَ أعتذرُ