تمثيل مشهد عالم عربي يعمل على مخطوطة

في شهر نوفمبر الماضي طردت جامعة هاملاين Hamline الصغيرة والخاصة في مدينة سانت بول بولاية مينيسوتا أستاذة تاريخ الفنون، أريكا لوبز برايتر، من وظيفتها بعد تلقيها لشكاوى من بعض الطلاب المسلمين الذين ادعوا أنها أهانت الدين الإسلامي بعد عرضها لمحاضرة مصورة عن الفن الإسلامي تضمنت رسومات للنبي محمد تعود للقرنين الرابع والسادس عشر.

اللوحة التي أثارت سخط الذين نصّبوا أنفسهم حراسا للدين الإسلامي هي من "جامع التواريخ" لرشيد الدين الفارسي، تعود للقرن الرابع عشر وتقتنيها مكتبة جامعة أدنبرة، ويظهر فيها النبي محمد وهو يستلم للمرة الأولى من الملاك جبرائيل أول وحي قرآني.

ووفقا لمقال نشرته أستاذة تاريخ الفنون الإسلامية في جامعة ميتشغان، كريستيان غروبر  Christiane Gruber، في مجلة نيولاينز Newlines، الطليعية يعتبر المؤرخون ومدراء المتاحف هذه اللوحة من أهم روائع رسومات المخطوطات الفارسية، وهي تدرس في صفوف تاريخ الفن الإسلامي في الجامعات الأميركية والأوروبية والعربية والتركية والإيرانية. كما تضمن العرض رسما للنبي محمد ولكن بحجاب يغطي وجهه وهالة تحيط برأسه من رسم، مصطفى ابن والي العثماني، ويعود تاريخه إلى القرن السادس عشر كجزء من مخطوطة حول سيرة النبي.

وانطلاقا من حرصها على احترام مشاعر طلابها المسلمين، أشارت الأستاذة برايتر في منهجها الدراسي المكتوب الذي سلمته للطلاب إلى أنها سوف تعرض صورا عن لوحات ورسومات لشخصيات دينية بمن فيها رسومات للنبي محمد والبوذا، وطلبت منهم أن يتصلوا بها إذا كانت لديهم أي تحفظات. وفي هذا السياق، أعطت الطلاب إنذارا لمدة دقيقتين قبل عرض رسوم النبي محمد للامتناع عن متابعة الحصة الدراسية التي كانت تعرض بشكل افتراضي إذا اختاروا ذلك. وقالت الأستاذة برايتر لاحقا إنه لم يتوقف أي طالب عن متابعة الحصة الدراسية.

وخلال شرحها للرسوم قالت الأستاذة برايتر لطلابها ما يقوله العديد من مؤرخي الدين الإسلامي والأكاديميين المعنيين بالفنون الإسلامية  أي أن هناك مفهوم شائع يقول إن الدين الإسلامي يمنع بشكل مطلق أي رسم لأي شخصية دينية أو آلهة، ولكنها أضافت "ولكنني أود أن أذكركم أنه لا يوجد هناك ثقافة إسلامية موحدة". ما لم تذكره الأستاذة برايتر خلال عرضها للرسوم هو أن القرآن لا يتضمن أي تحريم للرسوم والصور.

وما قالته الأستاذة برايتر صحيح. المسلمون السنّة بشكل عام وخاصة في الثقافة العربية يحرّمون تقليديا رسم وتصوير الشخصيات الدينية والمقدسة مثل الذات الإلهية والملائكة والأنبياء بمن فيهم النبي محمد والصحابة. ولكن الوضع مختلف في ثقافات إسلامية أخرى هامة مثل إيران وتركيا ودول آسيا الوسطى، حيث نرى منذ القرون الوسطى وخاصة في المجتمعات ذات الأكثرية الشيعية رسوما وصورا للنبي محمد والإمام علي ونجله الإمام الحسين، إضافة إلى الصحابة والملائكة.

كما أن الإسلام تطور ونمى بأشكال مختلفة واكتسب عادات وتقاليد عكست طبيعة الثقافات التي سبقته وتأثر بها كما تأثر بتنوع المناطق الجغرافية التي انتشر فيها. وأي مراقب للمدارس والمذاهب والطرق والتقاليد والممارسات الدينية المختلفة في المجتمعات ذات أكثرية مسلمة يدرك ذلك. الإسلام في أفريقيا تطور بشكل مختلف عن إسلام الهند، إسلام الأندلس المنفتح (بسبب تفاعله مع المسيحيين واليهود في شبه الجزيرة الإيبيرية) يختلف عن إسلام الجزيرة العربية المحافظ . وعلى سبيل المثال طوّر العرب الخط العربي بطرق خلاقة، بينما طوّر المسلمون الفرس والعثمانيين الرسوم والصور الدينية وصور الطبيعة والحيوانات في اللوحات وفي فن نسج السجاد. (أول مرة في حياتي رأيت لوحة للنبي محمد كانت ضمن معرض ضخم للفنون الإسلامية من دول آسيا الوسطى في أحد متاحف واشنطن).

في هذا الطيف الإسلامي الواسع والثري بتنوعه هناك الطريقة المولوية السنية المتسامحة إلى أقصى الحدود بقبولها وحبها للآخرين والتي أسسها الصوفي الشيخ، جلال الدين الرومي، التي اشتهرت بالرقص الدائري (رقص الدراويش) والتي تثمن الموسيقى، وهناك أيضا في المقابل الحركة الوهابية في الجزيرة العربية المنغلقة والمتزمتة والمعروفة بعدائها للأديان الأخرى وخاصة الشيعة والتي اكتسبت من الصحراء قسوتها وقحطها. الجوامع الإسلامية تروي أفضل من أي شيء آخر التنوع الغني في العمارة الإسلامية . جوامع أفريقيا المبنية من الخشب والطين تختلف كليا عن جوامع بلاد فارس ببلاطها الأزرق ومآذنها الجميلة المزخرفة والقصيرة نسبيا، والتي تختلف بدورها عن الجوامع العثمانية بقبابها الكبيرة والعالية وأقواسها (والمتأثرة بالعمارة البيزنطية الجميلة التي سبقتها) ومآذنها الطويلة والرفيعة والأخاذة وكأنها أيدي المصلين وهي تحاول الوصول إلى أعلى السماوات. في الهند، جامع تاج محل تحفة معمارية فريدة في نوعها، ولكنها نابعة من إرث الجوامع الفارسية. جوامع الصين وإندونيسيا، آسيوية بامتياز.

وفور انتهاء الحصة الدراسية للأستاذة برايتر بدأ مسلسل غريب ومقلق من ردود الفعل أدى إلى قيام  بعض الطلاب والناشطين المسلمين وإدارة الجامعة بخلق أزمة مفتعلة أثارت الأسئلة والاحتجاجات والشكوك حول مدى التزام مؤسسات التعليم العالي بالحريات الأكاديمية، وميل بعض الفئات من طلاب وناشطين إلى تحويل أي قضية أو جدل أكاديمي إلى قضية سياسية خلافية، وميل البعض للعب دور الضحية وزج قضايا عرضية أو خارجية مثل العرق والتمييز ضد الأقليات، لا علاقة مباشرة لها على الإطلاق بالمسألة قيد الجدل.

الطالبة السودانية، آرام ود عطا الله Aram Wedatalla، التي حضرت الحصة الدراسية والتي ترأس جمعية الطلاب المسلمين في الجامعة قالت في تصريحات صحفية إنها لم تصدق ما رأته في الصف، وأضافت "كمسلمة، وكشخص أسود، لا أشعر أنني أنتمي، ولا أعتقد أنني سأنتمي إلى جماعة لا تقدرني كعضو فيها ولا يعطوني الاحترام ذاته الذي أعطيهم إياه".

طلاب مسلمون آخرون لم يشاهدوا العرض الأكاديمي، أعربوا عن انتقادات مماثلة، وأوصلوا شكاويهم إلى إدارة الجامعة وطالبوا باتخاذ إجراءات ضد الأستاذة برايتر. الطالبة آرام التقت بالأستاذة برايتر ولكن اللقاء لم يكن مرضيا لها. لاحقا أرسلت الأستاذة برايتر للطالبة آرام رسالة إلكترونية اعتذرت فيها عن أي إزعاج قد تكون قد تسببت به، وأضافت "لم أكن أقصد أبدا إزعاج  أو إظهار عدم احترام أي طالب". وأشارت برايتر إلى أنها أبلغت طلابها مسبقا بأنها ستعرض هذه الرسوم لإعطائهم الفرصة للتوقف عن متابعة المحاضرة، وتابعت "لم أحاول مفاجأة الطلاب بهذا الرسم وبذلت قصارى جهدي لإعطائهم الفرصة للخروج من الصف".

ما هو لافت ومدهش ومقزز في آن، هو أن إدارة الجامعة أدانت الكشف عن هذه التحفة الفنية خلال مادة دراسية عن تاريخ الفن الإسلامي تتطلب بطبيعتها عرض هذه الرسومات واللوحات على الطلاب لمناقشتها وتقويمها، واعتبرتها عملا "دون شك طائشا وعديم الاحترام للآخرين ومعاد للإسلام Islamophobic". وهكذا اعتبرت جامعة أميركية في سنة 2022 تحفة فنية إسلامية رسمها خطاط مسلم في القرن الرابع عشر بطلب من حاكم مسلم بهدف تكريم النبي محمد من خلال إبراز لحظة بداية الدين الإسلامي، على أنها عملا معاديا للإسلام. وسارعت إدارة الجامعة بإبلاغ الأستاذة برايتر بالاستغناء عن خدماتها.

ووفقا للأستاذة برايتر قارنت عميدة كلية الفنون في الجامعة عرض صور النبي محمد باستخدام إهانة عنصرية ضد الناس السود. ووصلت مبالغات المحتجين إلى مستويات يصعب تصديقها حين ادعى ممثل لمنظمة إسلامية في محاضرة له حول القضية في الجامعة أن عرض صور النبي محمد مماثل لتعليم الناس أن هتلر كان إنسانا جيدا. هذه الاحتجاجات العبثية مهينة للمنطق والعقل وللحريات الأكاديمية. أيضا مغالاة إدارة الجامعة باعتذاراتها الجارفة ومحاولاتها المحرجة لاسترضاء الطلاب المسلمين والناشطين الإسلاميين المحترفين لا تليق بأي مؤسسة تعليم عال في مجتمع ديمقراطي. طرد الأستاذة برايتر من وظيفتها وعدم إعطائها الفرصة للدفاع عن نفسها علنا وعدم دعوتها للمشاركة في نقاش تم تنظيمه حول الموضوع هو دليل سافر على نجاح جهود الترهيب في تقويض الحريات الأكاديمية التي لا يمكن بدونها أن تزدهر أي جامعة.

وخلال الأيام الماضية حظيت قضية الأستاذة برايتر والتصرف المشين والجبان لجامعة هاملاين باهتمام إعلامي، وسارعت المنظمات المعنية بصيانة الحريات الأكاديمية إلى إدانة قرار فصل الأستاذة برايتر وإعادة تجديد عقدها.

المؤسف والمدهش أن جامعة هاملاين تعاملت مع عرض أكاديمي لرسوم تكريمية للنبي محمد تعتبر من روائع الفن الإسلامي وكأنها مماثلة لرسوم الكاريكاتور التي سخرت من النبي محمد والتي نشرتها مجلة "شارلي إيبدو" في فرنسا وعرضت المجلة لهجوم إرهابي في 2015.

بعد الضغوط من الطلاب المسلمين وغيرهم من الناشطين الإسلاميين الذين يدافعون في بعض الحالات عن ضحايا مزيفين كما هو حال المحتجين في جامعة هاملاين، ويتجاهلون عنف وقسوة وفساد وطغيان معظم الأنظمة السياسية في الدول ذات الأكثرية المسلمة، بعث رئيس الجامعة برسالة إلكترونية مذهلة بمضمونها  للطلاب قال فيها إن احترام الطلاب المسلمين "يجب أن يعلو على الحرية الأكاديمية" متناسيا الحقيقة البديهية للثقافة الليبرالية التنويرية التي يفترض أن تعتمدها الجامعات في الدول الديمقراطية وهي أنه في الجامعة، الحرية الأكاديمية تعلو على كل اعتبار آخر.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

منتخب الأرجنتين خلال استقباله في بلاده بعد عودته فائزاً بكأس العالم لكرة القدم- تعبيرية
منتخب الأرجنتين خلال استقباله في بلاده بعد عودته فائزاً بكأس العالم لكرة القدم- تعبيرية

لا أخفي أني تعمّدت أن يكون العنوان مُثِيرا/ مُسْتفزّا؛ مُتَساوِقا مع مستوى الإثارة الرياضية هذه الأيام. ومع أني لا أحفل ـ لا قليلا ولا كثيرا ـ بهذه الرياضة، ولا أعْنَى بِمَن كَسب ولا بمن خسر؛ إلا أنني مَعْنِيٌّ جِدّاً بالدلالات الـ"مَا وراء رياضية"، أي بالدلالات الأيديويوجية والسياسية والثقافية، المرتبطة بسلوكيات المُشَجِّعين الرياضيين، أو حتى بسلوكيات أولئك الداخلين ـ عَرَضَا ـ في التعليق على مسار المباريات والاشتغال بتكييف مظاهر التشجيع الرياضي وتوظيفها؛ لهموم أخرى؛ لا تتعلّق بهذه الرياضة، لا من قريب ولا من بعيد.  

في المباراة النهائية أمس بين فرنسا والأرجنتين، حَدثَ ما توقّعتُه تماما. وتوقّعي هنا هو توقّع ثقافي/ معرفي؛ وليس رياضيا؛ لجهلي التام بالرياضة الكروية. لقد توقّعتُ أن يَنحاز المُشجّعون العربُ في هذه المباراة انحيازا واضحا، بل وحماسيا، لمنتخب الأرجنتين. وصدق توقّعي! وبالتأكيد؛ لم يصدق إلا لأن هذا "الانحياز الجماهيري العربي" مَبْنِيٌّ على موقف غير رياضي بالأساس؛ إذ لو كان موقفا رياضيا خالصا ما استطعت التنبؤ به، فللموقف الرياضي الخالص مسار فني مَحْض، هو بالضرورة غير المسار الأيديويوجي والسياسي والثقافي.    

إذن، فَرِحَ مُشَجعو العالم الثالث فَرَحاً غامِرا بانتصار الأرجنتين؛ بعدما هتفوا طويلا، وبحماس بالغ، في انتظار هذه النتيجة التي جعلتهم يستشعرونها نَصْرا مُؤزَّراً مُتجاوِزا لِحَيثِيّات النصر الرياضي. ويعترف كثير من هؤلاء المُبْتهِجين صراحة بأن حماسهم لانتصار الأرجنتين صادر عن موقف غير رياضي، موقف يُبَرّره ـ حسب ما يقولون صراحة ـ: ماضي فرنسا الاستعماري، وحاضرها العنصري (فيما يزعمون !!!)، وهيمنة الغرب الذي تُعَدُّ فرنسا جزءا أساسيا/ أصيلا منه...إلخ، فهذا ـ وِفْقَ تبريرهم المُعْلَن ـ هو ما جعلهم يستشعرون لذة وإثارة في مشهد الانكسار الفرنسي، حتى ولو كان ذلك في "عالم الألعاب"؛ بعد أن تَعذّر عليهم أن يروه في "عالم العِلْمِ والعمل الجاد"! 

لكن، هل صحيح أن هذه المُبَرِّرات المذكورة آنفا هي بالذات ما جعل مُشَجّعي العالم العربي (والذين هم جزء أصيل من العالم الثالث) ينحازون ضد الفرنسيين لحساب الأرجنتين؟ هل صحيح أن "الاستعمار" و"العنصرية" و"الهيمنة" هي الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز أم هي فقط الدوافع المعلنة التي يجري بوساطتها التّستّر على الدوافع الخفية التي يخجل مُشجّعو العالم العربي من ذكرها؛ لأنها هي الحقيقة المُرّة التي لا تزال تُشَكِّل لهم عُقْدة نفسية جمعية تنتظم مجملَ مسار علاقاتهم مع الآخرين، الآخرين المتقدّمين تحديدا؟! 

ابتداء؛ لِنُبَيِّن تَهافتَ هذه المُبَرِّرَات الثلاث التي يُصَرِّحُ بها المُنحازون ضد فرنسا/ ضد الغرب. فأولا، مقولة "الاستعمار" لا معنى لها في سياق ادعاء أن الأرجنتين ليست دولة استعمارية، إذ هي بذاتها ظاهرة استعمارية مكتملة الأركان، فالسكان الأصليون في حدود 1% فقط، بينما البيض الأوربيون (= المُسْتَعْمِرون) في حدود 97%، ومعروف تاريخ المذابح/ الإبادات الجماعية للسكان الأصليين التي رافقت الهجرات الأوربية الأولى إلى أمريكا الجنوبية/ الأرجنتين. فالأرجنتين كدولة، هي نجاح الاستعمار بامتياز، وبالكامل، أي تحققّه واقعا، اليوم، ومستقبلا؛ ودنما أي أمل بـ"الاستقلال" غدا.    

أما مقولة "العنصرية" الفرنسية/ الغربية، فيدلّ على تهافتها حقيقة أن الأوربيين البيض يُشَكّلون نسبة 97% من سكان الأرجنتين اليوم، أي أن بقية الأعراق في الأرجنتين أقل من 3%، بينما الأجانب المهاجرون يُشكِّلون في فرنسا اليوم ما نسبته 19% من سكان ، أي حوالي 12 مليون نسمة. ومؤكد أن لهذه الأرقام الموضوعية/ المحايدة دلالة بالغة في تحديد درجة الانفتاح على الآخر، وبالتالي، درجة الاتصاف بالعنصرية. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ وهو الأهم والأشد حسما ـ الاعتبار بكيفية اشتغال منظومة الحقوق والحريات في فرنسا، مقارنة بكيفية اشتغالها في الأرجنتين؛ عرفنا ـ إنْ كان حقا يَهُمّنا أن نعرف ! ـ مَن الأحق بأن يُوْصَم بعار العنصرية من البلدين: فرنسا أم الأرجنتين ؟   

وتبقى مقولة "الهيمنة"، التي هي هنا ذَمٌّ أشْبَه بالمديح، تهمة عبثية ساخرة. والمعنى أن الهيمنة الغربية هنا (والفرنسية جزء منها) ليست قسرا وقهرا وإذلالا، بل هي تقدّم باذخ، وثراء متراكم، شامل لكل الحقول المعرفية والعملية، ومُتَصاعِد في مدى زمني متطاول، بحيث يفرض نفسه ـ طوعا ـ بقوة إغراء النموذج على الجميع، حتى على ألدِّ أعدائه الذين يجدون أنفسهم مُضْطرّين إلى تمثّله، مع الخضوع لشروط هذا التَّمثّل الموضوعية بطبيعة الحال. 

إذن، كل هذه المُبَرِّرَات المُتَهافِتة، المعلن عنها صراحة/ ادعاءً، ليست هي المبررات/ الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز الجماهيري العربي ضد فرنسا في تنافسها مع الأرجنتين. ما يعني أن ثمة دوافع أخرى، يجري التكتّم عليها خجلا وخوفا، وهي ستصبح أشد وضوحا وسطوعا، بل وافتضاحا، في حال الإجابة على الأسئلة التالية: ما الذي يجمع العربَ مع الأرجنتين ؟ وما الذي يُفَرِّق بين العرب وبين الفرنسيين ؟ وما الذي يُفَرق بين الفرنسيين وبين الأرجنتين؟  

لن تجد الإجابة الشافية على هذه الأسئلة المُرْبِكة/ المُحْرِجة إلا في سياق مقاربة ثنائية "التقدم" و"التخلف"، التقدم بأوسع معانيه، والتخلف بأوسع معانيه أيضا. فالأرجنتين لم تُقَدِّم طِوال تاريخها الممتد لما يناهز قرنين أيَّ إسهام حضاري في أي مجال مُعْتَبر من مجالات الإسهام الحضاري، بل لم تتقدم في مجالها الخاص ولو بأدنى مستوى من مستويات التقدم الحقيقي. ثم إن منظومة الحقوق والحريات؛ وما ينتظمهما من قوانين وأعراف وثقافة جمعية، فضلا عن جدلية العسكري والمَدني والديني، بما في ذلك الانقلابات العسكرية...إلخ معالم واقعة التخلّف الراسخة، كل ذلك يُشْبه كثيرا ما هو موجود في معظم أنحاء العالم العربي.    

وعلى العكس من حال الأرجنتين، تقف فرنسا في مفاصل كثيرة من تاريخها كرأس حربة لمسيرة التقدم الإنساني. إنها منارة من منارات التقدّم؛ رغم كل صور التعثّر؛ ورغم كل الاستثناءات العابرة. وهي/ فرنسا في مسيرة استنارتها وتقدّمها وإسهامها الحضاري المتواصل، كانت بالنسبة للعرب ذلك الآخر المتقدم الذي يُقَاس عليه مستوى فشل وتخلّف وانحطاط الأنا، كانت هي التي ـ دونما قصد، بل بحكم الأمر الواقع ـ تنكأ الجرحَ النرجسي العربي باستمرار، وتمضي ـ ومن ورائها عموم الغرب المتقدم ـ في تعميق هذا الجرح وفي إبقائه مفتوحا على الألم، بل وعلى الرعب خوف التلاشي والانقراض.  

هكذا، وكما قال المتنبي: "وشبه الشيء مُنْجَذِبٌ إليه"، يجد المُتخلِّفون أنفسهم في صف واحد ضد الآخر المتقدم، الذي لم يتقدم عليهم فحسب، وإنما هو نموذجهم المعياري للتقدم، إذ ليس للتقدم من هوية دون وضعه على قائمة النمذجة علانية أو سرا، أقصد النمذجة التي تستتبع بالضرورة نمذجة الوعي، ومن وراء ذلك، نمذجة الأعراف والتقاليد ومنظومة القيم الأساسية التي تضع الخطوط العريضة للسلوك الإنساني.    

كُلنا سمع بحركةَ عدم الانحياز منتصف القرن الماضي، وكيف كانت أمريكا الجنوبية/ اللاتينية جزءا أصيلا منها. وكلنا يعرف كيف حاول بعض المثقفين العرب الاقتداء بـ"لاهوت التحرير" في أمريكا الجنوبية، في الوقت الذي كان هجومهم الضدّي مهووسا بهجاء الغرب، والتبشير بانتهاء دوره، بل وبزواله على سبيل التفكك والانهيار، وكل ذلك كان يجري لحساب نموذج آخر مقترَح، نموذج متخلف في نهاية المطاف: لاتيني، شيوعي، اشتراكي...إلخ، المهم ألا يكون نموذجا تقدميا بحق/ نموذجا غربيا ليبراليا.     

إن الاصطفاف العالم ثالثي/ العربي الظاهر في صورة الفرح العارم بانتصار الأرجنتين على فرنسا، ليس بدعا، ليس غريبا، وبالتالي، ليس مفاجئا، بل هو في سياق مطّرد مع مقدماته الثقافية/ الأيديويوجية: الأكبر من رياضية، إنه ـ مثلا ـ ليس إلا صورة للاصطفاف العربي الجماهيري مع روسيا ضد أوكرانيا/ ضد الغرب. إنه صوت "الوعي الضدّي" الذي ينتظم وعيَ العرب المجروحين نرجسيا منذ قرنين؛ ولا يزالون. فهم ـ تحت هيمنة هذا الوعي الضدي ـ مستعدّون للاصطفاف مع أي أحد، أي أحد؛ أيّاً كان، ومهما كان؛ شرط أن يكون في مسار ضدي: في موقف صراعي مع الغرب. 

إن الإنسان يقف ـ مُتَحيِّزا ـ مع مَن يظنه شبيها/ مماثلا له. يحدث هذا بوعي؛ وبلا وعي أحيانا. هكذا تُخْبِرُنا نظريات التّحيّز. فالمعلمون مثلا، يجدون أنفسه متحيزين لبعضهم تلقائيا في حال كان الحديث عن التلاميذ من جهة، أو عن الإدارة التعليمية والاشراف التربوي من جهة أخرى. وأيضا، أصحاب المَحلات التجارية يتحدّثون عن عَنَت الزبائن، بينما الزبائن يتحدثون عن استغلال أصحاب المحلات وجشعهم. وفي حال تحوّل الزبون إلى صاحب مَحل؛ فإنه سيتحدّث تلقائيا كتاجر، وسَيَكفّ عن الحديث كمستهلك. وهكذا دواليك. ما يعني أن الارتياح النفسي الذي يستشعره المُتخلّف إزاء المتخلف، وما يتبع ذلك من سلوكيات، له ما يُبَرِّره في أصل تركيبة السلوك الإنساني المتحيّز بطبعه لنظرائه. فهو نوع من التحالف الخفي مع مَن يتشابه معه في الظروف (ما يعني توقّع تشابه الدوافع، ومن ثم تشابه الأفعال) ضدَّ من يراه مُخْتَلفا عنه، فكيف بمن يراه نقيضا له في أعلى مستوى وجوده، بل و في معنى وجوده أحيانا؟! 

إن خطورة هذا "الموقف الضدي" الذي تجلىّ ظاهرا في مشهد تشجيع رياضي، يتجاوز حقيقةً هذا الموقف الجزئي الهامشي، بل الموقف التافه؛ ليكون دلالة على خيارات حاسِمة: حضارية مصيرية. وما لم يَبْرأ العربُ مِن جُرحهم النرجسي العميق النازف منذ أمد بعيد؛ فيتجاوزا المواقف الضدية المرضية؛ وصولا لتفعيل التواصل الإيجابي، التواصل المُتَحلل من العُقد، مع العوالم التي تُمَثِّل أعلى مستويات التقدم الإنساني؛ فلن يتقدموا إلا كما تتقدّم الأرجنتين وأشباه الأرجنتين!            

أما الغرب، الغرب المُتَقَدِّم حقيقة، فمع كل عيوبه، سيبقى مُنْشِدا ـ بلسان الحال ـ قَوْلَ الشاعر العربي القديم/ البُحْتري:  
إذا مَحَـاسني اللاّتي أُدِلُّ بهـا     كَانَت ذُنُوبي فَقُلْ لِي: كَيفَ أعتذرُ