تختلف الديانات الإبراهيمية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، في نظرة كل منها للخلاص، وفي نظرتها للجنة.
تختلف الديانات الإبراهيمية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، في نظرة كل منها للخلاص، وفي نظرتها للجنة.

تختلف الديانات الإبراهيمية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، في نظرة كل منها للخلاص، وفي نظرتها للجنة. في هذا السياق، ظهر السؤال المُلح حول إمكانية دخول الجنة لغير المؤمنين، وهو السؤال الذي لقي إجابات مختلفة في كل حالة من الحالات الثلاث.

في هذا المقال، نطرح هذا السؤال لنعرف كيف نظرت النصوص اليهودية والمسيحية والإسلامية للجنة، وكيف تباينت وجهات نظر علماء الأديان الثلاث في مسألة دخول "الكافر" لها.

 

اليهودية.. لا تصورا واضحا لمفهوم الجنة

 

يتفق أغلبية الباحثين المتخصصين في دراسات اليهودية والعهد القديم على أن التوراة -أسفار موسى الخمسة- لم تتحدث عن البعث والنشور، وما يرتبط بهما من حضور لمفاهيم الجنة أو الجحيم بشكل مباشر. في ذلك، يقول المؤرخ الأميركي ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة: "لم تبن فكرة البعث في خلود اليهود إلا بعد أن فقدوا الرجاء في أن يكون لهم سلطان في هذه الأرض، ولعلهم أخذوا الفكرة عن الفرس، أو لعلهم أخذوا شيئًا منها عن المصريين القدماء...".

رغم ذلك، فإن بعض المواضع التي وردت في أسفار العهد القديم، أشارت إلى "شيول"، وهو مكان غامض، يتكون من حفرة مظلمة وعميقة، يرحل إليها الموتى بعد أن يفارقوا الحياة.

تحول وادي "جي هنوم"، قرب أورشليم، والذي كان الكنعانيون يقومون فيه بتقديم الأضاحي البشرية، إلى جهنم، تلك الأرض التي تشتعل فيها النيران، ويلقى فيها المذنبون الجزاء.

في القرن الرابع قبل الميلاد، ومع حلول الحقبة الهيلينستية -تلك التي عملت على الدمج بين الأفكار الشرقية والغربية- بدأ مفهوما الجنة والجحيم يجدان لنفسيهما مكانًا في العقل اليهودي. واعتمادًا على بعض الإشارات الواردة، ومنها على سبيل المثال ما جاء في الإصحاح الثاني عشر من سفر دانيال "وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ"، ظهرت جنة عدن على كونها المكان الذي يذهب إليه الصالحون بعد بعثهم. في السياق نفسه، تحول وادي "جي هنوم"، الذي يقع بالقرب من أورشليم، والذي كان الكنعانيون يقومون فيه بتقديم الأضاحي البشرية، إلى جهنم، تلك الأرض التي تشتعل فيها النيران، والتي يلقى فيها المذنبون الجزاء على ما ارتكبوه من شرور وآثام.

هذه الرؤية تطورت كثيرًا عبر الزمن، ولا سيما في فترة العصور الوسطى، ذلك أن اليهود الذين عاشوا في البلاد الإسلامية، تأثروا كثيرا بالاعتقاد الإسلامي الراسخ في وجود حياة أخرى بعد الموت. ومن ثم، لم يكن من الغريب أن نجد أن الحاخام سعديا بن جاؤون الفيومي المتوفى 330هـ يؤكد على أن الأبرار والأخيار سيبعثون في الدار الآخرة بأرواحهم وأجسادهم، وأنهم سيعيشون في النعيم، بينما يتعذب الأشرار ويتألمون. الفيلسوف اليهودي الأشهر موسى بن ميون المتوفى 601هـ، تأثر هو الآخر بالثقافة الإسلامية، فقال بالبعث الأخروي، ولكنه قصره على أرواح الأخيار فقط، وقال إن: أرواح الأشرار ستفنى مثل أرواح الحيوانات والطيور.

في المجمل، يمكن القول إن الجنة -في المُتخيل اليهودي- غامضة، وغير محددة المعالم، ولكنها -إلى حد بعيد- تقتصر على اليهود دون غيرهم من الأمم.

 

المسيحية.. قبول كاثوليكي لدخول غير المسيحي للملكوت

 

على النقيض من اليهودية، تعترف المسيحية بوجود الجنة أو الملكوت أو الفردوس وأن ثمة حياة ثانية سيعيشها الإنسان بعد موته. الشرط -الأساس- الذي حددته المسيحية لدخول الملكوت السماوي، يتمثل في الإيمان بيسوع المسيح، وبكونه المخلص الفادي، الذي غفر عبر صلبه وعذابه الآثام التي لحقت بالإنسان من جراء اقتراف الخطيئة الأولى.

من هنا، سنجد أن أسفار العهد الجديد أكدت مرارًا على حتمية الإيمان بيسوع، كما أعلت من شأن بعض الممارسات الطقسية المرتبطة بهذا الإيمان. من ذلك ما ورد في الإصحاح الثالث من إنجيل يوحنا: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ"، وما ورد في الأصحاح ذاته بخصوص شرط المعمودية اللازم لدخول الجنة، إذ جاء فيه: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ". في السياق نفسه، جرى التنبيه على سر الأفخارستيا (طقس تناول قطعة صغيرة من الخبز) وأهميته في الحياة بعد الموت: "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم"، وذلك بحسب ما ورد في الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا.

تحولت الكاثوليكية إلى التأكيد على أن غير المسيحي من الممكن أن يتمتع بالملكوت بعد الموت.

بحسب المعتقد المسيحي التقليدي، فإن كل من رفض الإيمان بالمسيح المخلص، فإنه سوف يذهب إلى الجحيم ليلقى العذاب الأبدي، وقد ظهر ذلك الاعتقاد في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي: "وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي".

رغم أن الاعتقاد باستحالة دخول غير المسيحي إلى الملكوت السماوي كان هو الاعتقاد السائد في معظم الأوساط المسيحية عبر القرون، إلا أن الأمر تغير في الفترة المعاصرة خاصة وسط الكنيسة الكاثوليكية والتي تحولت إلى التأكيد على أن غير المسيحي من الممكن أن يتمتع بالملكوت بعد الموت. ومن أبرز تلك الآراء ما وقع في المذهب الكاثوليكي، في المجمع الفاتيكاني الثاني في عام 1965م.

في كتابه "عقيدة خلاص غير المؤمنين: بين الجذور والثمار"، يسلط المؤلف حلمي القمص يعقوب الضوء على ذلك المجمع، فيذكر أنه قد شهد حضور 2400 أسقف كاثوليكي، مع بعض المراقبين من الكنائس الأخرى الأرثوذكسية والروم الأرثوذكس والإنجليكان والبروتستانت، وأن البابا يوحنا الثالث والعشرين قد افتتح أعمال المجمع في أكتوبر1962م، بينما اختتم فعالياته البابا بولس السادس في ديسمبر 1965م. وبحسب يعقوب، فإن المجمع قد قرر عقيدة خلاص غير المؤمنين في جلسته الرابعة في أكتوبر 1965م. وقد جاء فيما صدر عنه من تقرير وتوصيات التأكيد على أن "تدبير الخلاص يشمل أيضًا أولئك الذين يؤمنون بالخالق، وأولهم المسلمون الذين يُعلنون أنهم على إيمان ابراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمان الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر…". كما ورد أنه "بإمكان الله أن يقود إلى الايمان الذي يستحيل إرضاء الله بدونه، بطرق يعرفها هو، أناسًا يجهلون الإنجيل عن غير خطأ منهم…".

يؤمن التيار البروتستانتي المحافظ أنه لا خلاص خارج الإيمان المسيحي.

فيما يخص التيار المسيحي البروتستانتي، والذي ينقسم إلى العديد من الفرق والطوائف، فتتباين فيه الآراء حول مسألة دخول غير المسيحي للملكوت السماوي. على سبيل المثال، يذكر القسيس البروتستانتي والباحث في الفلسفة بجامعة أمستردام، عماد عبد المسيح أن هناك عدة مدارس في دوائر اللاهوت البروتستانتي فيما يتعلق بخلاص غير المسيحيين. المدرسة الأولى هي المدرسة الحصرية exclusivism والتي ترى أنه لا خلاص خارج الإيمان المسيحي، وهي المدرسة المحافظة والشائعة. أما المدرسة الثانية، وهي المدرسة الأكثر رحابة inclusivism وترى أن الخلاص في المسيح وفقاً للإنجيل، ولكن لله طرق أوسع من معرفتنا في دعوة البشر إليه، وهي مدرسة أقل شيوعاً.

 

 الإسلام.. بين "الكافر" المعاند و"الكافر" غير المعاند

 

يعتمد الطرح الإسلامي التقليدي على القول بأن اعتناق الدين الإسلامي هو السبيل الوحيد للخلاص ودخول الجنة. هذا الطرح تجلى بصور مختلفة في العديد من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، كما ظهر -بشكل واضح- في شروح وتفاسير العشرات من الفقهاء ورجال الدين المسلمين على مر القرون.

من أهم الآيات التي استند إليها أصحاب هذا الطرح الآية التاسعة عشر من سورة آل عمران "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"، وهي الآية التي شرحها ابن كثير المتوفى 774ه في تفسيره، بقوله إن فيها "إخبارا من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى خُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل...". المعنى نفسه ورد في بعض الأحاديث النبوية، ومن أشهرها الحديث الوارد في صحيح مسلم بن الحجاج المتوفى 261هـ، والذي جاء فيه "والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، لا يهودِيٌّ، ولا نصرانِيٌّ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النارِ".

هذا التوجه -الذي سيتنامى ويزداد قوة مع الوقت بفعل وقوع التوسعات العسكرية الإسلامية، واصطدام المسلمين بالفرس والبيزنطيين- سيعمل على تهميش المعنى الظاهر الوارد في بعض الآيات الأخرى، والتي تؤكد على أن غير المسلمين من الممكن أن يصلوا لخلاصهم، ومنها على سبيل المثال، الآية الثانية والستون من سورة البقرة "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، إذ تم تفسير الآية على كونها قد قصدت الجماعات التي سبقت ظهور الدعوة المحمدية، وهي الجماعات التي كانت تتبع الأنبياء والمرسلين السابقين على النبي محمد.

رغم شيوع هذا التفسير في العقل الإسلامي الجمعي، إلا أن تأسيس علم الكلام، وظهور الفرق والمذاهب الكلامية والأصولية المختلفة -ومن أشهرها أهل السنة والجماعة، والشيعة، والمعتزلة- أسفر عن حضور بعض الملاحظات المهمة المتعلقة بفكرة الخلاص والجنة. وكان أهم تلك الملاحظات هي تلك التي يتساءل أصحابها عن الفارق بين الكافر المعاند والكافر غير المعاند، وهل هناك اختلاف في مصير كل منهما في الدار الآخرة؟

على الرغم من أن الأغلبية الغالبة من العلماء المسلمين عبر القرون لم يفرقوا -إطلاقًا- بين الكافر المعاند -وهو الذي يعرف أن الإسلام هو الدين الحق، ولكنه يرفض اعتناقه من باب الكبر والغرور والجحود- والكافر غير المعاند -وهو الذي يجهل حقيقة الدين الإسلامي، فإن هناك مجموعة من العلماء والمفكرين المسلمين الذي رفضوا الجمع بين الصنفين، فأكدوا -بطرق مختلفة- على أن الكافر غير المعاند إنما يُعذر بجهله، كما ذهب بعضهم إلى أنه يُرجى له الدعاء بالرحمة، وبأن الله من الممكن أن يصفح عنه.

يقول أبو حامد الغزالي: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى.

من أول هؤلاء المفكرين، المتكلم المعتزلي الجاحظ (أبو عمرو عثمان بن بحر المتوفى 255ه)، والذي نُقل عنه قوله: "إن الله لا يعاقب الكفار، إلا أولئك المعاندين الذين يدركون الحق ويحيدون عنه حرصًا على جاه أو رئاسة. أما الباقون منهم-وهم الذين يمثلون سواد الناس وأكثريتهم- فإن من الظلم عقابهم لأنهم لا يفهمون الحق إلا من خلال العادات والتقاليد التي نشأوا عليها والله ليس بظلام للعبيد".

العالم الأندلسي الظاهري ابن حزم المتوفى 456ه، أشار في كتابه الموسوعي "الفِصل في الأهواء والملل والنحل" بشكل سريع لتلك المسألة، فربط مسألة الكفر بالعلم، فقال: "صح أنه لا يكفر أحد حتى يبلغه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا بلغه فلم يؤمن به فهو كافر…"، وفي المعنى ذاته ذكر في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام"، ما نصه "إن اللَّه - تَعَالَى - لم يأمر قط بشيء من الدين إلا بعد بلوغ الأمر إلى المأمور، وكذلك النهي، فصح أنه لا نذارة إلا بعد بلوغ الشريعة، وأنه لا يكلف أحد ما ليس في وسعه، وليس في وسع أحد أن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه".

هذا الباب -العذر بالجهل- سيُفتح على مصراعيه على يد أبي حامد الغزالي المتوفى 505هـ، إذ سنجده في كتاب "فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة" -وهو واحد من كتبه الأخيرة- يفصل المسألة، ويسهب في شرحها. يقول: "إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والفرس ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف: الصنف الأول: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلًا، فهم معذورون. الصنف الثاني: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون. الصنف الثالث: هم بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا -أيضًا- منذ الصبا أن -والعياذ بالله- كذابًا اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذابًا يقال له: المقفع بعثه الله تحدياً بالنبوة كاذبًا، فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك النظر في الطلب...".

القاضي ناصر الدين البيضاوي الشافعي: يرجى العفو للكافر المبالغ في الاجتهاد في تحصيل الهدى، وذلك الرجاء من فضل الله ولطفه إذ لا تقصير عنده.

هذا المعنى نبه عليه القاضي ناصر الدين البيضاوي الشافعي المتوفى 685هـ في كتابه "طوالع الأنوار من مطالع الأنظار"، إذ يقول رابطًا بين الخلاص والعفو الإلهي من جهة والاجتهاد في الوصول للعقيدة الحقة من جهة أخرى: "ويُرجى العفو للكافر المبالغ في الاجتهاد في تحصيل الهدى، وذلك الرجاء من فضل الله ولطفه إذ لا تقصير عنده…".

هذه الأقوال لم تُعرف فقط عند المعتزلة وأهل السنة والجماعة، بل إننا نلاحظها أيضًا في كتابات العديد من الفقهاء والمتكلمين الشيعة، ومن أشهرهم بهاء الدين العاملي، والمعروف بالشيخ البهائي المتوفى 1030ه، إذ نُقل عنه قوله: "إن المكلف إذا بذل جهده في تحصيل الدليل فليس عليه شيء وإن كان مخطئًا في اعتقاده، ولا يخلد في النار وإن كان بخلاف أهل الحق"، وذلك بحسب ما يذكر محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة.

 

مواضيع ذات صلة:

رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف، 12 أغسطس 2017
رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف- تعبيرية

تأسست الحوزة العلمية في النجف على يد الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في نهاية العهد البويهي وبداية السلجوقي (1056 ميلادي)، وكان تدريس العلم فيها بحسب المؤرخ العربي ابن الأثير، بدأ منذ القرن الثالث الهجري وازدهر في عهد عضد الدولة البويهي، وعلا شأن الحوزة بعد هجرة الطوسي إليها.

استمرت على هذه الحال مقصداً لطلاب العلم من سائر الأقطار الإسلامية، حتى بلغ عدد طلابها قبل الاحتلال الإنجليزي (1914) عشرة آلاف طالب.

أدت حوزة النجف إلى جانب دورها الديني التعليمي دوراً سياسياً كبيراً في حياة العراق والشيعة أينما وجدوا، حيث قادت "ثورة العشرين" ضد الانتداب البريطاني، وكان أحد علمائها ومراجعها الكبار السيد الشيرازي وراء "فتوى تحريم التنباك" الشهيرة أواخر القرن التاسع عشر، وأدت إلى ما يطلق عليه "ثورة التنباك".

وكانت حوزة النجف المكان شبه الوحيد الذي يستطيع المتخرج منه أن يكتسب شرعية العالم، ويصبح مبلّغاً أو مفتياً أو مجتهداً. وعلى الرغم من أن مدارس شيعية دينية عديدة فتحت أبوابها للطلاب في فترات مختلفة في إيران ولبنان والجزيرة العربية وأفغانستان وباكستان وسواها من أماكن الانتشار الشيعي، إلا أن النجف حافظت طوال عقود على دورها المركزي في إضفاء شرعية على رجال الدين الذين يتخرجون منها.

ويعود ذلك لحضور كبار فقهاء الشيعة في مقدمهم المرجع الأعلى (حاليا علي السيستاني)، الحوزة، بالإضافة للقدسية التي تحظى بها النجف بسبب وجود مقام الإمام علي فيها، وعلى مقربة منها مدينة كربلاء حيث قتل ابنه الإمام الحسين في الموقعة الشهيرة.

أثّرت حوزة النجف وأثْرَت العديد من تجارب رجال الدين الشيعة اللبنانيين الذين تخرجوا منها، ونقلوا إلى مجتمعهم ثقافة دينية منفتحة وعكسوا ما تعلموه هناك على تجاربهم السياسية، كما أسهموا بشكل غير مباشر في خلق تنوّع سياسي في الطائفة الشيعية داخل لبنان. من بين هؤلاء: محمد مهدي شمس الدين وموسى الصدر ومحمد حسين فضل الله وهاني فحص ومحمد حسن الأمين وغيرهم.

 

لماذا النجف؟

يروي رجل الدين اللبناني الراحل هاني فحص في كتابه "ماض لا يمضي- مذكرات ومكوّنات عراقية" كيف كانت المدارس في النجف منفتحة على قبول الثقافات المتعددة الواردة إليها من مختلف أصقاع العالم العربي والإسلامي، إلى درجة أن اللبنانيين في النجف، كما يكتب فحص، قاموا بـ"رقص الدبكة في المدرسة (الدينية) ما عرّضهم للمضايقة في أوساط الطلبة والعلماء والأسواق".

وكان هناك شيء من الامتعاض من اللبنانيين بسبب "لبسهم لساعات اليد وانتعالهم أحذية حديثة وهجرهم (المداس) مبكراً وارتداء بعضهم البنطلون تحت جبّته، أو قميصاً ملوناً أو ذا ياقة حديثة"، بحسب فحص.

ويتحدث عن الدور الذي لعبه نظام صدام حسين في بروز حوزة قم على حساب النجف، وتحوّلها إلى بديل عنها: "أصبحت حوزة قم موازية للنجف إيرانياً وجزئياً، إذ إن قلة من الطلاب وفدوا إليها من باكستان والهند وأفغانستان، ثم أخذت حوزة قم تتحول تدريجياً إلى بديل للنجف بعد الثورة الإسلامية وتأسيس الدولة باستقطاباتها الكثيرة وشديدة التركيز، وبعد مضيّ النظام العراقي في عملية تفكيك النجف حوزة وموقعاً ودوراً وتراثاً علمياً وأدبياً وجهادياً".  

أثر النجف في فحص كبير جداً، كما قال نجله الصحافي والمحلل السياسي مصطفى فحص، وهو ليس أثراً دينياً او عقائدياً بقدر ما هو أثر "معرفي واجتماعي وثقافي وتعدّدي".

وأكد أن "النجف شكلت التكوين الأساسي لتكوينه المعرفي. وقد بقي هذا الأثر في السيد هاني فحص طوال عمره، في لهجته ولغته ومفرداته، بطربه وذائقته الشعرية، وحتى في حزنه".

هناك نماذج كثيرة لشخصيات درست في النجف لكن اتجهت لاحقاً إلى المنحى اليساري في التفكير والتنظير، يشرح الصحافي علي الأمين، وهو نجل رجل الدين الشيعي اللبناني الراحل محمد حسن الأمين، الذي درس الفقه في حوزة النجف.

من هذه النماذج يسمّي الأمين المفكر اليساري حسين مروة، صاحب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية"، الذي اغتيل بمسدس كاتم للصوت وهو طريح الفراش عام ١٩٨٧.

يضيف "كانت هناك حالات مماثلة في النجف الذي كان مؤسسة دينية لكنه أيضاً مؤسسة تعليمية أكاديمية. وقد تعرف الكثير من طلاب الحوزة في النجف على الأدب العالمي والفلسفة والترجمات في أروقة النجف وهو ما فتح أمامهم آفاقاً ثقافية رحبة".

وذهب محمد حسن الأمين للدراسة في العراق عام ١٩٦٠  حين كان بعمر ١٤ سنة، وعاد إلى لبنان عام ١٩٧٢، أي انه أمضى ١٢ عاماً من مراهقته وشبابه في النجف، وهذه السنوات كما يصفها علي "لعبت دوراً أساسياً في تكوين شخصيته على المستوى الفكري والثقافي والديني".

وظلّ والده يتردد إلى العراق حتى اغتيال المرجع محمد باقر الصدر عام 1980، إذ انقطع عن زيارة العراق لأسباب أمنية، وبقيت علاقاته قائمة بجميع من ارتبط بهم في العراق بصداقات وزمالات في الحوزة، خصوصاً مع خروج عدد منهم من العراق في فترة حكم حزب البعث ولجوء بعضهم إلى لبنان وسوريا والأردن وإيران.

 

بين المحافظة والاعتدال

الباحث والكاتب أحمد محسن في صدد مناقشة رسالة دكتوراة حول العائلات الدينية الشيعية في لبنان في كلية العلوم الدينية بجامعة القديس يوسف في بيروت، وهو درس أثر حوزة النجف في المشهدية الشيعية، ويميّز بين ثلاثة أنواع أكثر بروزاً من التديّن الشيعي في لبنان: الأول محافظ وراديكالي الذي يشكّل حزب الله أحد وجوهه الأساسية، والثاني ليبيرالي من أبرز وجوهه موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وآخرون، وتيار ثالث وسطي تزعمه محمد حسين فضل الله.

يبين محسن: "تواجد العديد من رجال الدين المذكورين في فترة متقاربة في النجف وكانوا جزءاً من النقاشات التي تخاض على هامش التعليم الديني، وكانت تتمحور حول العداء للأنظمة العربية القمعية، والخوف والقلق من تمدّد اليسار".

ويتابع أن ما يُرى اليوم على أنه "اعتدال" في طبيعة الحوزة النجفية، لم يكن في الواقع في زمنه اعتدالاً، إذ اعتبرت الحوزة مؤسسة محافظة، وقد خرج منها مثلاً "حزب الدعوة" وكان هناك عداء شديد لليسار، لكن بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران باتت معتدلة مقارنةً مع الأفكار التي نتجت عن الثورة الخمينية وتعدّ اليوم بالنسبة للمحافظين القدامى، راديكلية.

حول هذه النقطة يقول مصطفى فحص إن النجف مدرسة فقهية مركزية، و"تقليديتها تتأتى من مواجهة المدارس الفقهية الشيعية الفرعية الأخرى".

قد توحي حوزة النجف، بحسب فحص، أنها "اكليروس يميني تقليدي"، لكنها في شأنها الاجتماعي "أقرب إلى اليسار في تعاطيها مع الفقراء".

من هنا يفسّر محسن تقاطع بعض رجال الدين الذين عادوا من النجف مع اليسار اللبناني، ولكنه يعتقد أن هذا التقاطع في بعض جوانبه بقي شكلياً.

في هذا السياق، يلاحظ الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية قاسم قصير أن هناك شخصيات شيعية لبنانية "تأثرت باليسار وكذلك بالقومية والبعث ولاحقا بالثورة الفلسطينية". لكن هذا التاثير تراجع مع تراجع دور الاتحاد السوفياتي وتقدم الفكر الإسلامي.

من جهته، يرى علي الأمين أن حوزة النجف "شهدت صراعين بين وجهتين، الأولى تقليدية والثانية تجديدية"، لكن هذا لا يعني دائماً أن التجديد يكون أفضل من التقليد.

"فولاية الفقيه يمكن اعتبارها وجهة تجديدية حينما نظّر لها الإمام الخيميني في النجف قبل انتقاله إلى باريس ومنها إلى طهران مع انتصار الثورة الاسلامية في إيران. وجاء مفهوم ولاية الفقيه كانقلاب على مسار تاريخي حوزوي، ولم تكن أجواء المؤسسة الدينية الشيعية التقليدية مؤيدة لولاية الفقيه، لأن هناك فكرة راسخة في الثقافة الشيعية أن الدولة الدينية لا تقوم إلا مع ظهور الإمام المهدي المنتظر (محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية)"، يتابع الأمين.

هذا الأمر خلق انقساماً طابعه سياسي بين حوزتيّ النجف وقم، ولكن قصير يرفض الحديث عن خلاف بين حوزتيّ النجف وقم، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن النجف شهدت تنوعاً دينياً وفكرياً سمح بوجود أفكار متعددة ومتنوعة مثل التجديد في الفكر والفقه الشيعي، وهذه طبيعة الحوزات الدينية الشيعية.

الأمر نفسه ينطبق على قم، يضيف قصير "لكن انتصار الثورة الإسلامية في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية جعل هناك انطباعاً كأن حوزة قم غير حوزة النجف، مع أن الإمام الخميني أقام في النجف".

كذلك، فقد عاش قائد الثورة الإسلامية في إيران روح الله الخميني، بالفعل في النجف ونظّر منه لولاية الفقيه وألقى محاضرات حول "الحكومة الإسلامية".

لكن هذا لا يعني، بحسب مصطفى فحص، أن هناك صراعاً بين قم والنجف، بل "وجود مدارس دينية وفقهية وأحيانا تخرج من قم أفكار فقهية تنويرية أهم من النجف. ولهذا يجب إنصاف قم كإحدى المدارس الدينية التي تحاول أن يكون لها موقع على الخارطة الفقهية الشيعية لكنها ليست في تصادم مع النجف، فالتصادم يحدث بين النجف وما تمثله وبين طهران وما تمثله من سياسات لمحاولة إنتاج رجل دين شيعي ينتمي إلى فكرة الإسلام السياسي الشيعي المأخوذ من مدرسة الإخوان المسلمين، وممارسة السياسة من باب ولاية الفقيه، التي يعارضها النجف وهي غير موجودة في مدارسه".

يتابع فحص: "هناك صراع بين طهران مركز إدارة ولاية الفقيه وما بين النجف الذي يرفع شعار ولاية الأمة على نفسها".

في هذا السياق يذكر الأمين أن "الشيخ محمد مهدي شمس الدين كان في بداياته في حوزة النجف، يدور في فلك حزب الدعوة، لكنه ترك العمل السياسي مع "الدعوة" مبكراً، وتحوّل لاحقاً إلى أهمّ المراجع في نقد ولاية الفقيه، كما "نظّر لولاية الأمّة على نفسها في مقابل ولاية الفقيه العامة"، وهو عنوان الكتاب الذي صدر بعد وفاة شمس الدين وحمل خلاصة فكره الفقهي.

 

كيف انعكس كل هذا على شيعة لبنان؟

يقول الصحافي اللبناني علي الأمين، إن "الولاء في لبنان لحزب الله سياسي وطائفي وليس فقهياً، كما أن مقلدي مرجعية السيد علي السيستاني في العراق من اللبنانيين أكثر بكثير من مقلدي السيد علي خمنئي في إيران".

ويرى أن المحزّبين والكوادر في حزب الله هم الذين يتبعون ولاية الفقيه فقهياً وفي الممارسة الدينية اليومية، وهؤلاء أقلية في المجتمع الشيعي. فجمهور حركة أمل مثلاً في غالبيته الساحقة لا يقلّد خمنئي وولاية الفقيه، بل يقلد معظمهم السيستاني أو محمد حسين فضل الله، وأبناءه ومؤسسته من بعده.

من جهته، يقول قاسم قصير، إن "دور النجف الأشرف موجود في لبنان عبر وكلاء المراجع ومن خلال العلاقة بين جهات سياسية كحركة أمل مع مرجعية السيستاني، لكن دور إيران أقوى لأنها دولة كبرى وإسلامية وأصبح لها تاثير مباشر على الصعيد الشعبي".

يضيف الأمين، أن "حزب الله" اليوم يركز على العصب الطائفي وليس على ولاية الفقيه، التي لا تشكّل رافعة لمؤيديه. وقد أشهر منذ بداياته ولاية الفقيه والتسويق لها كمرجعية فقهية في وجه مرجعية النجف، وكان الحزب يهاجم السيد الخوئي في الثمانينات وبداية التسعينات، كجزء من الهجوم على النجف".

كذلك، فإن خرّيجي حوزة النجف في لبنان، ووالد الأمين أحدهم "لم يكونوا متطابقين ولا يجمعهم سياق تنظيمي أو مؤسساتي ولا ينتمون إلى حزب واحد أو يشكلون فئة بعينها، بل كانوا يحملون فكراً متنوعاً وحيوياً فيه اختلافات متعددة ويشبه المجتمع اللبناني"، على حدّ تعبيره.

ويعتقد أنه "لم يكن للنجف أي دور في خلق بعد أيديولوجي أو سياسي يتعلق بالخلافة الإسلامية أو دولة اسلامية، ولم تطرح أبداً فكرة فصل الشيعة عن أوطانهم، أو جعلهم جزءاً من أمة كبرى عابرة للبلدان، وهو ما جاءت به ولاية الفقيه".