ولد ابن تيمية عام 661ه، في مدينة حران في تركيا حاليا لأسرة حنبلية مشهورة.
ولد ابن تيمية عام 661ه، في مدينة حران في تركيا حاليا لأسرة حنبلية مشهورة.

في عام 661ه، ولد أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في مدينة حران الواقعة في الجزيرة الفراتية. وفي السابعة من عمره سافر مع أسرته إلى دمشق، بعد أن أغار المغول على حران.

كان ابن تيمية ينتمي لأسرة حنبلية مشهورة، فقد درس الفقه الحنبلي على يد أبيه، وفي سن مبكرة تصدى للتدريس والفتوى، واشتهر بين الناس، حتى صار واحدًا من بين أشهر علماء الشام في زمانه.

دخل ابن تيمية، الذي يعرف بين أتباعه وتلاميذه بلقب شيخ الإسلام، في الكثير من المعارك الفكرية حامية الوطيس، ضد التيارات الدينية والكلامية والفلسفية المعروفة في زمانه. من أهم تلك التيارات: الشيعة، والنصيرية، والأشاعرة، والمعتزلة، فضلًا عن الصوفية. وفي خضم تلك المعارك، صنف "شيخ الإسلام" العديد من الكتب المهمة، منها "العقيدة الواسطية"، و"منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، و"درء تعارض العقل والنقل"، و"الرسالة التدمرية"، و"الفتوى الحموية"، و"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح".

تعرض ابن تيمية للحبس عدة مرات في حياته، في كل من دمشق والقاهرة والإسكندرية. وفي 728ه، توفي في محبسه بقلعة دمشق عن عمر بلغ السابعة والستين عامًا، ودفن بجوار أخيه شرف الدين عبد الله في مقابر الصوفية. في هذا المقال، نستعرض موقف ابن تيمية من التصوف، ونفسر سبب الخلاف حوله رأيه في تلك المسألة الجدلية التي تعددت فيها آراء الباحثين.

 

الرأي الأول.. ابن تيمية العدو الأول للتصوف

 

يذكر المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في "دائرة المعارف الإسلامية" أن ابن تيمية كان واحدًا من أكبر المعارضين للتصوف في التاريخ الإسلامي. هذا الرأي له العديد من الشواهد والأدلة التي تدعمه، منها ما ذكره ابن تيمية نفسه في "مجموع الفتاوى" عندما هاجم "غلو" الصوفية في بعض الأولياء والشيوخ، فقال: "...كل من غلا في حي، أو في رجل صالح؛ كمثل علي رضي الله عنه أو عدي -يقصد عدي بن مسافر- أو نحوه، أو فيمن يعتقد فيه الصلاح، كالحلاج أو الحاكم -يقصد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله- الذي كان بمصر… وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول‏:‏ كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة‏:‏ باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى... أو نحو هذه الأقوال والأفعال؛ التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل‏".

دخل ابن تيمية في العديد من المناظرات والمخاصمات مع أشهر الجماعات الصوفية في عصره.

في السياق نفسه،  ظهر انتقاد ابن تيمية للتصوف، لما سُئل عما ورد في كتاب "فصوص الحكم" لمحيي الدين بن عربي من أفكار تميل للقول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، إذ  أجاب وقتها مهاجمًا مؤلف الكتاب، وغيره من الصوفية الذين انتهجوا ذات النهج، كابن الفارض، وابن سبعين، وصدر الدين القونوي، فقال: "...فأقوال هؤلاء ونحوها: باطنها أعظم كفرًا وإلحادًا من ظاهرها فإنه قد يظن أن ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين أهل التحقيق والتوحيد وأما باطنها فإنه أعظم كفرًا وكذبًا وجهلًا من كلام اليهود والنصارى وعباد الأصنام".

ابن تيمية لم يكتف بتوجيه النقد للتصوف في فتاويه وتعاليمه فحسب، بل أنه مارس هذا النقد بشكل عملي، عندما دخل في العديد من المناظرات والمخاصمات مع أشهر الجماعات الصوفية في عصره. على سبيل المثال، يحكي ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة" قصة المخاصمة التي وقعت بين ابن تيمية والشيخ الصوفي نصر المنبجي، الذي كان من أتباع ابن عربي، فقال: "وَكَانَ من أعظم القائمين عَلَيْهِ الشَّيْخ نصر المنبجي لِأَنَّهُ كَانَ بلغ ابْن تَيْمِية أَنه يتعصب لِابْنِ الْعَرَبِيّ فَكتب إِلَيْهِ كتابا يعاتبه على ذَلِك فَمَا أعجبه لكَونه بَالغ فِي الْحَط على ابْن الْعَرَبِيّ وتكفيره فَصَارَ هُوَ يحط على ابْن تَيْمِية ويغري بِهِ بيبرس الجاشنكير وَكَانَ بيبرس يفرط فِي محبَّة نصر ويعظمه...".

هذه المخاصمة تسببت في سجن ابن تيمية في القاهرة لفترة، قبل أن يتم نفيه إلى الإسكندرية، وفيها قابل جماعات أخرى من الصوفية ممن ساروا على درب ابن عربي وابن سبعين. ويذكر ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، أخبار مناظرة ابن تيمية لهم، وتفوقه عليهم، فيقول: "...فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شذر مذر، وهتك أستارهم وفضحهم، واستتاب جماعة كثيرة منهم، وتوب رئيسًا من رؤسائهم...". ابن تيمية أيضًا ناظر أتباع الطريقة الرفاعية، الذين اشتهروا باللعب بالثعابين واقتحام النيران.

تسببت المخاصمة بين ابن تيمية والشيخ الصوفي نصر المنبجي في سجنه في القاهرة لفترة، قبل أن يتم نفيه إلى الإسكندرية.

مناظرات ابن تيمية للصوفية لم تقف عند حدود الرفاعية وأتباع ابن عربي، بل وصلت إلى بعض أكابر الأولياء الصوفية المعروفين في القرن السابع للهجرة. فبحسب ما يذكر الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه "ابن تيمية.. الفقيه المعذب"، فإنه ناظر الصوفي الكبير ابن عطاء الله السكندري المتوفى 709ه. وقد جاء في تلك المناظرة أن ابن عطاء دافع عن التصوف، فقال لابن تيمية شارحًا ما غاب عنه: "إنَّ الأخذ بظاهر المعنى يوقِع في الغلَط أحيانًا يا فقيه. ومِن هذا رأيُك في ابن عربي؛ فقد فهمتَ ما كتبَه على ظاهره، والصوفية أصحاب إشارات وشطحات روحية، ولكلماتهم أسرار، فكان يتعيَّن على مَن هو في مثل حذقك، وحِدَّة ذهنك وعلمك باللغة أن يبحث عن المعاني المكنونة الخفية وراء الكلمات؛ فالمعنى الصوفيُّ روح، والكلمة جسد…".

 

الرأي الثاني.. ابن تيمية "الصوفي"!

 

وجهة النظر الأخرى تؤكد أن ابن تيمية كان من المدافعين عن التصوف، وأنه إنمّا كان شيخًا صوفيًا بمعايير ذلك العصر. يستشهد أصحاب هذا الرأي بالكثير من الأخبار المروية عن ابن تيمية، كما يستدلون على رأيهم أيضًا بالكثير من الكتابات التي دونها هو نفسه.

على سبيل المثال، نقل جمال الدين يوسف بن عبد الهادي المتوفى 909ه في كتابه "بدء العلقة بلبس الخرقة" عن ابن تيمية قوله: "لبِستُ خرقة التصوف من طرق جماعة من الشيوخ، منهم الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي تعتبر طريقته أعظم الطرق وأشهرها".

هذا الادعاء -تصوف ابن تيمية- قد لا يكون مستبعدًا إذا ما عرفنا أن التصوف كان السمة الغالبة على الأغلبية الغالبة من علماء ذلك العصر، فقد وجد التصوف طريقه إلى الكثير من أساتذة ابن تيمية، كيحيى بن شرف النووي، كما وجد طريقه إلى العديد من طلابه، كشمس الدين الذهبي.

في السياق ذاته، سنجد أن ابن تيمية دافع في كتابه المسمى "الصوفية والفقراء" عن قسم كبير من المتصوفة، فقال: "إن طائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة... والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب...".

وجد التصوف طريقه إلى أساتذة ابن تيمية، كالنووي، وإلى العديد من طلابه كشمس الدين الذهبي.

أيضًا، من بين الشواهد الداعمة للقول بتصوف ابن تيمية أنه لمّا توفى عام 728ه، دُفن في مقابر الصوفية. ورغم أننا لا نعرف إذا كان ذلك الأمر وقع بوصية منه أم لا، فإن دفنه في ذلك المكان على وجه التحديد يشير إلى العلاقة الطيبة التي جمعته بالصوفية الموجودين في دمشق.

ابن القيم الجوزية -وهو من أقرب تلاميذ ابن تيمية إلى نفسه- نسب إليه في كتابه "مدارج السالكين" مجموعة من الكرامات والخوارق التي تتشابه كثيرًا مع الكرامات المعروفة في النسق الصوفي. منها أن ابن تيمية لما حُبس في مصر، وخاف بعض أتباعه على حياته، فإنه -أي ابن تيمية- قال مستشرفًا المستقبل: "واللهِ لا يَصِلُون إلى ذلك أبداً...سأُحبس، ويطول حبسي، ثم أخرُج وأتكلَّم بالسُّنة على رؤوس الناس".

كرامة "معرفة" ابن تيمية لبعض الغيبيات تظهر مرة أخرى فيما حكاه ابن القيم في الكتاب نفسه، إذ يقول: "...وأخبرني -يقصد ابن تيمية- غير مرةٍ بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني. وأخبرني ببعض حوادثَ كبارٍ تجري في المستقبل، ولم يعيِّن أوقاتها. وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها. وما شاهَده كبارُ أصحابه من ذلك أضعافُ أضعاف ما شاهدته، والله أعلم".

ومما يدعم القول بميل ابن تيمية للتصوف أنه قد أثنى في كتبه على طائفة من مشايخ الصوفية المشاهير، من أمثال السري السقطي المتوفى 253ه والجُنيد البغدادي المتوفى 298ه، وعُدي بن مسافر المتوفى 557ه، وعبد القادر الجيلاني المتوفى 561ه، حتى أنه -أي ابن تيمية- قد اهتم بشرح رسالة "فتوح الغيب" للجيلاني، وأفرد مساحة للتعليق عليها في مصنفاته.

أخيرًا، فإن بعض الأخبار التي وردت في سيرة ابن تيمية من شأنها أن تؤكد على طبيعته الرقيقة التي تتسق مع التصوف. فعلى سبيل المثال ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية"، أن ابن تيمية كان في بعض الأوقات يقرض شعر المتنبي في سجوده، ويقول: "يا من ألوذ به فيما أؤمله... ومن أعوذ به مما أحاذره، لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره...  ولا يهيضون عظمًا أنت جابره".

 

كيف نفسر ذلك التناقض؟

 

بعد أن استعرضنا الآراء السابقة، يظهر السؤال حول حقيقة موقف ابن تيمية من التصوف، فهل كان مهاجمًا له؟ أم كان داعمًا؟

في كتابه "الإسلام الحنبلي"، أكد المستشرق الأميركي جورج مقدسي على تقبل ابن تيمية لجانب كبير من الأفكار والممارسات المرتبطة بالتصوف، واستشهد على ذلك بأقوال ابن تيمية المادحة للآباء الأوائل للتصوف. بحسب مقدسي، فإن معارضة ابن تيمية للتصوف، كانت موجهة -بالأساس- لتيار التصوف الفلسفي، وذلك لما فيه من أفكار تخالف المنهج السني المحافظ الذي عمل ابن تيمية على نشره وتأييده.

الباحث المصري مصطفى حلمي ذهب إلى الإجابة نفسها في كتابه "ابن تيمية والتصوف". يقول: "صارع ابن تيمية كثيرًا لإثبات زيف أفكار وحدة الوجود، وتأكيد أنها عارية من الإسلام، وأنها محض خليط من فلسفات الأمم المختلفة، وليست صادرة عن المنبع الحقيقي للإسلام". ويفسر حلمي الحملة العنيفة التي قام بها ابن تيمية على الطرق والجماعات الصوفية في زمانه، بقوله: "رأى -ابن تيمية- في مذاهب الصوفية بكل ما تحمله من الخنوع والاستسلام باسم التوكل -أو التواكل بمعنى أصح، والنظرية الجبرية وما أثارته من فتن بسبب دعاوي الإلهام والوحي وحلول الألوهية، كل هذه العوامل أدت إلى تفشي روح التخاذل".

أثنى ابن تيمية في كتبه على طائفة من مشايخ الصوفية المشاهير كالجُنيد البغدادي، وعُدي بن مسافر، وعبد القادر الجيلاني.

هذا التفسير يتوافق مع شخصية ابن تيمية، ومع ما عُرف به من ميل للصدام المتكرر مع التيارات التي يراها "بدعية" و"مخالفة للإسلام الصحيح" من وجهة نظره. فلمّا كان ابن تيمية يخشى من انتشار أفكار ابن عربي وابن الفارض والحلاج، فإنه قد شن حملته على الصوفية الفلسفية، ولكنه في الوقت ذاته لم يجد بأسًا في التيار الصوفي السني الذي كان شائعًا في زمنه، إذ كان يراه مرققًا للقلوب ومهذبًا للنفوس.

 

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع.

 يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام. يعترف الدستور العراقي في مادته الثانية بالمسيحية باعتبارها أحد الأديان التي يضمن لأفرادها "حقهم الكامل في حرية العقيدة والممارسة الدينية".

رغم ذلك، يعاني المسيحيون العراقيون من العديد من المشكلات في السنوات الأخيرة. كيف انتشرت المسيحية في العراق؟ وما هي أهم الدول المسيحية التي قامت في بلاد الرافدين؟ وكيف حافظ المسيحيون العراقيون على وجودهم في بلادهم رغم حملات الاضطهاد والعنف التي استهدفتهم على مر القرون؟

من توما إلى نسطوريوس

عرف العراق المسيحية في وقت مبكر. كان القديس توما الرسول أول من بشر بالدين المسيحي في العراق في القرن الأول الميلادي.

بعدها، انتشرت المسيحية في نواحي مختلفة من بلاد الرافدين، ولا سيما في المناطق الشمالية المتاخمة لتركيا الحالية. في هذا السياق، لعب الرهبان دوراً مهماً في نشر المسيحية. وبحسب ما ورد في كتاب السنكسار القبطي -وهو الكتاب الذي يضم سيّر القديسين والشهداء والآباء في الكنيسة القبطية المصرية- فإن القديس الراهب أوكين المصري سافر إلى العراق واصطحب معه في تلك الرحلة سبعين تلميذاً له، واختار بعد فترة من الترحال منطقة نصيبين ليقيم فيها، وسكن هناك في إحدى المغارات الجبلية، ومن حوله سكن تلاميذه. عاش أوكين في تلك المغارة لمدة ثلاثين سنة، وقصده الكثير من المسيحيين ليدرسوا عليه أصول الرهبنة، بعد فترة، انتشر المنهج الرهباني في شمالي العراق.

يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

يذكر الباحث عماد توماس في دراسته "تاريخ الرهبنة السريانية" أن الكنيسة السريانية اهتمت في تلك الفترة بشأن الرهبنة، فأسست مئات الأديرة التي انضم إليها ألوف من الرجال والنساء. "ففي القرن الخامس، وجد في جبل الرها وحده ثلاثمئة دير، يقيم فيه تسعون ألف راهب، وفي دير مار متى شرقي الموصل اثنا عشر ألف راهب"!، يقول توماس.

تحتفظ لنا الكتابات السريانية بأسماء العديد من الرهبان العراقيين الذين اشتهر أمرهم بين الناس. وذاع صيتهم بسبب ما نُسب إليهم من كرامات وخوارق. يحكي ثيودوريتوس أسقف قورش في كتابه "تاريخ أصفياء الله" قصص العديد من هؤلاء الرهبان، ومنهم الراهب إبراهيم الكشكري الكبير الذي ولد في أواخر القرن الخامس الميلادي، ويُنسب إلى مدينة كشكر الواقعة في منطقة الكوت. قام إبراهيم بالتبشير بالمسيحية في مملكة الحيرة. وبنى ديراً كبيراً في منطقة نصيبين.

كان العراق على موعد مهم في تاريخ علاقته بالمسيحية في القرن الخامس الميلادي، في تلك الفترة، تم عقد مجمع أفسس في سنة 431م، ورُفضت فيه أفكار نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية بخصوص طبيعة المسيح. على إثر ذلك، انتقلت أفكار نسطوريوس إلى العراق وبلاد فارس.

وتم تأسيس الكنيسة المعروفة باسم كنيسة المشرق، وقد ظلت تلك الكنيسة قائمة في العراق لقرون متوالية حتى انقسمت في وقت متأخر إلى كنيستين كبيرتين، وهما كنيسة المشرق الآشورية التي ظلت محافظة على أفكار نسطوريوس، وكنيسة الكلدان الكاثوليك التي تتبع بابا الفاتيكان. وبحسب بعض الآراء، فإن هذا الانقسام وقع في القرن السادس عشر الميلادي.

في سنة 1552م، قدم رسل الفاتيكان لنشر الكاثوليكية في العراق، ونجحوا في نشر مذهبهم فيما يدعى اليوم بسهل نينوى،  فيما حالت صعوبة المواصلات في تلك الفترة دون نشر أفكارهم في المناطق الجبلية الوعرة. تسبب ذلك في اعتناق أهل السهول للكاثوليكية، وعرفوا باسم الكلدان/ البابليين. فيما بقي أهل الجبال على مذهبهم القديم، وعُرفوا باسم الأشوريين. 

مملكة الحيرة المسيحية

ارتبطت المسيحية في العراق بواحدة من الممالك المهمة، وهي مملكة الحيرة القديمة. نشأت تلك المملكة في نهايات القرن الثاني الميلادي، وعُرفت باسم مملكة الحيرة نسبةً إلى عاصمتها، بينما اُطلق اسم المناذرة على ملوك تلك المملكة لأن العديد منهم سُمي باسم المنذر.

تمتعت مملكة الحيرة بقدر كبير من الحرية الدينية. لم ير أكاسرة فارس بأساً من انتشار المسيحية في بلاد الحيرة المتاخمة لهم. يفسر الباحث العراقي جواد علي هذا الأمر في كتابه "المُفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" بكون المجوسية -التي اعتنقها الفرس- لم تكن ديناً تبشيرياً، من هنا لم يقع الصدام بين الفرس والمناذرة.

وعلى النقيض من ذلك، حدث في الكثير من الأحيان أن توافق الطرفان دينياً وسياسياً. اعتنق العديد من ملوك المناذرة المسيحية وفق المذهب النسطوري، ولمّا كان هذا المذهب معادياً للمذهب الملكاني الذي أقرته الإمبراطورية البيزنطية فقد أيده العديد من ملوك فارس نكايةً في عدوهم اللدود، وذلك بحسب ما يذكر الباحث محمد مبروك نافع في كتابه "عصر ما قبل الإسلام".

مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

يشرح جواد علي الدور المهم الذي لعبته مملكة الحيرة في نشر المسيحية النسطورية بين القبائل العربية القريبة، فيقول: "تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران، فدخلت إلى "قطر" وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى... ومن الحيرة انتقلت النسطورية إلى اليمامة، فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران واليمن، وصلت إليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجارية، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها، وقد قوي هذا المذهب ولا شك بعد دخول الفرس إلى اليمن".

 

 مسيحيو العراق تحت الحكم الإسلامي

ظلت المسيحية غالبة على أهل العراق حتى بدايات القرن السابع الميلادي. في تلك الفترة، خرجت الجيوش العربية من شبه الجزيرة العربية وعملت على التوسع في بلاد العراق والشام، ولم تمر سنوات معدودة حتى أضحى العراق جزءاً من دولة الخلافة الإسلامية.

بشكل عام، حظي المسيحيون العراقيون بمعاملة متسامحة من قِبل العرب القادمين من شبه الجزيرة. ويمكن تفسير ذلك بأن الدين الإسلامي اعترف بالمسيحية بوصفها إحدى الديانات الكتابية ذات الأصل الإلهي.

وتذكر المصادر التاريخية أن الكثير من المسيحيين العراقيين لاقوا التقدير والاحترام من قِبل السلطات السياسية الحاكمة.

يقول الجاحظ في إحدى رسائله: "إن النصارى، متكلمين وأطباء ومنجمين، وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء... وإن منهم كتّاب السلاطين وفرّاشي الملوك وأطباء الأشراف والعطّارين والصيارفة... وأنهم اتخذوا البراذين والخيل واتخذوا الشاكرية والخدم والمستخدمين وامتنع كثير من كبرائهم من عطاء الجزية".

من هنا، لم يكن من الغريب أن يبزغ نجم العديد من المسيحيين العراقيين، ومنهم كل من الشاعر الأخطل، والمترجم يوحنا بن البطريق، والطبيب حنين بن إسحاق، والفيلسوف يحيى بن عدي.

رغم ذلك، وقعت العديد من حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين. فعلى سبيل المثال تعرض المسيحيون للاضطهاد زمن حكم الخليفة المتوكل على الله العباسي في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، فقد أصدر المتوكل مجموعة من القرارات المقيدة لحرية المسيحيين.

يذكر المؤرخ ابن جرير الطبري تفاصيل تلك القرارات في كتابه المعروف "تاريخ الرسل والملوك". يقول: "أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب... وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعاً صير مسجداً، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجداً صير فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يُستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليباً، وأن يشمّلوا -يمشوا ناحية اليسار- في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين".

تتابعت حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين في العصر الحديث أيضاً. و من ذلك، الحملات المعروفة باسم "مذابح سيفو"، والتي شنها العثمانيون على الآشوريين المسيحيين في شمالي العراق في الفترة من 1914- 1920م، وما وقع في سنة 1933م، عندما وجه رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني بعض فرق الجيش لتدمير العشرات من القرى الآشورية المسيحية في الموصل، وذلك على إثر مطالبة الآشوريين المسيحيين بالحكم الذاتي لمناطقهم، فيما عُرف باسم "مذبحة سميل"، وذلك بحسب ما يذكر الكاتب محمد عادل داود في كتابه "تاريخ الدماء".

تزامنت آخر حملات الاضطهاد ضد المسيحيين مع سيطرة تنظيم  "داعش" على المناطق الشمالية والغربية من العراق في الفترة بين 2014 و2017م.

تعرض المسيحيون القاطنون خلال تلك الفترة للعديد من المخاطر. تم تدمير العشرات من الكنائس والأديرة، كما هُجرت المئات من العائلات المسيحية. وبحسب بعض التقارير لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م.

في مارس سنة 2021م، زار البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، الأراضي العراقية في رحلة تاريخية حظيت باهتمام واسع من قِبل ملايين المسيحيين المنتشرين حول العالم. وأكد البابا في زيارته أن "التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضرر جسيم لا يمكن تقديره".

ورحب في كلمته التي ألقاها في الموصل "بعودة الجالية المسيحية إلى الموصل لتقوم بدورها الحيوي في عملية الشفاء والتجديد". وكذلك صلى "من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة"، مؤكداً أن "الرجاء أقوى من الموت، والسلام أقوى من الحرب".