ولد ابن تيمية عام 661ه، في مدينة حران في تركيا حاليا لأسرة حنبلية مشهورة.
ولد ابن تيمية عام 661ه، في مدينة حران في تركيا حاليا لأسرة حنبلية مشهورة.

في عام 661ه، ولد أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في مدينة حران الواقعة في الجزيرة الفراتية. وفي السابعة من عمره سافر مع أسرته إلى دمشق، بعد أن أغار المغول على حران.

كان ابن تيمية ينتمي لأسرة حنبلية مشهورة، فقد درس الفقه الحنبلي على يد أبيه، وفي سن مبكرة تصدى للتدريس والفتوى، واشتهر بين الناس، حتى صار واحدًا من بين أشهر علماء الشام في زمانه.

دخل ابن تيمية، الذي يعرف بين أتباعه وتلاميذه بلقب شيخ الإسلام، في الكثير من المعارك الفكرية حامية الوطيس، ضد التيارات الدينية والكلامية والفلسفية المعروفة في زمانه. من أهم تلك التيارات: الشيعة، والنصيرية، والأشاعرة، والمعتزلة، فضلًا عن الصوفية. وفي خضم تلك المعارك، صنف "شيخ الإسلام" العديد من الكتب المهمة، منها "العقيدة الواسطية"، و"منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، و"درء تعارض العقل والنقل"، و"الرسالة التدمرية"، و"الفتوى الحموية"، و"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح".

تعرض ابن تيمية للحبس عدة مرات في حياته، في كل من دمشق والقاهرة والإسكندرية. وفي 728ه، توفي في محبسه بقلعة دمشق عن عمر بلغ السابعة والستين عامًا، ودفن بجوار أخيه شرف الدين عبد الله في مقابر الصوفية. في هذا المقال، نستعرض موقف ابن تيمية من التصوف، ونفسر سبب الخلاف حوله رأيه في تلك المسألة الجدلية التي تعددت فيها آراء الباحثين.

 

الرأي الأول.. ابن تيمية العدو الأول للتصوف

 

يذكر المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في "دائرة المعارف الإسلامية" أن ابن تيمية كان واحدًا من أكبر المعارضين للتصوف في التاريخ الإسلامي. هذا الرأي له العديد من الشواهد والأدلة التي تدعمه، منها ما ذكره ابن تيمية نفسه في "مجموع الفتاوى" عندما هاجم "غلو" الصوفية في بعض الأولياء والشيوخ، فقال: "...كل من غلا في حي، أو في رجل صالح؛ كمثل علي رضي الله عنه أو عدي -يقصد عدي بن مسافر- أو نحوه، أو فيمن يعتقد فيه الصلاح، كالحلاج أو الحاكم -يقصد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله- الذي كان بمصر… وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول‏:‏ كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة‏:‏ باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى... أو نحو هذه الأقوال والأفعال؛ التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل‏".

دخل ابن تيمية في العديد من المناظرات والمخاصمات مع أشهر الجماعات الصوفية في عصره.

في السياق نفسه،  ظهر انتقاد ابن تيمية للتصوف، لما سُئل عما ورد في كتاب "فصوص الحكم" لمحيي الدين بن عربي من أفكار تميل للقول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، إذ  أجاب وقتها مهاجمًا مؤلف الكتاب، وغيره من الصوفية الذين انتهجوا ذات النهج، كابن الفارض، وابن سبعين، وصدر الدين القونوي، فقال: "...فأقوال هؤلاء ونحوها: باطنها أعظم كفرًا وإلحادًا من ظاهرها فإنه قد يظن أن ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين أهل التحقيق والتوحيد وأما باطنها فإنه أعظم كفرًا وكذبًا وجهلًا من كلام اليهود والنصارى وعباد الأصنام".

ابن تيمية لم يكتف بتوجيه النقد للتصوف في فتاويه وتعاليمه فحسب، بل أنه مارس هذا النقد بشكل عملي، عندما دخل في العديد من المناظرات والمخاصمات مع أشهر الجماعات الصوفية في عصره. على سبيل المثال، يحكي ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة" قصة المخاصمة التي وقعت بين ابن تيمية والشيخ الصوفي نصر المنبجي، الذي كان من أتباع ابن عربي، فقال: "وَكَانَ من أعظم القائمين عَلَيْهِ الشَّيْخ نصر المنبجي لِأَنَّهُ كَانَ بلغ ابْن تَيْمِية أَنه يتعصب لِابْنِ الْعَرَبِيّ فَكتب إِلَيْهِ كتابا يعاتبه على ذَلِك فَمَا أعجبه لكَونه بَالغ فِي الْحَط على ابْن الْعَرَبِيّ وتكفيره فَصَارَ هُوَ يحط على ابْن تَيْمِية ويغري بِهِ بيبرس الجاشنكير وَكَانَ بيبرس يفرط فِي محبَّة نصر ويعظمه...".

هذه المخاصمة تسببت في سجن ابن تيمية في القاهرة لفترة، قبل أن يتم نفيه إلى الإسكندرية، وفيها قابل جماعات أخرى من الصوفية ممن ساروا على درب ابن عربي وابن سبعين. ويذكر ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، أخبار مناظرة ابن تيمية لهم، وتفوقه عليهم، فيقول: "...فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شذر مذر، وهتك أستارهم وفضحهم، واستتاب جماعة كثيرة منهم، وتوب رئيسًا من رؤسائهم...". ابن تيمية أيضًا ناظر أتباع الطريقة الرفاعية، الذين اشتهروا باللعب بالثعابين واقتحام النيران.

تسببت المخاصمة بين ابن تيمية والشيخ الصوفي نصر المنبجي في سجنه في القاهرة لفترة، قبل أن يتم نفيه إلى الإسكندرية.

مناظرات ابن تيمية للصوفية لم تقف عند حدود الرفاعية وأتباع ابن عربي، بل وصلت إلى بعض أكابر الأولياء الصوفية المعروفين في القرن السابع للهجرة. فبحسب ما يذكر الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه "ابن تيمية.. الفقيه المعذب"، فإنه ناظر الصوفي الكبير ابن عطاء الله السكندري المتوفى 709ه. وقد جاء في تلك المناظرة أن ابن عطاء دافع عن التصوف، فقال لابن تيمية شارحًا ما غاب عنه: "إنَّ الأخذ بظاهر المعنى يوقِع في الغلَط أحيانًا يا فقيه. ومِن هذا رأيُك في ابن عربي؛ فقد فهمتَ ما كتبَه على ظاهره، والصوفية أصحاب إشارات وشطحات روحية، ولكلماتهم أسرار، فكان يتعيَّن على مَن هو في مثل حذقك، وحِدَّة ذهنك وعلمك باللغة أن يبحث عن المعاني المكنونة الخفية وراء الكلمات؛ فالمعنى الصوفيُّ روح، والكلمة جسد…".

 

الرأي الثاني.. ابن تيمية "الصوفي"!

 

وجهة النظر الأخرى تؤكد أن ابن تيمية كان من المدافعين عن التصوف، وأنه إنمّا كان شيخًا صوفيًا بمعايير ذلك العصر. يستشهد أصحاب هذا الرأي بالكثير من الأخبار المروية عن ابن تيمية، كما يستدلون على رأيهم أيضًا بالكثير من الكتابات التي دونها هو نفسه.

على سبيل المثال، نقل جمال الدين يوسف بن عبد الهادي المتوفى 909ه في كتابه "بدء العلقة بلبس الخرقة" عن ابن تيمية قوله: "لبِستُ خرقة التصوف من طرق جماعة من الشيوخ، منهم الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي تعتبر طريقته أعظم الطرق وأشهرها".

هذا الادعاء -تصوف ابن تيمية- قد لا يكون مستبعدًا إذا ما عرفنا أن التصوف كان السمة الغالبة على الأغلبية الغالبة من علماء ذلك العصر، فقد وجد التصوف طريقه إلى الكثير من أساتذة ابن تيمية، كيحيى بن شرف النووي، كما وجد طريقه إلى العديد من طلابه، كشمس الدين الذهبي.

في السياق ذاته، سنجد أن ابن تيمية دافع في كتابه المسمى "الصوفية والفقراء" عن قسم كبير من المتصوفة، فقال: "إن طائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة... والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب...".

وجد التصوف طريقه إلى أساتذة ابن تيمية، كالنووي، وإلى العديد من طلابه كشمس الدين الذهبي.

أيضًا، من بين الشواهد الداعمة للقول بتصوف ابن تيمية أنه لمّا توفى عام 728ه، دُفن في مقابر الصوفية. ورغم أننا لا نعرف إذا كان ذلك الأمر وقع بوصية منه أم لا، فإن دفنه في ذلك المكان على وجه التحديد يشير إلى العلاقة الطيبة التي جمعته بالصوفية الموجودين في دمشق.

ابن القيم الجوزية -وهو من أقرب تلاميذ ابن تيمية إلى نفسه- نسب إليه في كتابه "مدارج السالكين" مجموعة من الكرامات والخوارق التي تتشابه كثيرًا مع الكرامات المعروفة في النسق الصوفي. منها أن ابن تيمية لما حُبس في مصر، وخاف بعض أتباعه على حياته، فإنه -أي ابن تيمية- قال مستشرفًا المستقبل: "واللهِ لا يَصِلُون إلى ذلك أبداً...سأُحبس، ويطول حبسي، ثم أخرُج وأتكلَّم بالسُّنة على رؤوس الناس".

كرامة "معرفة" ابن تيمية لبعض الغيبيات تظهر مرة أخرى فيما حكاه ابن القيم في الكتاب نفسه، إذ يقول: "...وأخبرني -يقصد ابن تيمية- غير مرةٍ بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني. وأخبرني ببعض حوادثَ كبارٍ تجري في المستقبل، ولم يعيِّن أوقاتها. وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها. وما شاهَده كبارُ أصحابه من ذلك أضعافُ أضعاف ما شاهدته، والله أعلم".

ومما يدعم القول بميل ابن تيمية للتصوف أنه قد أثنى في كتبه على طائفة من مشايخ الصوفية المشاهير، من أمثال السري السقطي المتوفى 253ه والجُنيد البغدادي المتوفى 298ه، وعُدي بن مسافر المتوفى 557ه، وعبد القادر الجيلاني المتوفى 561ه، حتى أنه -أي ابن تيمية- قد اهتم بشرح رسالة "فتوح الغيب" للجيلاني، وأفرد مساحة للتعليق عليها في مصنفاته.

أخيرًا، فإن بعض الأخبار التي وردت في سيرة ابن تيمية من شأنها أن تؤكد على طبيعته الرقيقة التي تتسق مع التصوف. فعلى سبيل المثال ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية"، أن ابن تيمية كان في بعض الأوقات يقرض شعر المتنبي في سجوده، ويقول: "يا من ألوذ به فيما أؤمله... ومن أعوذ به مما أحاذره، لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره...  ولا يهيضون عظمًا أنت جابره".

 

كيف نفسر ذلك التناقض؟

 

بعد أن استعرضنا الآراء السابقة، يظهر السؤال حول حقيقة موقف ابن تيمية من التصوف، فهل كان مهاجمًا له؟ أم كان داعمًا؟

في كتابه "الإسلام الحنبلي"، أكد المستشرق الأميركي جورج مقدسي على تقبل ابن تيمية لجانب كبير من الأفكار والممارسات المرتبطة بالتصوف، واستشهد على ذلك بأقوال ابن تيمية المادحة للآباء الأوائل للتصوف. بحسب مقدسي، فإن معارضة ابن تيمية للتصوف، كانت موجهة -بالأساس- لتيار التصوف الفلسفي، وذلك لما فيه من أفكار تخالف المنهج السني المحافظ الذي عمل ابن تيمية على نشره وتأييده.

الباحث المصري مصطفى حلمي ذهب إلى الإجابة نفسها في كتابه "ابن تيمية والتصوف". يقول: "صارع ابن تيمية كثيرًا لإثبات زيف أفكار وحدة الوجود، وتأكيد أنها عارية من الإسلام، وأنها محض خليط من فلسفات الأمم المختلفة، وليست صادرة عن المنبع الحقيقي للإسلام". ويفسر حلمي الحملة العنيفة التي قام بها ابن تيمية على الطرق والجماعات الصوفية في زمانه، بقوله: "رأى -ابن تيمية- في مذاهب الصوفية بكل ما تحمله من الخنوع والاستسلام باسم التوكل -أو التواكل بمعنى أصح، والنظرية الجبرية وما أثارته من فتن بسبب دعاوي الإلهام والوحي وحلول الألوهية، كل هذه العوامل أدت إلى تفشي روح التخاذل".

أثنى ابن تيمية في كتبه على طائفة من مشايخ الصوفية المشاهير كالجُنيد البغدادي، وعُدي بن مسافر، وعبد القادر الجيلاني.

هذا التفسير يتوافق مع شخصية ابن تيمية، ومع ما عُرف به من ميل للصدام المتكرر مع التيارات التي يراها "بدعية" و"مخالفة للإسلام الصحيح" من وجهة نظره. فلمّا كان ابن تيمية يخشى من انتشار أفكار ابن عربي وابن الفارض والحلاج، فإنه قد شن حملته على الصوفية الفلسفية، ولكنه في الوقت ذاته لم يجد بأسًا في التيار الصوفي السني الذي كان شائعًا في زمنه، إذ كان يراه مرققًا للقلوب ومهذبًا للنفوس.

 

مواضيع ذات صلة:

مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح.
مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح. خ

يشيع في الدول العربية استخدام تسمية "النصارى" للإشارة إلى المسيحيين، وهذا مردّه إلى أن القرآن يسمّي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى"، لا بـ"المسيحيين".

وانسحب هذا على العديد من الكتّاب والمؤرخين، فضلاً عن الاستخدامات اليومية في الشارع العربي.

وقد أثار هذا الإسخدام جدلاً تاريخياً حول التمييز بين المسيحيين والنصارى، بلغ ذروته في ستينات القرن الماضي، خصوصاً أن معظم مسيحيي الشرق لا يسمّون أنفسهم بهذه التسمية، ولا يعتبرونها مرادفاً لـ"المسيحية" حتى.

الجدل عاد حول هذه التسمية في فترة سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة من العراق، وخصوصاً الموصل التي تعيش فيها طائفة مهمة من المسيحيين، الذين جرى تهجيرهم من قبل التنظيم الإرهابي، وقام عناصره بكتابة حرف "ن" كبير على بيوتهم للدلالة إليهم، والنون هنا تعود إلى النصارى.

الباحث السوري المتخصص في الحوار الإسلامي المسيحي روجيه أصفر يقول لـ"ارفع صوتك" إن تسمية المجموعات أو الطوائف أو الأشخاص يجب أن تؤخذ من مصادرها، أي يجب أن نسأل المسيحيين بماذا يفضلون أن ينادون.

أصفر يقترح أن نقلب الأدوار: هل يسمح المسلمون لباقي المكونات أن يطلقوا عليهم اسماً مختلفاً عن مسمى "المسلمين"؟ ويتابع: "يجب أن نحترم الاسم التي تختار أي جماعة أن تطلقه على نفسها".

لكن أصفر يتفهم أن بعض المسلمين يستندون في هذا الخصوص إلى كتابهم المقدّس وهو القرآن، ويشعرون بالتالي بحرية تسمية المسيحيين كما أسماهم القرآن (النصارى)، وبعضهم، بحسب أصفر، "سيظلّ متمسكاً بهذه التسمية كونها صادرة عن كتاب منزل".

وبمعزل عن الجوانب الإيمانية، يشير أصفر إلى وجود لغط تاريخي في التسمية، وأن هذا اللغط أوضحته الأبحاث التي قام بها مؤرخون مسيحيون ومسلمون.  

في العام 1972 نشرت مجلة "المسرّة" في عددها 572 بحثاً يحاول الإجابة عن سؤال "هل المسيحيون نصارى؟"، وحاولت تحليل فقرات من مقالات كتبها كتّاب مسيحيون ومسلمون في السنوات الممتدة بين 1953 و1973، بينهم الأب جورج فاخوي والمفكر المصري طه حسين، وخلصت المجلة إلى أن معظم الكتابات قبل العام 1965 كانت تخلط بين المفهومين ولا تميز بين المسيحيين والنصارى.

وفي العام 1965 يبدأ التمييز بين مفهوميّ "النصرانية" و"المسيحية"، كما تلاحظ المجلة، وذلك في مقال للأب يوسف درّة حدّاد تحت عنوان "النصارى في القرآن: أصلهم وحقيقتهم".

يكتب حدّاد في مقاله: "في القرآن ظاهرة متواترة مغزاها كبير: أنه على الدوام يسمي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى" لا بـ"المسيحيين" كما كانوا معروفين في عهده، في جميع الأقطار المسكونة، مع أنه يسمي ابن مريم الذي إليه ينتمون "المسيح عيسى ابن مريم"، أو "المسيح ابن مريم"، أو "المسيح" بدون قيد...".

ويشير الحدّاد إلى أن القرآن يعرّف عن "النصارى" على أنهم "فئة" أو "طائفة"، ويعتبرهم من "بني إسرائيل الذين آمنوا بالمسيح"، فيقول في سورة "الصف"(الآية 14): "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة. فأيّدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين".

وفي مقال آخر للأب حدّاد، تستشهد به المجلة، يقول إن النصارى لدى المسيحيين هم بمثابة "الشيعة" لدى المسلمين: "وهكذا أفضى الصراع في سبيل تحرير المسيحية من سلاسل الموسوية (نسبة إلى النبي موسى) إلى انقسامها قسمين: "سنة وشيعة": سنة "المسيحيين" وهم الوثنيون الذين اهتدوا إلى الإنجيل، والهلنيون الملقّبون بـ"اليونانيين"، ينضمون إلى الإنجيل والإيمان المسيحي ويسيرون بموجب سنّة الرسل التي قرّروها في مجمع أورشليم، وذلك بدون أي ارتباط بشريعة موسى". أما شيعة "النصارى"، فهم، بحسب حدّاد، "اليهود المتنصرون في فلسطين"، وهؤلاء "يحفظون الإيمان المسيحي متزاوجاً مع شريعة موسى وأحكامها من ختان وسبت وقبلة في الصلاة إلى أورشليم، ويتشيّعون لآل البيت، أي أقرباء السيد المسيح".

وبحسب حدّاد، "انكمشت شيعة النصارى في العام 135 ميلادي، وانعزلوا عن العالم المسيحي الأكبر بعزلتهم في مهاجرهم في شرق الأردن وسوريا والعراق والمشرق ومصر والجزيرة العربية، إلى أن جاء الإسلام، و"توارت شيعة النصارى من الوجود".

وفي مقال ثالث يصف حدّاد النصارى بأنهم "أمة وسط بين اليهودي والمسيحية".

أستاذة علم الأديان سماح حمزة، تقول في مقابلة سابقة مع قناة "الحرة"، إن "النصارى فرق شتّى، وما يجمع بينهم أن أصولهم عبرانية، وجمعوا بين التدين بشريعة موسى والمسيحية، فكانوا يبقون على شرائع يهودية مثل الختان وتقديس السبت ويعترفون بالناموس الموسوي، ويؤمنون في الوقت نفسه بالمسيح".

بمعنى آخر، يمكن القول، بحسب سماح حمزة، عن النصارى أنهم يؤمنون بنوع من "اليهودية المسيحية"، ولكن المشكلة التي عانى منها النصارى، كما تشرح حمزة، أن اليهود لم يعترفوا بهم وأقصاهم المعبد، والمسيحية الأممية البولسية لم تعترف بهم، فجرى إقصاؤهم واعتبروا هراطقة.

أما عن سبب عدم استخدام تسمية "المسيحيين" في القرآن، فتفسّر حمزة الأمر، بأن "المسيحية في كنيسة البداية انشقت إلى شقين: كنيسة أورشليم التي ترأسها يعقوب البار، وكانت كنيسة عبرانية وسميت بكنيسة الختان لأنها تتبنى الختان وسمى أتباع هذه الكنيسة أنفسهم بالنصارى نسبة إلى يسوع الناصري، في مقابل الكنيسة البولسية التي أسسها بولس وضمت معظم الأمم حينذاك، ولذلك سميت بالكنيسة الأممية، وأتباع هذه الكنيسة سموّا بالمسيحيين".

الفرقة التي قصدها القرآن وسماها النصارى هي بحسب حمزة، "الأبيونية" وكانت موجودة في شبه الجزيرة العربية، في مكة واليمن، ولم تكن بدورها متجانسة إذ كانت جزءاً من جماعات "مسيهودية"(الجمع بين المسيحية واليهودية) منتشرة في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. والقرآن كان يعني هذه الفئة الصغيرة الأبيونية وليس غيرها. والمشكلة حصلت في الردود التي كتبها مسلمون على النصارى، وشملوا فيها جميع المسيحيين. فيما تشير حمزة إلى أن "الفرق المسيحية التي انتشرت في بلاد الشام والعراق ومصر بعد الفتوحات الإسلامية، كانت بولسية وغير نصرانية، وأصولها ليست عبرانية".