ولد ابن تيمية عام 661ه، في مدينة حران في تركيا حاليا لأسرة حنبلية مشهورة.
ولد ابن تيمية عام 661ه، في مدينة حران في تركيا حاليا لأسرة حنبلية مشهورة.

في عام 661ه، ولد أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في مدينة حران الواقعة في الجزيرة الفراتية. وفي السابعة من عمره سافر مع أسرته إلى دمشق، بعد أن أغار المغول على حران.

كان ابن تيمية ينتمي لأسرة حنبلية مشهورة، فقد درس الفقه الحنبلي على يد أبيه، وفي سن مبكرة تصدى للتدريس والفتوى، واشتهر بين الناس، حتى صار واحدًا من بين أشهر علماء الشام في زمانه.

دخل ابن تيمية، الذي يعرف بين أتباعه وتلاميذه بلقب شيخ الإسلام، في الكثير من المعارك الفكرية حامية الوطيس، ضد التيارات الدينية والكلامية والفلسفية المعروفة في زمانه. من أهم تلك التيارات: الشيعة، والنصيرية، والأشاعرة، والمعتزلة، فضلًا عن الصوفية. وفي خضم تلك المعارك، صنف "شيخ الإسلام" العديد من الكتب المهمة، منها "العقيدة الواسطية"، و"منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، و"درء تعارض العقل والنقل"، و"الرسالة التدمرية"، و"الفتوى الحموية"، و"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح".

تعرض ابن تيمية للحبس عدة مرات في حياته، في كل من دمشق والقاهرة والإسكندرية. وفي 728ه، توفي في محبسه بقلعة دمشق عن عمر بلغ السابعة والستين عامًا، ودفن بجوار أخيه شرف الدين عبد الله في مقابر الصوفية. في هذا المقال، نستعرض موقف ابن تيمية من التصوف، ونفسر سبب الخلاف حوله رأيه في تلك المسألة الجدلية التي تعددت فيها آراء الباحثين.

 

الرأي الأول.. ابن تيمية العدو الأول للتصوف

 

يذكر المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في "دائرة المعارف الإسلامية" أن ابن تيمية كان واحدًا من أكبر المعارضين للتصوف في التاريخ الإسلامي. هذا الرأي له العديد من الشواهد والأدلة التي تدعمه، منها ما ذكره ابن تيمية نفسه في "مجموع الفتاوى" عندما هاجم "غلو" الصوفية في بعض الأولياء والشيوخ، فقال: "...كل من غلا في حي، أو في رجل صالح؛ كمثل علي رضي الله عنه أو عدي -يقصد عدي بن مسافر- أو نحوه، أو فيمن يعتقد فيه الصلاح، كالحلاج أو الحاكم -يقصد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله- الذي كان بمصر… وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول‏:‏ كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة‏:‏ باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى... أو نحو هذه الأقوال والأفعال؛ التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل‏".

دخل ابن تيمية في العديد من المناظرات والمخاصمات مع أشهر الجماعات الصوفية في عصره.

في السياق نفسه،  ظهر انتقاد ابن تيمية للتصوف، لما سُئل عما ورد في كتاب "فصوص الحكم" لمحيي الدين بن عربي من أفكار تميل للقول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، إذ  أجاب وقتها مهاجمًا مؤلف الكتاب، وغيره من الصوفية الذين انتهجوا ذات النهج، كابن الفارض، وابن سبعين، وصدر الدين القونوي، فقال: "...فأقوال هؤلاء ونحوها: باطنها أعظم كفرًا وإلحادًا من ظاهرها فإنه قد يظن أن ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين أهل التحقيق والتوحيد وأما باطنها فإنه أعظم كفرًا وكذبًا وجهلًا من كلام اليهود والنصارى وعباد الأصنام".

ابن تيمية لم يكتف بتوجيه النقد للتصوف في فتاويه وتعاليمه فحسب، بل أنه مارس هذا النقد بشكل عملي، عندما دخل في العديد من المناظرات والمخاصمات مع أشهر الجماعات الصوفية في عصره. على سبيل المثال، يحكي ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة" قصة المخاصمة التي وقعت بين ابن تيمية والشيخ الصوفي نصر المنبجي، الذي كان من أتباع ابن عربي، فقال: "وَكَانَ من أعظم القائمين عَلَيْهِ الشَّيْخ نصر المنبجي لِأَنَّهُ كَانَ بلغ ابْن تَيْمِية أَنه يتعصب لِابْنِ الْعَرَبِيّ فَكتب إِلَيْهِ كتابا يعاتبه على ذَلِك فَمَا أعجبه لكَونه بَالغ فِي الْحَط على ابْن الْعَرَبِيّ وتكفيره فَصَارَ هُوَ يحط على ابْن تَيْمِية ويغري بِهِ بيبرس الجاشنكير وَكَانَ بيبرس يفرط فِي محبَّة نصر ويعظمه...".

هذه المخاصمة تسببت في سجن ابن تيمية في القاهرة لفترة، قبل أن يتم نفيه إلى الإسكندرية، وفيها قابل جماعات أخرى من الصوفية ممن ساروا على درب ابن عربي وابن سبعين. ويذكر ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، أخبار مناظرة ابن تيمية لهم، وتفوقه عليهم، فيقول: "...فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شذر مذر، وهتك أستارهم وفضحهم، واستتاب جماعة كثيرة منهم، وتوب رئيسًا من رؤسائهم...". ابن تيمية أيضًا ناظر أتباع الطريقة الرفاعية، الذين اشتهروا باللعب بالثعابين واقتحام النيران.

تسببت المخاصمة بين ابن تيمية والشيخ الصوفي نصر المنبجي في سجنه في القاهرة لفترة، قبل أن يتم نفيه إلى الإسكندرية.

مناظرات ابن تيمية للصوفية لم تقف عند حدود الرفاعية وأتباع ابن عربي، بل وصلت إلى بعض أكابر الأولياء الصوفية المعروفين في القرن السابع للهجرة. فبحسب ما يذكر الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه "ابن تيمية.. الفقيه المعذب"، فإنه ناظر الصوفي الكبير ابن عطاء الله السكندري المتوفى 709ه. وقد جاء في تلك المناظرة أن ابن عطاء دافع عن التصوف، فقال لابن تيمية شارحًا ما غاب عنه: "إنَّ الأخذ بظاهر المعنى يوقِع في الغلَط أحيانًا يا فقيه. ومِن هذا رأيُك في ابن عربي؛ فقد فهمتَ ما كتبَه على ظاهره، والصوفية أصحاب إشارات وشطحات روحية، ولكلماتهم أسرار، فكان يتعيَّن على مَن هو في مثل حذقك، وحِدَّة ذهنك وعلمك باللغة أن يبحث عن المعاني المكنونة الخفية وراء الكلمات؛ فالمعنى الصوفيُّ روح، والكلمة جسد…".

 

الرأي الثاني.. ابن تيمية "الصوفي"!

 

وجهة النظر الأخرى تؤكد أن ابن تيمية كان من المدافعين عن التصوف، وأنه إنمّا كان شيخًا صوفيًا بمعايير ذلك العصر. يستشهد أصحاب هذا الرأي بالكثير من الأخبار المروية عن ابن تيمية، كما يستدلون على رأيهم أيضًا بالكثير من الكتابات التي دونها هو نفسه.

على سبيل المثال، نقل جمال الدين يوسف بن عبد الهادي المتوفى 909ه في كتابه "بدء العلقة بلبس الخرقة" عن ابن تيمية قوله: "لبِستُ خرقة التصوف من طرق جماعة من الشيوخ، منهم الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي تعتبر طريقته أعظم الطرق وأشهرها".

هذا الادعاء -تصوف ابن تيمية- قد لا يكون مستبعدًا إذا ما عرفنا أن التصوف كان السمة الغالبة على الأغلبية الغالبة من علماء ذلك العصر، فقد وجد التصوف طريقه إلى الكثير من أساتذة ابن تيمية، كيحيى بن شرف النووي، كما وجد طريقه إلى العديد من طلابه، كشمس الدين الذهبي.

في السياق ذاته، سنجد أن ابن تيمية دافع في كتابه المسمى "الصوفية والفقراء" عن قسم كبير من المتصوفة، فقال: "إن طائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة... والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب...".

وجد التصوف طريقه إلى أساتذة ابن تيمية، كالنووي، وإلى العديد من طلابه كشمس الدين الذهبي.

أيضًا، من بين الشواهد الداعمة للقول بتصوف ابن تيمية أنه لمّا توفى عام 728ه، دُفن في مقابر الصوفية. ورغم أننا لا نعرف إذا كان ذلك الأمر وقع بوصية منه أم لا، فإن دفنه في ذلك المكان على وجه التحديد يشير إلى العلاقة الطيبة التي جمعته بالصوفية الموجودين في دمشق.

ابن القيم الجوزية -وهو من أقرب تلاميذ ابن تيمية إلى نفسه- نسب إليه في كتابه "مدارج السالكين" مجموعة من الكرامات والخوارق التي تتشابه كثيرًا مع الكرامات المعروفة في النسق الصوفي. منها أن ابن تيمية لما حُبس في مصر، وخاف بعض أتباعه على حياته، فإنه -أي ابن تيمية- قال مستشرفًا المستقبل: "واللهِ لا يَصِلُون إلى ذلك أبداً...سأُحبس، ويطول حبسي، ثم أخرُج وأتكلَّم بالسُّنة على رؤوس الناس".

كرامة "معرفة" ابن تيمية لبعض الغيبيات تظهر مرة أخرى فيما حكاه ابن القيم في الكتاب نفسه، إذ يقول: "...وأخبرني -يقصد ابن تيمية- غير مرةٍ بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني. وأخبرني ببعض حوادثَ كبارٍ تجري في المستقبل، ولم يعيِّن أوقاتها. وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها. وما شاهَده كبارُ أصحابه من ذلك أضعافُ أضعاف ما شاهدته، والله أعلم".

ومما يدعم القول بميل ابن تيمية للتصوف أنه قد أثنى في كتبه على طائفة من مشايخ الصوفية المشاهير، من أمثال السري السقطي المتوفى 253ه والجُنيد البغدادي المتوفى 298ه، وعُدي بن مسافر المتوفى 557ه، وعبد القادر الجيلاني المتوفى 561ه، حتى أنه -أي ابن تيمية- قد اهتم بشرح رسالة "فتوح الغيب" للجيلاني، وأفرد مساحة للتعليق عليها في مصنفاته.

أخيرًا، فإن بعض الأخبار التي وردت في سيرة ابن تيمية من شأنها أن تؤكد على طبيعته الرقيقة التي تتسق مع التصوف. فعلى سبيل المثال ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية"، أن ابن تيمية كان في بعض الأوقات يقرض شعر المتنبي في سجوده، ويقول: "يا من ألوذ به فيما أؤمله... ومن أعوذ به مما أحاذره، لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره...  ولا يهيضون عظمًا أنت جابره".

 

كيف نفسر ذلك التناقض؟

 

بعد أن استعرضنا الآراء السابقة، يظهر السؤال حول حقيقة موقف ابن تيمية من التصوف، فهل كان مهاجمًا له؟ أم كان داعمًا؟

في كتابه "الإسلام الحنبلي"، أكد المستشرق الأميركي جورج مقدسي على تقبل ابن تيمية لجانب كبير من الأفكار والممارسات المرتبطة بالتصوف، واستشهد على ذلك بأقوال ابن تيمية المادحة للآباء الأوائل للتصوف. بحسب مقدسي، فإن معارضة ابن تيمية للتصوف، كانت موجهة -بالأساس- لتيار التصوف الفلسفي، وذلك لما فيه من أفكار تخالف المنهج السني المحافظ الذي عمل ابن تيمية على نشره وتأييده.

الباحث المصري مصطفى حلمي ذهب إلى الإجابة نفسها في كتابه "ابن تيمية والتصوف". يقول: "صارع ابن تيمية كثيرًا لإثبات زيف أفكار وحدة الوجود، وتأكيد أنها عارية من الإسلام، وأنها محض خليط من فلسفات الأمم المختلفة، وليست صادرة عن المنبع الحقيقي للإسلام". ويفسر حلمي الحملة العنيفة التي قام بها ابن تيمية على الطرق والجماعات الصوفية في زمانه، بقوله: "رأى -ابن تيمية- في مذاهب الصوفية بكل ما تحمله من الخنوع والاستسلام باسم التوكل -أو التواكل بمعنى أصح، والنظرية الجبرية وما أثارته من فتن بسبب دعاوي الإلهام والوحي وحلول الألوهية، كل هذه العوامل أدت إلى تفشي روح التخاذل".

أثنى ابن تيمية في كتبه على طائفة من مشايخ الصوفية المشاهير كالجُنيد البغدادي، وعُدي بن مسافر، وعبد القادر الجيلاني.

هذا التفسير يتوافق مع شخصية ابن تيمية، ومع ما عُرف به من ميل للصدام المتكرر مع التيارات التي يراها "بدعية" و"مخالفة للإسلام الصحيح" من وجهة نظره. فلمّا كان ابن تيمية يخشى من انتشار أفكار ابن عربي وابن الفارض والحلاج، فإنه قد شن حملته على الصوفية الفلسفية، ولكنه في الوقت ذاته لم يجد بأسًا في التيار الصوفي السني الذي كان شائعًا في زمنه، إذ كان يراه مرققًا للقلوب ومهذبًا للنفوس.

 

مواضيع ذات صلة:

حرك مسلسل "صلة رحم" النقاش في العالم العربي حول قضية تأجيل الأرحام.

حرك النجاح الكبير الذي حقّقه المسلسل المصري "صلة رحم" منذ بداية عرضه في رمضان الجاري نقاشاً واسعاً حول القضية التي عالجها، وهي تأجير الأرحام.

نجاح المسلسل استدعى تسليط الضوء على ممارسة "تأجير الأرحام" في الوطن العربي. هل يُمكن القيام بها بسهولة؟ أم يُعاقب القانون عليها؟

 

دعوة للتفكير والنقاش

يؤكد مؤلف العمل، هشام عبية، أن "صلة رحم" العمل الدرامي الأول من نوعة عربياً الذي يعالج قضية تأجبر الأرحام كحبكة رئيسية تناقش الموضوع بعُمق وقوة، مشيراً في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن التعرض للقضية في الأعمال السابقة كان يحدث بشكل فرعي.

وعن أسباب تقديم الفكرة درامياً، يقول إنها "جذابة درامياً بسبب تعقيد الصراع الدائر بين أم حقيقية للطفل وأم بديلة له وأب يتوق للإنجاب. والعمل فرصة لاستعراض أفكار أكثر عُمقاً كعلاقة الإنسان بقدره وإلى أي مدى يتحكم الضعف الإنساني في مسارات حياته".

ولا يسعى عبية من خلال المسلسل إلى تشريع يُجيز تأجير الأرحام في الدول العربية، مردفاً  أن"التقنين ليس هدفاً أساسياً لكتابة العمل إنما إثارة التفكير والنقاش" منحازاً إلى أن قُدرة الدراما على تغيير أفكار الناس تجاه القضية أقوى أثراً من مجرد تغيير القانون.

ويكشف المؤلف عن رسالة تلقاها من مواطن مصري يعيش في إحدى الدول العربية بعد عرض المسلسل، فحواها "لقد رأيت نفسي في المسلسل" نتيجة مرور مرسلها بتجربتين للإنجاب عن طريق استئجار الأرحام فشل في كليهما وفق عبية.

 

الموقف القانوني الغربي

تبين دراسة للنحوي سليمان بعنوان "التلقيح الصناعي في القانون الجزائري والشريعة الإسلامية"، أن تأجير الأرحام مسموح في دولٍ أوروبية عديدة.

ففي عام 1985، صدر في بريطانيا قانون سمح بإجراء هذه العملية لكنه جرّم أن تُقام لغرض تجاري، وهو ذات موقف القانون الألماني الصادر سنة 1990. بعدها بـ4 سنوات صدر قانون فرنسي متعلق باحترام الجسد البشري حرّمت المادة الرابعة منه تأجير الأرحام.

القوانين الأوروبية التي تعرضت لهذا الأمر نصّت على بُطلان أي تعاقد "تجاري أو ربحي" في هذا الصدد حتى لو تمّ برضا الطرفين.

كما نصَّ القانون الإيطالي والبلجيكي على "بطلان كل عقد يتعلق بالتصرف في جسم الإنسان بما يخالف النظام العام".

بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فقد جرّمته بعض الولايات مثل نيوجيرسي ولويزيانا وفلوريدا، بينما أباحته نيويورك. 

ورغم هذا التضارب في أميركا، إلا أن القضاء الأمريكي عادةً ما ينتصر لبطلان هذا الشكل من التعاقد حتى في الولايات التي لا تمنع تأجير الأرحام.

ومن الدول التي أباحته قانونياً، الهند، حيث سمحت بإنشاء عيادات للأمومة البديلة تمكّن المئات من النساء العاطلات كسب المال عبر استئجار أرحامهن للأزواج المحرومين من الإنجاب، أُطلق على هذه العيادات لقب "مصانع الأطفال".

ومنذ ثلاثة أعوام أصدرت الهند أول قانون لتنظيم عمليات الاتجار في الأرحام.

وقُدّرت عائدات "تجارة الأرحام" بـ2.5 مليار دولار سنوياً عام 2012، بعدما بلغت تكلفة هذه العملية قرابة 30 ألف دولار مقابل 100-150 ألف دولار لو أُجريت في الولايات المتحدة.

وبحسب تقديرات، بلغ إجمالي أرباح عمليات استئجار الأرحام حول العالم قرابة 14 مليار دولار وسط توقعات بأن تصل إلى 129 مليار دولار في عام 2032.

 

موقف الفقهاء المسلمين

اتخذ أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً رافضاً لتأجير الأرحام وعبّروا عن ذلك في وسائل الإعلام، مثلما فعلت دكتورة سعاد صالح العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة المنصورة، والدكتور حسان حتحوت طبيب الأجنّة وصاحب المؤلفات الموسوعية في الفقه الإسلامي، والدكتور علي جمعة مفتي مصر الأسبق، وغيرهم ممن عبّروا عن "حُرمة" استخدام هذا الأسلوب حتى أن البعض شبّهه بـ"الزنا".

على رأس هؤلاء أتى موقف دار الإفتاء المصرية التي حرّمت هذه الممارسة قائلة "يحرّم تلقيح الزوجة بمني رجل آخر غير زوجها بما يترتب عن ذلك من اختلاطٍ في الأنساب"، وهو ذات موقف مجمّع البحوث الإسلامية بمصر والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة واللجنة الطبية الفقهية الدائمة في الأردن ومركز الإفتاء الإماراتي والمجمع الفقهي العراقي الذين حرّموا تماماً هذا الإجراء.

وبحسب ما ذكرته إيمان مختار في كتابها "الخلايا الجذعية وأثرها على الأعمال الطبية من منظور إسلامي"، ظهرت أصوات معارضة قليلا لهذا الرأي مثل دكتور عبد المعطي بيومي عميد كلية أصول الدين في جامعة الأزهر الذي أفتى بإباحة التأجير، موضحاً أنه "لا يجوز مقارنته بالزنا الذي لا يتحقق إلا بالوطء المحرّم".

وقال إن "الاستعانة بالأم البديلة أمر لا حرج فيه مثل مثله الاستعانة بالأم المرضعة، وإذا كان الشرع قد أباح استئجار الثدي فما يمنع استئجار الرحم أيضاً؟".

دعّم عبد المعطي تياراً من الفقهاء الذين استندوا إلى أن الرحم مجرد مخزن للبويضة التي تُستخرج من الأم الرئيسة وأن وضعها داخل رحم آخر لا يؤثر على الصفات الوراثية للجنين، وهو رأي أقرّ صحته عدد من علماء الأجنّة العرب مثل الدكتور أسامة عزمي أستاذ الصحة الإنجابية في القاهرة، والدكتور محمد عبدالهادي أستاذ الأنسجة والأجنة في جامعة بغداد، وفق ما أورد بحث بعنوان "تأجير الأرحام وأثره في نظر الشريعة والطب والقانون" لساجدة محمود.

وبين الفريقين دار جدلٌ كبير لم يُحسم حتى اليوم.

 

مواقف قوانين الدول العربية

لا تتبنّى أي دولة عربية قانوناً يسمح بتأجير الأرحام بشكلٍ رسمي، وحال وقوع مثل هذا التعاقد فإنه لا يكون مشروعاً حتى لو تمّت العملية بموافقة الطرفين.

يقول الدكتور حمدي عبدالرحمن أستاذ القانون بجامعة عين شمس إن "إبرام عقد مخالف للقانون أو للآداب يجعله باطلاً، بالتالي لا يُعطي الطرفين أي حقوق لو تنازعا بشأنه أمام المحكمة"، كما نقلت عنه محمود في بحثها.

بالعودة لمؤلف مسلسل "صلة رحم" هشام عبية، فإن تأجير الأرحام "غير مسموح به في جميع الدول العربية لكنه مُتاح بشكلٍ مقنن في إيران، لذا فإن بعض الأزواج العرب الراغبين في الإنجاب بهذه الطريقة يسافرون إلى إيران حيث تستقبلهم مؤسسات منظمة توفّر لهم الأم البديلة وفقاً لاختياراتهم والمكان الآمن الذي ستعيش فيه الأم البديلة على نفقة الزوجين الراغبين في الإنجاب".

ليبيا كانت من أسبق الدول التي منعت استئجار الأرحام بموقفها المتشدد من جميع عمليات التلقيح الصناعي التي جرّمتها وفقاً لقانون (175 الصادر 1972) بجميع أشكالها دون أي تمييز.

في مصر وسوريا ولبنان، لا تسمح القوانين أيضاً بهذا الإجراء لعدم النص عليه بشكلٍ صريح في أيٍّ من بنود قوانين العقوبات، لكنها في المجمل تتصدّى لهذه السلوكيات بدعوى أنها "تخالف النظام العام وأحكام الشريعة" حسبما أوضحت الدكتورة ناديا قزمار في بحثها "المنظور القانوني والشرعي لعقد إجارة الأرحام".

الولاية والتعدد واقتسام الممتلكات.. هذا ما غيرته المرأة في قوانين الأسرة
تتعلق هذه المكاسب أساسا بقضايا المساواة بين الزوج والزوجة كطرفين في الأسرة، والولاية، والحضانة، وسن الزواج، واقتسام ممتلكات الزوجية، وتقييد التعدد، ووضع الطلاق تحت رقابة القضاء، والجنسية،  وكذا ما يعرف في الإرث بالوصية الواجبة.

منذ عدة سنوات تصاعدت مطالبات بإعداد قانون خاص لتجريم استئجار الأرحام بمصر، لكن الوضع مختلف في المغرب الذي أصدر عام 2019 قانوناً ينظّم قواعد "المساعدة الطبية على الإنجاب"، الذي حرّم ما أسماه "الحمل من أجل الغير" وأقرّ عقوبة بحقِّ المتورطين في هذا الأمر بالسجن من 10 إلى 20 سنة.

أما الجزائر فقد أجرت تعديلات على قانون الأسرة عام 2005 تمسّكت برفض تأجير الأرحام تماماً بالقول "لا يجوز اللجوء إلى التلقيح الصناعي باستعمال الأم البديلة".