يحتفل الشيعة بعيد الغدير في الثامن عشر من شهر ذي الحجة.
يحتفل الشيعة بعيد الغدير في الثامن عشر من شهر ذي الحجة.

يحتفل الشيعة في الثامن عشر من شهر ذي الحجة من كل عام بعيد الغدير. يُعدّ هذا العيد أهم الأعياد عند الشيعة الإمامية لكونه يوافق الذكرى السنوية لـ"تنصيب" الإمام الأول علي بن أبي طالب على يد النبي في غدير خم، حسب الرواية الشيعية.

نلقي الضوء في هذا المقال على عيد الغدير، لنعرف أهمية هذا العيد في الذاكرة الشيعية الجمعية، ولنستعرض أهم الأعمال التي اعتاد الشيعة ممارستها في هذا اليوم.

 

الواقعة التاريخية

 

وردت أخبار حادثة غدير خم في العشرات من المصادر التاريخية الإسلامية، السنية والشيعية على حد سواء. تذكر تلك المصادر أن المسلمين بعد أن انتهوا من أداء شعائر الحج في السنة العاشرة من الهجرة -وهي الحجة التي عُرفت باسم حجة الوداع- قفلوا راجعين إلى المدينة المنورة. حينها، أمر النبي أصحابه بالتوقف في مكان يقع بين المدينة المنورة ومكة. يُعرف هذا المكان بغدير خم، ومنه أخذت الواقعة اسمها الشهير في كتابات المؤرخين. قام النبي خطيبًا بين المسلمين الذين وصل عددهم لبضعة آلاف. تحدث عن قرب لحظة وفاته وأوصى بمجموعة من الوصايا. أمسك بعدها بيد ابن عمه علي بن أبي طالب، رفعها عاليًا أمام الجميع ومدحه بعبارات واضحة. تحرك المسلمون بعدها ورجعوا إلى المدينة. توفى النبي بعد الحادثة بشهور قلائل واختلف الصحابة حول تحديد الشخص الذي يجب أن يتولى الخلافة.

ظهر السنة والشيعة فيما بعد. اعتقد الشيعة أن أحاديث غدير خم دليل دامغ على إثبات حق علي بن أبي طالب بالخلافة. رفض السنة هذا الطرح، وتشبثوا بأن هذه الأحاديث تؤكد مكانة علي ومحبة ومودة النبي والمسلمين له، لكنها لا توجد فيها أية إشارة إلى الخلافة أو الإمامة.

 

الشيعة وحادثة غدير خم

 

يعتقد الشيعة أن ما وقع في غدير خم أمر إلهي صريح بإمامة علي بن أبي طالب وخلافته للنبي. وردت حادثة الغدير في العشرات من المصادر الشيعية، وقيل إن الآية السابعة والستين من سورة المائدة "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" نزلت بخصوص النص على إمامة علي.

يذكر المفسرون الشيعة في سبب نزول تلك الآية أن النبي كان يتحرج من إبلاغ المسلمين بولاية علي حتى نزل عليه جبريل وأخبره بأن الله يأمره بالصدع بذلك الأمر.

يُعدّ هذا العيد أهم الأعياد عند الشيعة الإمامية لكونه يوافق الذكرى السنوية لـ"تنصيب" الإمام الأول علي بن أبي طالب على يد النبي في غدير خم.

ورد النص على أهمية يوم الغدير وأنه يوم عيد في الكثير من الروايات الشيعية. على سبيل المثال نقل محمد باقر المجلسي المتوفى 1111هـ في كتابه بحار الأنوار عن النبي قوله: "يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي، وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره بنصب أخي علي بن أبي طالب علمًا لاُمّتي يهتدون به من بعدي، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتمّ على اُمّتي فيه النعمة، ورضي لهم الإسلام دينًا".

في السياق نفسه، نقل محمد بن يعقوب الكليني المتوفى 329هـ في كتابه "الكافي" أن الإمام جعفر الصادق لمّا سُئل "هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟"، فإنه أجاب "نعم أعظمها حرمة... اليوم الذي نصب فيه رسول الله أمير المؤمنين عليه السلام وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه... يوم ثمانية عشر من ذي الحجة".

يظهر يوم الغدير في المُتخيل الشيعي الجمعي باعتباره يوم الله الأكبر وأنه اليوم الذي تم فيه النص على ولاية الأئمة الذين نصبهم الله "كحجج له على خلقه". تتحدث الروايات الشيعية أن الشيطان ذاق مرارة الهزيمة في هذا اليوم. جاء في إحدى الروايات: "إِنَّ إِبْلِيسَ عَدُوُّ اللَّهِ رَنَّ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ: يَوْمَ لُعِنَ، وَيَوْمَ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ، وَيَوْمَ‏ الْغَدِيرِ". يوضح جعفر الصادق ذلك الأمر بقوله: "لمّا أخذ رسول الله بيد علي يوم الغدير صرخ إبليس في جنوده صرخة فلم يبق منهم أحد في بر ولا بحر إلا أتاه فقالوا: يا سيدهم ومولاهم ماذا دهاك فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه؟ فقال لهم: فعل هذا النبي فعلًا إن تم لم يعص الله أبدًا…".

يظهر يوم الغدير في المُتخيل الشيعي الجمعي باعتباره يوم الله الأكبر وأنه اليوم الذي تم فيه النص على ولاية الأئمة.

يمارس الشيعة مجموعة من الطقوس المخصوصة في عيد الغدير من كل عام. جاء عن الصادق أنه أخبر أصحابه بالعبادات التي يجب القيام بها يوم عيد الغدير، فقال لهم: "تذكرون الله عز ذكره فيه بالصيام والعبادة والذكر لمحمد وآل محمد، فإن رسول الله أوصى أمير المؤمنين أن يتخذ ذلك اليوم عيدًا، وكذلك كانت الأنبياء تفعل، كانوا يوصون أوصياءهم بذلك فيتخذونه عيدًا". كذلك ورد عن الإمام علي الرضا أنه أوصى أحد أصحابه بزيارة مرقد علي بن أبي طالب في الكوفة في هذا العيد، فكان مما قاله له: "...أينما كنت فاحضر يوم الغدير عند أمير المؤمنين فإن الله يغفر لكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة ذنوب ستين سنة، ويعتق من النار ضعف ما أعتق في شهر رمضان وليلة القدر، وليلة الفطر، والدرهم فيه بألف درهم لإخوانك العارفين، وأفضل على إخوانك في هذا اليوم، وسر فيه كل مؤمن ومؤمنة".

أيضًا، اعتاد الشيعة على ترديد الكثير من الأدعية المخصوصة في ذلك العيد. من تلك الأدعية ما روي عن الصادق: "اَللّهُمَّ قَدْ قَبِلْنَا أمْرَكَ وَنَهْيَكَ، وَأطَعْنَا لِنَبِيِّكَ وَسَلَّمْنا وَرَضِينَا، فَنَحْنُ مَوالي عَلِيٍّ وَأوْلِياؤُهُ كَما أمَرْتَ، نُواليهِ وَنُعادي مَنْ يُعاديهِ، وَنَبْرَأُ مِمَّنْ تَبْرَأُ مِنْهُ، وَنُبْغِضُ مَنْ أبْغَضْتَهُ، وَنُحِبُّ مَنْ أحَبَّهُ، وَعَلِيٌّ مَوْلانا كَما قُلْتَ، وَاِمَامُنَا بَعْدَ نَبِيِّنَا كَما اَمَرْتَ…".

 

الرأي السني في حادثة غدير خم

 

وردت حادثة الغدير في العديد من المصادر السنية. على سبيل المثال نقل ابن كثير الدمشقي المتوفى 774هـ في كتابه "البداية والنهاية" تفاصيل تلك الحادثة عن الصحابي بريدة بن الحصيب الأسلمي. يقول بريدة: "غزوتُ مع عليٍّ اليمنَ فرأيتُ منه جَفوةً فلما قدمتُ على رسولِ اللهِ ذكرتُ عليًّا فتنقَّصتُه فرأيتُ وجهَ رسولِ اللهِ يتغيَّرُ فقال يا بُريدةُ ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفُسِهم قلتُ بلى يا رسولَ اللهِ قال من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه".

تظهر الواقعة في الرواية السابقة على كونها موقفًا شخصيًا ليس أكثر. كان حديث الرسول موجهًا لبريدة على وجه التحديد، وكان سببه تنقص بريدة من علي.

تختلف تلك السردية مع السرديات الأخرى التي وردت في بعض الكتب السنية التي تؤكد أن خطاب النبي كان موجهًا لعموم المسلمين. زادت بعض المصادر أيضًا في العبارات التي مُدح بها علي على لسان النبي. جاء في بعض المصادر أن النبي قال لابن عمه: "من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله، وأحبَّ من أحبَّه وأبغض من أبغضه".

رفض أهل السنة والجماعة جميع التأويلات الشيعية التي عملت على تفسير الحادثة بوصفها دليلًا على إمامة علي وخلافته للنبي. أكد أهل السنة أن الروايات الواردة بخصوص غدير خم إنما بينّت وجوب حب علي ومودته ليس إلا. أفرد العلماء السنيون مساحات واسعة في مصنفاتهم للرد على الآراء الشيعية التي ترى أن حديث غدير خم يدل على خلافته للرسول. على سبيل المثال ذكر العالم الأشعري أبو بكر الباقلاني المتوفى 403هـ في كتابه تمهيد الأوائل: "لا يجب ما قلتم لأن ما أثبته لنفسه من كونه أولى بهم ليس هو من معنى ما أوجبه لعلي بسبيل لأنه قال من كنت مولاه فعلي مولاه فأوجب الموالاة لنفسه ولعلي وأوجب لنفسه كونه أولى بهم منهم بأنفسهم وليس معنى أولى من معنى مولى في شيء لأن قوله مولى يحتمل في اللغة وجوهاً ليس فيها معنى أولى فلا يجب إذا عقب كلام بكلام ليس من معناه أن يكون معناهما واحدًا".

شكك ابن حزم القرطبي المتوفى 456هـ في روايات الغدير. قال في كتابه "الفِصل في الملل والأهواء والنحل": "...وأما من كنت مولاه فعلي مولاه، فلا يصح من طريق الثِّقَات أصلًا. وأما سائر الأحاديث التي تتعلّق بها الرافضة -يقصد الشيعة- فموضوعة يعرف ذلك مَن له أدنى علم بالأخبار ونقلتها".

رفض أهل السنة والجماعة جميع التأويلات الشيعية التي فسرت الحادثة بوصفها دليلًا على إمامة علي وخلافته للنبي.

سار ابن تيمية المتوفى 728هـ على الدرب ذاته. انتقد روايات الغدير في كتابه "منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، وقال: "إن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالموضوعات. وهذا يعرفه أهل العلم بالحديث، والمرجع إليهم في ذلك. ولذلك لا يوجد هذا في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها أهل العلم بالحديث"، وقوله في موضع آخر من كتابه "أن هذا اللفظ، وهو قوله: ‘اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله’ كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث".

من جهة أخرى، أكد أهل السنة أن يوم الغدير يوم عادي. ورفضوا الإقرار بكونه يوم عيد. تحدث بعض المؤرخين السنة أن الاحتفال الأول بعيد الغدير وقع في القرن الرابع الهجري زمن الدولة البويهية التي تبنت المذهب الشيعي، وأطلقت يد الشيعة في ممارسة شعائرهم وطقوسهم. يعني هذا أن الاحتفال بعيد الغدير، حسب رأيه، مجرد بدعة مستحدثة فرضتها الظروف السياسية. يذكر تقي الدين المقريزي المتوفى 845هـ في كتابه "الخطط المقريزية": "عيد الغدير لم يكن عيدًا مشروعًا ولا عمله أحد من سالف الأمة المُقتدى بهم، وأول ما عُرف في الاسلام بالعراق أيام معز الدولة علي بن بويه فإنه أحدثه سنة 352هـ فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدًا". أيد ابن العماد الحنبلي المتوفى 1089هـ هذا الطرح في كتابه "شذرات الذهب في أخبار من ذهب”. يقول ابن العماد في أحداث سنة 352هـ "وفيها في ثامن عشر ذي الحجة عملت الرافضة عيد الغدير خم ودقت الكوسات وصلوا بالصحراء صلاة العيد".

مواضيع ذات صلة:

أبعدت قوات الأمن السعودية أكثر من 300 ألف مخالف.

أثار مقطع فيديو لاقتحام الأمن السعودي منزل حجاج من جنسية عربية موجة من الجدل.

ويوثّق الفيديو الذي انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي إقدام عناصر من الأمن السعودي على كسر باب المنزل قبل اصطحاب المقيمين للتحقيق، ضمن حملة لملاحقة المخالفين.

وشدّدت وزارة الحج والعمر السعودية من إجراءات التعامل مع موسم الحج للعام 2024، معلنة أن تأشيرات العمرة والسياحة والعمل والزيارة العائلية والمرور (ترانزيت) وغيرها من أنواع التأشيرات؛ لا تؤهل حاملها لأداء فريضة الحج.

حصرت الوزارة القدوم لأداء فريضة الحج بالحصول على على تأشيرة حج صادرة من الجهات المعنية في المملكة العربية السعودية وبالتنسيق مع الدول عبر مكاتب شؤون الحج فيها، أو عبر منصة "نسك حج" للدول التى ليس لديها مكاتب رسمية خاصة بالحج.

التشديد في الإجراءات تزامن مع حملة أمنية واسعة لملاحقة المخالفين، حيث أبعدت قوات الأمن أكثر من 300 ألف شخص غير مسجلين لأداء الحج، بحسب وكالة الأنباء الرسمية السعودية (واس).

إلى جانب ذلك صدرت مجموعة من الفتاوى التي تلحق الإثم بمرتكب المخالفة وتحرم اللجوء للتزوير لأغراض الحج.

وتحت مبرر ارتفاع تكاليف التأشيرات الرسمية التي تشمل تنظيم الإقامة وتقديم الخدمات، إضافة إلى تخصيص حصّص محددة للحجاج من كل بلد، يسعى الآلاف سنوياً لتأدية فريضة الحج عبر قنوات غير رسمية، تشمل تأشيرات السياحة والعمل والزيارة، علاوة على اللجوء مع مكاتب وشركات خاصة تعمل في تنظيم رحلات للحج، وهي الشركات التي تصفها الجهات الرسمية السعودية بـ "الوهمية"، حيث أعلنت عن خلال الموسم الحالي ضبط 140 حملة حج نظمتها شركات وهمية.

وإن كان الجدل حول الإجراءات الأمنية السعودية حول التعامل مع المخالفين شغل مساحة من النقاش العام، وسط انقسام بين الرافضين للاعتداء على حق الناس بتأدية المناسك، وبين مؤيدين للإجراءات التنظيمية، فإن الفتاوى الصادرة حول المخالفات أخذت حيزاً أكبر من الاهتمام.

الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في السعودية، استبقت موسم الحج بفتوى تؤكد أن الالتزام بتصريح الجح يتفق والمصلحة المطلوبة شرعاً، كما أدرجته ضمن طاعة ولي الأمر في المعروف وحرمة مخالفته أمره.

وخلصت الهيئة في الفتوى المنشورة على موقعها الرسمي إلى أنه "لا يجوز الذهاب إلى الحج دون أخذ تصريح ويأثم فاعله لما فيه من مخالفة أمر ولي الأمر الذي ما صدر إلا تحقيقا للمصلحة العامة، ولا سيما دفعوا الأضرار بعموم الحجاج وإن كان الحج حج فريضة ولم يتمكن المكلف من استخراج تصريح الحج فإنه في حكم عدم المستطيع".

دائرة الإفتاء المصرية بدورها أكدت على حرمة تزوير تأشيرات الحج، وشدّدت في فتوى صدرت مؤخراً على أن "تأشيرات الحج من القوانين التنظيمية التي يمكن تشريعها لتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع، مما يجعل الالتزام بها واجب شرعي".

وبحسب الفتوى فإن " الأفراد الذين يتعمدون تزوير تأشيرات الحج ويؤدون الحج وهم على علم بذلك، يرتكبون إثماً كبيراً عند الله ومخالفة دنيوية تستوجب العقوبة".

رغم ذلك خلصت الفتوى إلى أن التزوير لا يؤثر على صحة الحج من الناحية الشرعية.

أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية محمد عبد السميع ذهب إلى أن الحج من دون الحصول على تأشيرة يأخذ حكم "مَن اغتصب زجاجة ماء ليتوضأ للصلاة"، قائلاً "صلاته صحيحة، لكن يأثم لأخذه مالاً بغير حق".

وتابع في فيديو بثّ على صفحة دار الإفتاء الرسمية أن  "الحج دون تصريح يتسبب في عدة مشاكل، منها أنه لو زاد العداد، فسيؤدي إلى كثرة التزاحم بين الحجيج وما يترتب عليه من مشكلات".