يحتفل الشيعة بعيد الغدير في الثامن عشر من شهر ذي الحجة.
يحتفل الشيعة بعيد الغدير في الثامن عشر من شهر ذي الحجة.

يحتفل الشيعة في الثامن عشر من شهر ذي الحجة من كل عام بعيد الغدير. يُعدّ هذا العيد أهم الأعياد عند الشيعة الإمامية لكونه يوافق الذكرى السنوية لـ"تنصيب" الإمام الأول علي بن أبي طالب على يد النبي في غدير خم، حسب الرواية الشيعية.

نلقي الضوء في هذا المقال على عيد الغدير، لنعرف أهمية هذا العيد في الذاكرة الشيعية الجمعية، ولنستعرض أهم الأعمال التي اعتاد الشيعة ممارستها في هذا اليوم.

 

الواقعة التاريخية

 

وردت أخبار حادثة غدير خم في العشرات من المصادر التاريخية الإسلامية، السنية والشيعية على حد سواء. تذكر تلك المصادر أن المسلمين بعد أن انتهوا من أداء شعائر الحج في السنة العاشرة من الهجرة -وهي الحجة التي عُرفت باسم حجة الوداع- قفلوا راجعين إلى المدينة المنورة. حينها، أمر النبي أصحابه بالتوقف في مكان يقع بين المدينة المنورة ومكة. يُعرف هذا المكان بغدير خم، ومنه أخذت الواقعة اسمها الشهير في كتابات المؤرخين. قام النبي خطيبًا بين المسلمين الذين وصل عددهم لبضعة آلاف. تحدث عن قرب لحظة وفاته وأوصى بمجموعة من الوصايا. أمسك بعدها بيد ابن عمه علي بن أبي طالب، رفعها عاليًا أمام الجميع ومدحه بعبارات واضحة. تحرك المسلمون بعدها ورجعوا إلى المدينة. توفى النبي بعد الحادثة بشهور قلائل واختلف الصحابة حول تحديد الشخص الذي يجب أن يتولى الخلافة.

ظهر السنة والشيعة فيما بعد. اعتقد الشيعة أن أحاديث غدير خم دليل دامغ على إثبات حق علي بن أبي طالب بالخلافة. رفض السنة هذا الطرح، وتشبثوا بأن هذه الأحاديث تؤكد مكانة علي ومحبة ومودة النبي والمسلمين له، لكنها لا توجد فيها أية إشارة إلى الخلافة أو الإمامة.

 

الشيعة وحادثة غدير خم

 

يعتقد الشيعة أن ما وقع في غدير خم أمر إلهي صريح بإمامة علي بن أبي طالب وخلافته للنبي. وردت حادثة الغدير في العشرات من المصادر الشيعية، وقيل إن الآية السابعة والستين من سورة المائدة "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" نزلت بخصوص النص على إمامة علي.

يذكر المفسرون الشيعة في سبب نزول تلك الآية أن النبي كان يتحرج من إبلاغ المسلمين بولاية علي حتى نزل عليه جبريل وأخبره بأن الله يأمره بالصدع بذلك الأمر.

يُعدّ هذا العيد أهم الأعياد عند الشيعة الإمامية لكونه يوافق الذكرى السنوية لـ"تنصيب" الإمام الأول علي بن أبي طالب على يد النبي في غدير خم.

ورد النص على أهمية يوم الغدير وأنه يوم عيد في الكثير من الروايات الشيعية. على سبيل المثال نقل محمد باقر المجلسي المتوفى 1111هـ في كتابه بحار الأنوار عن النبي قوله: "يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي، وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره بنصب أخي علي بن أبي طالب علمًا لاُمّتي يهتدون به من بعدي، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتمّ على اُمّتي فيه النعمة، ورضي لهم الإسلام دينًا".

في السياق نفسه، نقل محمد بن يعقوب الكليني المتوفى 329هـ في كتابه "الكافي" أن الإمام جعفر الصادق لمّا سُئل "هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟"، فإنه أجاب "نعم أعظمها حرمة... اليوم الذي نصب فيه رسول الله أمير المؤمنين عليه السلام وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه... يوم ثمانية عشر من ذي الحجة".

يظهر يوم الغدير في المُتخيل الشيعي الجمعي باعتباره يوم الله الأكبر وأنه اليوم الذي تم فيه النص على ولاية الأئمة الذين نصبهم الله "كحجج له على خلقه". تتحدث الروايات الشيعية أن الشيطان ذاق مرارة الهزيمة في هذا اليوم. جاء في إحدى الروايات: "إِنَّ إِبْلِيسَ عَدُوُّ اللَّهِ رَنَّ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ: يَوْمَ لُعِنَ، وَيَوْمَ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ، وَيَوْمَ‏ الْغَدِيرِ". يوضح جعفر الصادق ذلك الأمر بقوله: "لمّا أخذ رسول الله بيد علي يوم الغدير صرخ إبليس في جنوده صرخة فلم يبق منهم أحد في بر ولا بحر إلا أتاه فقالوا: يا سيدهم ومولاهم ماذا دهاك فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه؟ فقال لهم: فعل هذا النبي فعلًا إن تم لم يعص الله أبدًا…".

يظهر يوم الغدير في المُتخيل الشيعي الجمعي باعتباره يوم الله الأكبر وأنه اليوم الذي تم فيه النص على ولاية الأئمة.

يمارس الشيعة مجموعة من الطقوس المخصوصة في عيد الغدير من كل عام. جاء عن الصادق أنه أخبر أصحابه بالعبادات التي يجب القيام بها يوم عيد الغدير، فقال لهم: "تذكرون الله عز ذكره فيه بالصيام والعبادة والذكر لمحمد وآل محمد، فإن رسول الله أوصى أمير المؤمنين أن يتخذ ذلك اليوم عيدًا، وكذلك كانت الأنبياء تفعل، كانوا يوصون أوصياءهم بذلك فيتخذونه عيدًا". كذلك ورد عن الإمام علي الرضا أنه أوصى أحد أصحابه بزيارة مرقد علي بن أبي طالب في الكوفة في هذا العيد، فكان مما قاله له: "...أينما كنت فاحضر يوم الغدير عند أمير المؤمنين فإن الله يغفر لكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة ذنوب ستين سنة، ويعتق من النار ضعف ما أعتق في شهر رمضان وليلة القدر، وليلة الفطر، والدرهم فيه بألف درهم لإخوانك العارفين، وأفضل على إخوانك في هذا اليوم، وسر فيه كل مؤمن ومؤمنة".

أيضًا، اعتاد الشيعة على ترديد الكثير من الأدعية المخصوصة في ذلك العيد. من تلك الأدعية ما روي عن الصادق: "اَللّهُمَّ قَدْ قَبِلْنَا أمْرَكَ وَنَهْيَكَ، وَأطَعْنَا لِنَبِيِّكَ وَسَلَّمْنا وَرَضِينَا، فَنَحْنُ مَوالي عَلِيٍّ وَأوْلِياؤُهُ كَما أمَرْتَ، نُواليهِ وَنُعادي مَنْ يُعاديهِ، وَنَبْرَأُ مِمَّنْ تَبْرَأُ مِنْهُ، وَنُبْغِضُ مَنْ أبْغَضْتَهُ، وَنُحِبُّ مَنْ أحَبَّهُ، وَعَلِيٌّ مَوْلانا كَما قُلْتَ، وَاِمَامُنَا بَعْدَ نَبِيِّنَا كَما اَمَرْتَ…".

 

الرأي السني في حادثة غدير خم

 

وردت حادثة الغدير في العديد من المصادر السنية. على سبيل المثال نقل ابن كثير الدمشقي المتوفى 774هـ في كتابه "البداية والنهاية" تفاصيل تلك الحادثة عن الصحابي بريدة بن الحصيب الأسلمي. يقول بريدة: "غزوتُ مع عليٍّ اليمنَ فرأيتُ منه جَفوةً فلما قدمتُ على رسولِ اللهِ ذكرتُ عليًّا فتنقَّصتُه فرأيتُ وجهَ رسولِ اللهِ يتغيَّرُ فقال يا بُريدةُ ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفُسِهم قلتُ بلى يا رسولَ اللهِ قال من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه".

تظهر الواقعة في الرواية السابقة على كونها موقفًا شخصيًا ليس أكثر. كان حديث الرسول موجهًا لبريدة على وجه التحديد، وكان سببه تنقص بريدة من علي.

تختلف تلك السردية مع السرديات الأخرى التي وردت في بعض الكتب السنية التي تؤكد أن خطاب النبي كان موجهًا لعموم المسلمين. زادت بعض المصادر أيضًا في العبارات التي مُدح بها علي على لسان النبي. جاء في بعض المصادر أن النبي قال لابن عمه: "من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله، وأحبَّ من أحبَّه وأبغض من أبغضه".

رفض أهل السنة والجماعة جميع التأويلات الشيعية التي عملت على تفسير الحادثة بوصفها دليلًا على إمامة علي وخلافته للنبي. أكد أهل السنة أن الروايات الواردة بخصوص غدير خم إنما بينّت وجوب حب علي ومودته ليس إلا. أفرد العلماء السنيون مساحات واسعة في مصنفاتهم للرد على الآراء الشيعية التي ترى أن حديث غدير خم يدل على خلافته للرسول. على سبيل المثال ذكر العالم الأشعري أبو بكر الباقلاني المتوفى 403هـ في كتابه تمهيد الأوائل: "لا يجب ما قلتم لأن ما أثبته لنفسه من كونه أولى بهم ليس هو من معنى ما أوجبه لعلي بسبيل لأنه قال من كنت مولاه فعلي مولاه فأوجب الموالاة لنفسه ولعلي وأوجب لنفسه كونه أولى بهم منهم بأنفسهم وليس معنى أولى من معنى مولى في شيء لأن قوله مولى يحتمل في اللغة وجوهاً ليس فيها معنى أولى فلا يجب إذا عقب كلام بكلام ليس من معناه أن يكون معناهما واحدًا".

شكك ابن حزم القرطبي المتوفى 456هـ في روايات الغدير. قال في كتابه "الفِصل في الملل والأهواء والنحل": "...وأما من كنت مولاه فعلي مولاه، فلا يصح من طريق الثِّقَات أصلًا. وأما سائر الأحاديث التي تتعلّق بها الرافضة -يقصد الشيعة- فموضوعة يعرف ذلك مَن له أدنى علم بالأخبار ونقلتها".

رفض أهل السنة والجماعة جميع التأويلات الشيعية التي فسرت الحادثة بوصفها دليلًا على إمامة علي وخلافته للنبي.

سار ابن تيمية المتوفى 728هـ على الدرب ذاته. انتقد روايات الغدير في كتابه "منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، وقال: "إن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالموضوعات. وهذا يعرفه أهل العلم بالحديث، والمرجع إليهم في ذلك. ولذلك لا يوجد هذا في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها أهل العلم بالحديث"، وقوله في موضع آخر من كتابه "أن هذا اللفظ، وهو قوله: ‘اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله’ كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث".

من جهة أخرى، أكد أهل السنة أن يوم الغدير يوم عادي. ورفضوا الإقرار بكونه يوم عيد. تحدث بعض المؤرخين السنة أن الاحتفال الأول بعيد الغدير وقع في القرن الرابع الهجري زمن الدولة البويهية التي تبنت المذهب الشيعي، وأطلقت يد الشيعة في ممارسة شعائرهم وطقوسهم. يعني هذا أن الاحتفال بعيد الغدير، حسب رأيه، مجرد بدعة مستحدثة فرضتها الظروف السياسية. يذكر تقي الدين المقريزي المتوفى 845هـ في كتابه "الخطط المقريزية": "عيد الغدير لم يكن عيدًا مشروعًا ولا عمله أحد من سالف الأمة المُقتدى بهم، وأول ما عُرف في الاسلام بالعراق أيام معز الدولة علي بن بويه فإنه أحدثه سنة 352هـ فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدًا". أيد ابن العماد الحنبلي المتوفى 1089هـ هذا الطرح في كتابه "شذرات الذهب في أخبار من ذهب”. يقول ابن العماد في أحداث سنة 352هـ "وفيها في ثامن عشر ذي الحجة عملت الرافضة عيد الغدير خم ودقت الكوسات وصلوا بالصحراء صلاة العيد".

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع.

 يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام. يعترف الدستور العراقي في مادته الثانية بالمسيحية باعتبارها أحد الأديان التي يضمن لأفرادها "حقهم الكامل في حرية العقيدة والممارسة الدينية".

رغم ذلك، يعاني المسيحيون العراقيون من العديد من المشكلات في السنوات الأخيرة. كيف انتشرت المسيحية في العراق؟ وما هي أهم الدول المسيحية التي قامت في بلاد الرافدين؟ وكيف حافظ المسيحيون العراقيون على وجودهم في بلادهم رغم حملات الاضطهاد والعنف التي استهدفتهم على مر القرون؟

من توما إلى نسطوريوس

عرف العراق المسيحية في وقت مبكر. كان القديس توما الرسول أول من بشر بالدين المسيحي في العراق في القرن الأول الميلادي.

بعدها، انتشرت المسيحية في نواحي مختلفة من بلاد الرافدين، ولا سيما في المناطق الشمالية المتاخمة لتركيا الحالية. في هذا السياق، لعب الرهبان دوراً مهماً في نشر المسيحية. وبحسب ما ورد في كتاب السنكسار القبطي -وهو الكتاب الذي يضم سيّر القديسين والشهداء والآباء في الكنيسة القبطية المصرية- فإن القديس الراهب أوكين المصري سافر إلى العراق واصطحب معه في تلك الرحلة سبعين تلميذاً له، واختار بعد فترة من الترحال منطقة نصيبين ليقيم فيها، وسكن هناك في إحدى المغارات الجبلية، ومن حوله سكن تلاميذه. عاش أوكين في تلك المغارة لمدة ثلاثين سنة، وقصده الكثير من المسيحيين ليدرسوا عليه أصول الرهبنة، بعد فترة، انتشر المنهج الرهباني في شمالي العراق.

يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

يذكر الباحث عماد توماس في دراسته "تاريخ الرهبنة السريانية" أن الكنيسة السريانية اهتمت في تلك الفترة بشأن الرهبنة، فأسست مئات الأديرة التي انضم إليها ألوف من الرجال والنساء. "ففي القرن الخامس، وجد في جبل الرها وحده ثلاثمئة دير، يقيم فيه تسعون ألف راهب، وفي دير مار متى شرقي الموصل اثنا عشر ألف راهب"!، يقول توماس.

تحتفظ لنا الكتابات السريانية بأسماء العديد من الرهبان العراقيين الذين اشتهر أمرهم بين الناس. وذاع صيتهم بسبب ما نُسب إليهم من كرامات وخوارق. يحكي ثيودوريتوس أسقف قورش في كتابه "تاريخ أصفياء الله" قصص العديد من هؤلاء الرهبان، ومنهم الراهب إبراهيم الكشكري الكبير الذي ولد في أواخر القرن الخامس الميلادي، ويُنسب إلى مدينة كشكر الواقعة في منطقة الكوت. قام إبراهيم بالتبشير بالمسيحية في مملكة الحيرة. وبنى ديراً كبيراً في منطقة نصيبين.

كان العراق على موعد مهم في تاريخ علاقته بالمسيحية في القرن الخامس الميلادي، في تلك الفترة، تم عقد مجمع أفسس في سنة 431م، ورُفضت فيه أفكار نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية بخصوص طبيعة المسيح. على إثر ذلك، انتقلت أفكار نسطوريوس إلى العراق وبلاد فارس.

وتم تأسيس الكنيسة المعروفة باسم كنيسة المشرق، وقد ظلت تلك الكنيسة قائمة في العراق لقرون متوالية حتى انقسمت في وقت متأخر إلى كنيستين كبيرتين، وهما كنيسة المشرق الآشورية التي ظلت محافظة على أفكار نسطوريوس، وكنيسة الكلدان الكاثوليك التي تتبع بابا الفاتيكان. وبحسب بعض الآراء، فإن هذا الانقسام وقع في القرن السادس عشر الميلادي.

في سنة 1552م، قدم رسل الفاتيكان لنشر الكاثوليكية في العراق، ونجحوا في نشر مذهبهم فيما يدعى اليوم بسهل نينوى،  فيما حالت صعوبة المواصلات في تلك الفترة دون نشر أفكارهم في المناطق الجبلية الوعرة. تسبب ذلك في اعتناق أهل السهول للكاثوليكية، وعرفوا باسم الكلدان/ البابليين. فيما بقي أهل الجبال على مذهبهم القديم، وعُرفوا باسم الأشوريين. 

مملكة الحيرة المسيحية

ارتبطت المسيحية في العراق بواحدة من الممالك المهمة، وهي مملكة الحيرة القديمة. نشأت تلك المملكة في نهايات القرن الثاني الميلادي، وعُرفت باسم مملكة الحيرة نسبةً إلى عاصمتها، بينما اُطلق اسم المناذرة على ملوك تلك المملكة لأن العديد منهم سُمي باسم المنذر.

تمتعت مملكة الحيرة بقدر كبير من الحرية الدينية. لم ير أكاسرة فارس بأساً من انتشار المسيحية في بلاد الحيرة المتاخمة لهم. يفسر الباحث العراقي جواد علي هذا الأمر في كتابه "المُفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" بكون المجوسية -التي اعتنقها الفرس- لم تكن ديناً تبشيرياً، من هنا لم يقع الصدام بين الفرس والمناذرة.

وعلى النقيض من ذلك، حدث في الكثير من الأحيان أن توافق الطرفان دينياً وسياسياً. اعتنق العديد من ملوك المناذرة المسيحية وفق المذهب النسطوري، ولمّا كان هذا المذهب معادياً للمذهب الملكاني الذي أقرته الإمبراطورية البيزنطية فقد أيده العديد من ملوك فارس نكايةً في عدوهم اللدود، وذلك بحسب ما يذكر الباحث محمد مبروك نافع في كتابه "عصر ما قبل الإسلام".

قطعة أثرية قديمة عثر عليها منقبون في موقع مدينة الحيرة القديمة قرب النجف.
مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

يشرح جواد علي الدور المهم الذي لعبته مملكة الحيرة في نشر المسيحية النسطورية بين القبائل العربية القريبة، فيقول: "تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران، فدخلت إلى "قطر" وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى... ومن الحيرة انتقلت النسطورية إلى اليمامة، فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران واليمن، وصلت إليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجارية، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها، وقد قوي هذا المذهب ولا شك بعد دخول الفرس إلى اليمن".

 

 مسيحيو العراق تحت الحكم الإسلامي

ظلت المسيحية غالبة على أهل العراق حتى بدايات القرن السابع الميلادي. في تلك الفترة، خرجت الجيوش العربية من شبه الجزيرة العربية وعملت على التوسع في بلاد العراق والشام، ولم تمر سنوات معدودة حتى أضحى العراق جزءاً من دولة الخلافة الإسلامية.

بشكل عام، حظي المسيحيون العراقيون بمعاملة متسامحة من قِبل العرب القادمين من شبه الجزيرة. ويمكن تفسير ذلك بأن الدين الإسلامي اعترف بالمسيحية بوصفها إحدى الديانات الكتابية ذات الأصل الإلهي.

وتذكر المصادر التاريخية أن الكثير من المسيحيين العراقيين لاقوا التقدير والاحترام من قِبل السلطات السياسية الحاكمة.

يقول الجاحظ في إحدى رسائله: "إن النصارى، متكلمين وأطباء ومنجمين، وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء... وإن منهم كتّاب السلاطين وفرّاشي الملوك وأطباء الأشراف والعطّارين والصيارفة... وأنهم اتخذوا البراذين والخيل واتخذوا الشاكرية والخدم والمستخدمين وامتنع كثير من كبرائهم من عطاء الجزية".

من هنا، لم يكن من الغريب أن يبزغ نجم العديد من المسيحيين العراقيين، ومنهم كل من الشاعر الأخطل، والمترجم يوحنا بن البطريق، والطبيب حنين بن إسحاق، والفيلسوف يحيى بن عدي.

رغم ذلك، وقعت العديد من حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين. فعلى سبيل المثال تعرض المسيحيون للاضطهاد زمن حكم الخليفة المتوكل على الله العباسي في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، فقد أصدر المتوكل مجموعة من القرارات المقيدة لحرية المسيحيين.

يذكر المؤرخ ابن جرير الطبري تفاصيل تلك القرارات في كتابه المعروف "تاريخ الرسل والملوك". يقول: "أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب... وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعاً صير مسجداً، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجداً صير فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يُستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليباً، وأن يشمّلوا -يمشوا ناحية اليسار- في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين".

تتابعت حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين في العصر الحديث أيضاً. و من ذلك، الحملات المعروفة باسم "مذابح سيفو"، والتي شنها العثمانيون على الآشوريين المسيحيين في شمالي العراق في الفترة من 1914- 1920م، وما وقع في سنة 1933م، عندما وجه رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني بعض فرق الجيش لتدمير العشرات من القرى الآشورية المسيحية في الموصل، وذلك على إثر مطالبة الآشوريين المسيحيين بالحكم الذاتي لمناطقهم، فيما عُرف باسم "مذبحة سميل"، وذلك بحسب ما يذكر الكاتب محمد عادل داود في كتابه "تاريخ الدماء".

تزامنت آخر حملات الاضطهاد ضد المسيحيين مع سيطرة تنظيم  "داعش" على المناطق الشمالية والغربية من العراق في الفترة بين 2014 و2017م.

تعرض المسيحيون القاطنون خلال تلك الفترة للعديد من المخاطر. تم تدمير العشرات من الكنائس والأديرة، كما هُجرت المئات من العائلات المسيحية. وبحسب بعض التقارير لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م.

في مارس سنة 2021م، زار البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، الأراضي العراقية في رحلة تاريخية حظيت باهتمام واسع من قِبل ملايين المسيحيين المنتشرين حول العالم. وأكد البابا في زيارته أن "التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضرر جسيم لا يمكن تقديره".

ورحب في كلمته التي ألقاها في الموصل "بعودة الجالية المسيحية إلى الموصل لتقوم بدورها الحيوي في عملية الشفاء والتجديد". وكذلك صلى "من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة"، مؤكداً أن "الرجاء أقوى من الموت، والسلام أقوى من الحرب".