.يذهب أغلب السنة إلى أن عمر بن الخطاب كان صاحب فكرة التأريخ الهجري. ويذهب معظم الشيعة الإمامية إلى أن النبي كان أول من اتخذ التقويم الهجري.
.يذهب أغلب السنة إلى أن عمر بن الخطاب كان صاحب فكرة التأريخ الهجري. ويذهب معظم الشيعة الإمامية إلى أن النبي كان أول من اتخذ هذا التقويم.

يحتفل أغلب المسلمين في شتى أنحاء العالم، يوم السبت، الأول من شهر محرم، برأس السنة الهجرية 1444. تُثار العديد من الأسئلة حول توقيت حادثة الهجرة والتقويم الهجري وبداية العمل به. نلقي الضوء في هذا المقال على تلك الحادثة المحورية في تاريخ الإسلام، لنوضح أسباب الخلاف حول هذا التقويم بين السنة والشيعة من جهة، ولنبيّن وجهات النظر المتعددة حول الاحتفال به وما ارتبط به من أدعية وروايات مأثورة من جهة أخرى.

 

متى وقعت الهجرة؟

 

تذكر المصادر التاريخية أن النبي محمد خرج من مكة في أواخر شهر صفر من السنة الثالثة عشر من البعثة، وأنه مكث ثلاثة أيام في غار ثور متخفيًا عن أعين كفار قريش الذين حاولوا اللحاق به. خرج النبي من الغار في أول أيام شهر ربيع الأول على الأرجح. ووصل إلى المدينة في يوم الثامن أو الثاني عشر من ربيع الأول. ورد في سيرة ابن هشام أن دليل الرحلة عبد الله بن أريقط "سلك بهما -أي النبي وأبي بكر- أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل… ثم قدم بهما قباء، على بني عمرو بن عوف، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين، حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل...".

 

من صاحب فكرة هذا التقويم؟

 

تختلف الأقوال في تحديد هوية صاحب فكرة التقويم الهجري. يمكن القول إن هناك رأيين معتبرين في تلك المسألة. يذهب أصحاب الرأي الأول –وهم أغلب السنة- إلى أن عمر بن الخطاب كان صاحب الفكرة وذلك في فترة خلافته. أما أصحاب الرأي الآخر، ومعظمهم من الشيعة الإمامية، فيرون أن النبي كان أول من اتخذ التقويم الهجري.

يستدل أصحاب الرأي الأول بمجموعة من الروايات التاريخية. منها على سبيل المثال ما ورد في تاريخ اليعقوبي في أحداث السنة السادسة عشر من الهجرة "... وفيها أرخ عمر الكتب، وأراد أن يكتب التأريخ منذ مولد رسول الله، ثم قال: من المبعث، فأشار عليه علي بن أبي طالب أن يكتبه من الهجرة، فكتبه من الهجرة". وذكر ابن كثير أيضا في كتابه "البداية والنهاية" أن "الصحابة اتفقوا في سنة ست عشرة –وقيل: سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة- في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة…".

تفسر تلك الروايات إقدام عمر بن الخطاب على وضع التقويم الهجري بكونه استجابة لمقتضيات الأمر الواقع. كانت الرسائل تؤرخ بالشهور وحدها، وكان من الوارد أن تتأخر الرسالة لشهور عديدة حتى تصل إلى الخليفة. فكان يحدث الاضطراب في معرفة توقيت الرسالة وإذا ما كانت أُرسلت في شعبان -مثلًا- من هذا العام أو في شعبان من العام السابق. ولذلك احتاج المسلمون إلى أداة لضبط السنين وتأريخها.

على الجهة المقابلة، يذهب الشيعة إلى أن النبي كان أول من أرخ بالهجرة. ويستدلون على ذلك بمجموعة من الآثار. من ذلك ما نقله الحاكم النيسابوري المتوفى في كتابه "المُستدرك على الصحيحين" عن عبد الله بن العباس من قوله: "كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله المدينة، وفيها ولد عبد الله بن الزبير"، وما نقله ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" عن ابن شهاب الزهري "أن النبي لما قدم المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول".

يحتج أصحاب هذا الرأي أيضًا ببعض الرسائل والمعاهدات التي كُتبت في عهد النبي. والتي تم تأريخها بالتقويم الهجري. من أشهر تلك الرسائل تلك التي نقلها أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "ذكر أخبار أصبهان" والتي جاء في آخرها "كتب علي بن أبي طالب بأمر رسول الله في رجب سنة تسع من الهجرة، وحضره أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد وسعيد وسلمان وأبو ذر وعمار وعيينة وصهيب وبلال والمقداد وجماعة آخرون من المؤمنين".

حاول بعض العلماء أن يفهموا وضع الصحابة للتقويم الهجري في سياق تفسير الآيات القرآنية. على سبيل المثال، نقل شهاب الدين الألوسي في كتابه "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" عن أبي القاسم السهيلي تفسيره للآية رقم 108 من سورة التوبة "...لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين". قوله: "...ويُستفاد من الآية صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي أعز الله فيه الإسلام والحين الذي أمن فيه النبي وبنيت المساجد، وعُبد الله تعالى كما يجب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن بنقلهم أن قوله تعالى: من أول يوم أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي نؤرخ به الآن. فإن كان الصحابة عنهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله تعالى وأفهمهم بما فيه من الإشارات، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد فقد علمه تعالى وأشار إلى صحته قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ كذلك وليس ههنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال فتدبره ففيه معتبر لمن ادكر وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر".

 

لماذا تم اختيار محرم لبداية العام؟

 

من الأسئلة المهمة التي تُثار حول موضوع التقويم الهجري. لماذا يبدأ العام الهجري في شهر محرم رغم أن النبي وصل إلى يثرب -التي ستُعرف بالمدينة المنورة فيما بعد- في شهر ربيع الأول؟

في الحقيقة لا توجد إجابة شافية على هذا السؤال. حاول العديد من العلماء أن يحلوا تلك الإشكالية فخرجوا بمجموعة من الآراء. على سبيل المثال، نقل ابن كثير بعض العبارات التي يُفهم منها أن عمر بن الخطاب اختار أن يبدأ العام في محرم حتى يكون الناس قد رجعوا من الحج، وحتى تكون الأشهر الُحرم الأربعة -محرم ورجب وذي القعدة وذي الحجة- جُمعت في عام واحد. بحيث يبدأ هذا العام بشهر محرم وينتهي بشهر ذي الحجة.

من جهة أخرى، فسر ابن حجر العسقلاني بداية السنة بشهر محرم من خلال ربطه بوقوع بيعة العقبة الثانية في شهر ذي الحجة. يقول ابن حجر موضحًا ذلك الربط: "...لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم فناسب أن يجعل مبتدأ. وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء من محرم…".

 

لماذا ارتبط التقويم الهجري بالقمر؟

 

عرفت العرب التقويم القمري قبل الإسلام. كانت التقاويم القمرية هي الأكثر مناسبةً للشعوب البدوية التي تعيش في الصحراء. أما التقاويم الشمسية فقد شاعت وسط المجتمعات الحضارية المستقرة التي يعتمد اقتصادها على الزراعة. يُعرف التقويم القمري بكونه التقويم الذي يعتمد على دورات القمر الكاملة كأساس لحساب الأشهر، بحيث تكون كل اثني عشر دورة سنة قمرية واحدة. يبلغ عدد أيام السنة القمرية 354 يومًا وجزءًا من اليوم. بما يعني إن السنة القمرية أقصر بـأحد عشر يومًا من السنة الشمسية.

أرجع ابن تيمية ارتباط السنة الهجرية بالتقويم القمري لأسباب دينية تشريعية بحتة. يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى "...لَمْ يُعَلَّقْ لَنَا بِهَا -أي الشمس- حِسَابُ شَهْرٍ وَلَا سَنَةٍ وَإِنَّمَا عُلِّقَ ذَلِكَ بِالْهِلَالِ. كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْآيَةُ وَلِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} فَأَخْبَرَ أَنَّ الشُّهُورَ مَعْدُودَةٌ اثْنَا عَشَرَ وَالشَّهْرُ هِلَالِيٌّ بِالِاضْطِرَارِ... وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الشَّرَائِعَ قَبْلَنَا أَيْضًا إنَّمَا عَلَّقَتْ الْأَحْكَامَ بِالْأَهِلَّةِ وَإِنَّمَا بَدَّلَ مَنْ بَدَّلَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ...وَمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ هُوَ أَكْمَلُ الْأُمُورِ وَأَحْسَنُهَا وَأَبْيَنُهَا وَأَصَحُّهَا وَأَبْعَدُهَا مِنْ الِاضْطِرَابِ".

تجدر الإشارة إلى أن المجتمعات الإسلامية عرفت التقويم الهجري الشمسي للمرة الأولى في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. عُرف هذا التقويم باسم التقويم الجلالي نسبةً للسلطان السلجوقي جلال الدولة ملك شاه. ويٌقال إنه -أي التقويم- من وضع الشاعر والفلكي الفارسي الشهير عمر الخيام.

تُستخدم السنة الهجرية الشمسية في ثلاث دول إسلامية في عالمنا المعاصر، وهي إيران وأفغانستان والسعودية. تبدأ السنة الهجرية الشمسية في السعودية في اليوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر وهو اليوم الذي يوافق وصول النبي للمدينة المنورة. أما في إيران، فتبدأ السنة الهجرية الشمسية في الحادي والعشرين من شهر مارس مع حلول عيد النوروز في بداية فصل الربيع من كل عام.

 

كيف بدأ الاحتفال برأس السنة الهجرية؟

 

لم يحتفل المسلمون برأس العام الهجري في القرون الثلاثة الأولى. يرجع الاحتفال الأول بهذا اليوم إلى زمن الدولة الفاطمية في القرن الرابع الهجري. يذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" العديد من مظاهر الاحتفال بهذا اليوم، فيقول: "وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أوّل المحرّم في كل عام لأنها أوّل ليالي السنة وابتداء أوقاتها…". يذكر المقريزي أنه كان من الشائع أن تُطهى الخراف وتُعدّ الألبان والحلوى ومختلف أنواع الخبز وأن توزع تلك الأطعمة على الخاصة والعامة في جميع أنحاء القاهرة. ينزل الخليفة الفاطمي بعدها في موكب مهيب ليتجول في شوارع القاهرة ويفرق القطع المعدنية على الفقراء والمساكين.

شهد الاحتفال بهذا اليوم رواجًا لعدد كبير من الأحاديث الموضوعة والتي نسبها أصحابها للنبي. من أشهر تلك الأحاديث "من صام آخِر يوم من ذي الحجَّة، وأول يوم من المحرَّم، فقد ختم السَّنة الماضية، وافتتح السنة المستقبلة بصوم جعله الله كفَّارة خمسين سنة". في السياق ذاته راجت بعض الأدعية المخصوصة في هذا اليوم، ومنها "اللهم أنت الأبدي القديم وهذه سنة جديدة أسألك العصمة فيها من الشيطان الرجيم وأوليائه والامن من الشيطان ومن شر كل ذي شر ومن البلايا والآفات وأسألك العون على هذه النفس الامارة بالسوء والاشتغال بما يقربني إليك يا رءوف يا رحيم يا ذا الجلال والاكرام".

اختلفت آراء العلماء في شرعية الاحتفال بهذا اليوم. ذهب العديد من علماء السلفية إلى تحريم الاحتفال به. في ذلك المعنى ورد في فتوى العالم السعودي عبد العزيز ابن باز "...فالتهنئة بالعام الجديد لا أعلم لها أصلاً عن السلف الصالح، ولا أعلم شيئاً من السنة أو من الكتاب العزيز يدل على شرعيتها…". فيما أجاز بعض العلماء الاحتفال به. ومن ذلك ما ذكره مفتي مصر شوقي علام "إن التهنئة بقدوم العام الهجري مستحبة شرعًا؛ لما فيها من إحياء ذكرى هجرة النبي وصحابته، وما فيها من معان سامية وعبر نافعة، وقد حث الشرع على تذكر أيام الله وما فيها من عبر ونعم، كما أنه بداية لعام جديد، وتجدد الأعوام على الناس من نعم الله عليهم التي تستحب التهنئة عليها".

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- ا ف ب
صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- تعبيرية

عرفت الحضارة العربية الإسلامية تنوعاً فريداً من نوعه، إذ حظي معظم الفنون برعاية السلاطين والأمراء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وأثبتت الموسيقى حضورها كأحد الفنون المهمة في بلاطات الحكام والأوساط الشعبية على السواء.

وتمكن الموسيقيون -رغم النظرة الفقهية السائدة المحرمة للموسيقى- من ممارسة فنهم أغلب الأحيان. فعلى ماذا استند الفقهاء في تحريمهم للموسيقى والغناء؟ وكيف انتشرت الموسيقى رغم ذلك؟ وما أبرز الفتاوى التي أباحت الموسيقى قديماً وحديثاً؟

 

التحريم والمنع

وقف أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً متشدداً من الموسيقى والغناء، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والشواهد، منها "الآية السادسة من سورة لقمان" ونصها "...وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...".

قال بعض الصحابة -منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن العباس- إن "لهو الحديث الوارد في الآية هو الغناء" كما ذكر محمد بن جرير الطبري في تفسيره.

أيضاً، استند الفقهاء لبعض الأحاديث والآثار التي رفضت إجازة الغناء والألحان، من ذلك ما ورد في "صحيح البخاري" منسوباً للرسول محمد "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف"، و"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عن مصيبة". فضلاً عن الأثر المنسوب لعبد الله بن مسعود "الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقل".

اعتماداً على تلك الأدلة، ذهب عدد كبير من الفقهاء إلى تحريم الموسيقى والغناء بشكل قاطع، أمثال شمس الدين القرطبي، وابن الصلاح، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

كما ذكر محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة "اتفقت على تحريم آلات الطرب كلها".

لم يقتصر هذا التحريم على علماء أهل السنة والجماعة وحدهم، بل شاركهم فيه أغلب الفقهاء المنتمين إلى المذهب الشيعي الإمامي. على سبيل المثال، أجاب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق على سؤال حول حكم الغناء بأن "...الغناء حرام كله وهو الكلام اللهوي الذي يؤدي بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، بل يحرم أيضاً علي الأحوط الكلام غير اللهوي الذي يؤدي بتلك الألحان...".

 

أسباب الانتشار

عرفت الموسيقى والأغاني طريقها إلى مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، وتمكنت من الانتشار بين العامة والخاصة على السواء، كما وثق المؤرخون.

بدأ هذا الانتشار في بدايات الحضارة الإسلامية. يذكر الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "الفتح الرباني" أن المؤرخين نقلوا العديد من الروايات التي تثبت أن بعض الصحابة سمعوا الغناء والموسيقى ولم يجدوا فيهما بأساً على الإطلاق. من هؤلاء  عبد الله بن الزبير الذي "كان له جوار عوادات".

وأورد الشوكاني أن "عبد الله بن عمر بن الخطاب دخل على ابن الزبير وكان بجواره عود، فقال له (ما هذا يا صاحب رسول الله؟) فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، وقال (هذا ميزان شامي)، فرد ابن الزبير (توزن به العقول)".

وأضاف أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كان من المشهورين بسماع الموسيقى، وأن عبد الله بن عمر لما وجد رجلاً يريد أن يبيع جارية تضرب على العود، نصح الرجل بعرضها على ابن جعفر، فنفذ الرجل مشورته، وباع الجارية.

في السياق نفسه، أكد الشوكاني أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص سمعا الغناء، وأن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان معتاداً على سماع الموسيقى قبل أن يصل لكرسي الخلافة.

بشكل عام، تتعدد الأمثلة على انتشار الموسيقى والغناء في الدولة الإسلامية، وكثيراً ما عُرف الموسيقيون بممارسة العلوم الشرعية. في أواخر القرن الثاني الهجري اشتهر آمر مفتي المدينة، يوسف بن الماجشون، ويذكر المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أنه "كان مولعاً بسماع الغناء ارتجالاً وغير ارتجال..."، كما يُنقل عن المحدث المشهور يحي بن معين أنه كان يذهب ليوسف ليسمع منه الحديث "وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة، يقصد آلة العزف...".

في القرن الثالث الهجري، وبالتزامن مع حالة الترف التي عرفها المسلمون تحت لواء الدولة العباسية، ظهر الموسيقي الشهير أبو إسحاق الموصلي الذي كان مقرباً بشكل كبير من الخليفة هارون الرشيد. وقد وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر اعلام النبلاء" بأنه "ذو الفنون... صاحب الموسيقى، والشعر الرائق...".

كما ظهر تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المعروف باسم زرياب. بذل زرياب جهوداً كبيرة لنقل الموسيقى المشرقية للغرب بعدما غادر بغداد وسافر إلى الأندلس، لينضوي تحت لواء الدولة الأموية في قرطبة.

من جهة أخرى، لعب زرياب دوراً مؤثراً في تطوير التقنيات الموسيقية عندما أضاف وتراً خامساً للعود، وأدخل على الموسيقى مقامات لم تكن معروفة قبله، أما أعظم أعماله فكان إشرافه على "دار المدنيات" التي اُفتتحت زمن الخليفة عبد الرحمن الأوسط وضمت العشرات من المغنيات البارعات في فنون الغناء والعزف.

في القرن الرابع الهجري، ازداد انتشار فن الموسيقى في جنبات العالم الإسلامي حتى قام أبو الفرج الأصفهاني بتأليف كتابه الشهير "الأغاني"، وهو موسوعة أدبية، جمع فيها الاصفهاني الأغاني والألحان المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكر الطرق المختلفة للغناء.

 

إباحة الموسيقى

بدأ الاتجاه الفقهي المُجيز للموسيقى يزداد قوة في الأندلس في القرن الخامس الهجري على يد الفقيه الظاهري الشهير أبو محمد علي بن حزم القرطبي.

في كتابه "المُحلى"، شكك ابن حزم في جميع الأحاديث التي ذكرت تحريم الغناء والموسيقى، وقال "لا يصح في هذا الباب -يقصد باب تحريم الموسيقى والغناء- شيء أبداً، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددنا في الأخذ به...".

في الوقت نفسه تقريباً، كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقود حملة روحانية صوفية لتذكية النفس في المشرق الإسلامي، فأباح الغناء والسماع باعتباره وسيلة لخلاص الروح وتحريرها.

مما قاله الغزالي في ذلك "مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج".

في العصر الحديث، تزايدت الفتاوى المُجيزة للغناء والموسيقى بشكل ملحوظ، ففي كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" تعرض الشيخ المصري محمد الغزالي لتلك المسألة الجدلية، قائلاً "النبي مدح صوت الصحابي أبي موسى الأشعري عندما سمعه يتغنى بالقرآن. وقال له (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)". يعلق الغزالي على تلك القصة "لو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى ونفر في سماعها؟".

ذهب رجل العالم السنّي يوسف القرضاوي إلى المعنى نفسه، عندما ناقش حكم الغناء في بحث منشور على موقعه الإلكتروني، قال في خاتمته "...والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح...".

هذا التوجه المُجيز للغناء، سيزداد قوة عندما يرتبط ببعض المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، فضلاً عن بعض المرجعيات الشيعية القوية في العالم الإسلامي. على سبيل المثال، قال مفتي مصر الأسبق علي جمعة في فتوى رسمية "الأغاني والموسيقى منها ما هو مُبَاحٌ سماعه ومنها ما هو مُحَرَّمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح... فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينياً أو وطنياً أو كان إظهاراً للسرور والفرح في الأعياد والمناسبات...".

المعنى نفسه، ذهب إليه شيخ الازهر السابق محمد سيد طنطاوي، عندما أجاب على سؤال حول حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورد رزق، حيث قال "سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أياً كانت آلاتها من المباحات، ما لم تكن محركةً للغرائز باعثةً على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنةً بالخمر والرقص والفسق والفجور واتُّخِذَت وسيلةً للمحرمات...".

الأمر ذاته، قال به المرجع الشيعي اللبناني السابق محمد حسين فضل الله، عندما اعتبر أنّ الأغاني "لا تدخل في باب المحرّمات، إذا ما لامست القيم الإنسانيّة والفكرية العميقة في مضمونها، وترافقت مع موسيقى راقية".

في السنوات الأخيرة، بدأ الموقف الفقهي المتسامح مع الموسيقى والغناء يكسب أرضاً جديدة في السعودية وباقي دول الخليج العربي، تزامن ذلك التغيير الفقهي مع تغير سياسة النظام الحاكم في السعودية عقب وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في سنة 2017.

وتُعدّ فتوى الشيخ السعودي عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، التي أباح فيها الغناء، من أشهر الحالات المبينة لتغير وجهة نظر بعض الفقهاء بخصوص الحكم في تلك المسألة.

أكد الكلباني في فتواه أن الغناء مباح "شريطة ألا يصحبه مجون أو سكر أو تلفظٌ بكلامٍ ماجن"، وأنه "لا يوجد نص صريح في الكتاب أو السنة ينص على تحريم الغناء"، كما ذكر أنه "يمكن تعليم الموسيقى في مدارس السعودية".

أثارت الفتوى الكثير من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها، خصوصاً بعدما تبعتها فتوى مشابهة من الداعية الإماراتي وسيم يوسف، إذ تراجع في فتواه عن رأيه السابق في تحريم الموسيقى، وقال في برنامجه "من رحيق الإيمان"، الذي تبثه قناة "أبو ظبي" إن أدلة تحريم الموسيقى "ضعيفة. ولا يمكن التعويل عليها".

اُنتقدت  تلك الفتاوى من قِبل العديد من علماء السعودية المحافظين على النهج الوهابي السلفي. في هذا السياق، قال مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، إن "الدعاة الذين غيروا مواقفهم تجاه الغناء وسماع الموسيقى منتكسون عن الحق"، واستبعد أن تكون خطوة تغيير آرائهم نابعة من مراجعات فكرية حقيقية.