يحتفل المسلمون بميلاد النبي محمد في الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام.
يحتفل المسلمون بميلاد النبي محمد في الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام.

اعتاد المسلمون على الاحتفال بميلاد النبي محمد في الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام. وكما هي العادة، يُثار النقاش حول حكم الاحتفال بهذا العيد مع اقترابه. تُجيز الكثير من المؤسسات الدينية الرسمية، مثل الأزهر، هذا الاحتفال وتعتبره نوعًا من أنواع الخير والتقوى وإظهار الحب للنبي. في المقابل، يرفض تيار آخر، خاصة السلفيون، هذا الاحتفال ويعدّه بدعة خارجة عن صحيح الدين. نلقي الضوء في هذا المقال على مسألة الاحتفال بالمولد النبوي. كما نستعرض أهم المحطات التاريخية التي مر بها هذا الاحتفال على مر القرون.

 

دار الإفتاء والأزهر: يجوز الاحتفال

 

تؤكد دار الإفتاء المصرية ومشيخة الأزهر جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. على الصفحة الرسمية لدار الإفتاء على تويتر أو فيسبوك مثلا، يمكن رصد العديد من الفتاوى والمنشورات التي نشرت بالتتابع خلال الأيام القليلة الماضية، والتي تؤكد كلها إباحة الاحتفال في يوم الثاني عشر من ربيع الأول. تقول إحدى هذه المنشورات: "احتفلوا بميلاد رسول الله.. ولا تلفتوا لمن يحرم ذلك!". ويقول منشور آخر: "الاحتفال بالمولد النبوي الشريف جائز.. وهذا هو الدليل".

وعلى الموقع الرسمي لدار الإفتاء نقرأ الفتوى التالية: "الاحتفال بذكرى مولد سيد الكونَين وخاتم الأنبياء والمرسلين.. من أفضل الأعمال وأعظم القربات". وذكرت الفتوى أن هناك "سندًا شرعيًا" للاحتفال. تقول: "وقد دَرَجَ سلفُنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفالِ بمولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه بإحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن والأذكار، وإنشاد الأشعار والمدائح.. ونَصَّ جماهيرُ العلماء سلفًا وخلفًا على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف".

 في السياق نفسه، أجازت فتوى ثانية التوسعة على الناس في هذا اليوم تحديدًا، فنصت على أنه "من جملة الفرح ما يقوم به بعضُ الناس من إطعام الطعام وعمل الولائم وذبح الذبائح، وهذا ما نص علماء الأمة على مشروعيته… وهذا من قبيل الطاعات التي يفعلها المسلمون في هذه المناسبة، فقد نص العلماء على مشروعية الصدقة فرحًا واحتفالًا بمولده صلى الله عليه وآله وسلم…".

امتدت الإباحة أيضًا إلى مختلف الشعائر والطقوس الشعبية التي اعتاد الناس ممارستها في هذا اليوم، والتي تتصدرها حلوى المولد. ردت دار الإفتاء على سؤال حول حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بشراء حلوى المولد؟ بفتوى جاء فيها "...ويندب إحياء هذه الذكرى بكافة مظاهر الفرح والسرور، وبكل طاعة يُتقرب بها إلى الله عز وجل، ويَدخُل في ذلك ما اعتاده الناسُ من شراء الحَلوى والتهادي بها في المولد الشريف".

يتفق رأي دار الافتاء المصرية والأزهر مع رأي الأغلبية الغالبة من المؤسسات الدينية الرسمية في شتى أنحاء العالم السني. على سبيل المثال تنظم المملكة المغربية الحفلات في ذكرى المولد النبوي، ويتم إحياء تلك المناسبة في جامع القرويين التاريخي بفاس. أيضا نُقل جواز الاحتفال بتلك المناسبة عن جمع من علماء الزيتونة بتونس. على سبيل المثال، يقول محمد الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير: "جعل الله المواقيت المحدودة اعتبارًا يشبه اعتبار الشيء الواحد المتجدد، ومنه أخذ العلماء تعظيم اليوم الموافق ليوم ولادة النبي...".

وفي السياق ذاته، أكد الشيخ الشاذلي النيفر في كتاب "أم القرى في مدح خير الورى" شرعية هذا الاحتفال بقوله: "فليلة المولد ليلة شرفت بميلاده فكان الدين سرور بيومه وافتخار... فحق على كل مؤمن أن يحتفل بظهور هذا النبي الشريف المخبر عن قدره المنيف ولهذا لم يزل أهل الإيمان يحتفلون بشهر مولده بفعل الخيرات والتصدق بأنواع الصدقات وإظهار السرور فيه وزيادة المبرات".

 

الرأي الرافض للاحتفال: شيوخ السلفية

 

على الجهة المقابلة، رفض العلماء المنتمون إلى المنهج السلفي الاعتراف بذكرى مولد النبي في الثاني عشر من ربيع الأول. وقطعوا بأن الاحتفال في ذلك اليوم ما هو إلا بدعة مستحدثة مذمومة ليس لها سند في الدين أو الشريعة. وقد أوضح الرئيس الأسبق لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، عبد العزيز بن باز، الرأي السلفي المعتمد في تلك المسألة بقوله: “المولد لم يرد في الشرع ما يدل على الاحتفال به، لا مولد النبي ولا غيره. فالذي نعلم من الشرع المطهر وقرره المحققون من أهل العلم أن الاحتفال بالموالد بدعة. لا شك في ذلك؛ لأن الرسول وهو أنصح الناس وأعلمهم بشرع الله، وهو المبلغ عن الله لم يحتفل بالمولد مولده، ولا أصحابه، لا خلفاؤه الراشدون".

سار دعاة السلفية المصريون على المنهج ذاته. على سبيل المثال، أكد الداعية السلفي مصطفى العدوي على أن تاريخ ميلاد النبي غير معروف، وأن الاحتفال بالموالد لم يفعله الرسول ولا الصحابة. وكذلك أفتى الداعية أبو إسحاق الحويني بأن الاحتفال بالمولد لم يُنقل عن النبي ولا الصحابة ولا أي من العلماء المعروفين الأولين، وأنه لمّا كان الأصل في القربات المنع حتى يرد دليل بالإذن، ولمّا انعدم وجود الدليل الصحيح في تلك المسألة، فإن الاحتفال بالمولد باطل وحرام شرعًا.

ولجأ الداعية السلفي ياسر برهامي إلى المنطق ذاته عندما سُئل عن أكل اللحم يوم المولد النبوي، فأجاب أن التوسعة يوم المولد النبوي من قِبيل الاحتفال المذموم، وأن تخصيص أكل اللحم يوم المولد من البدعة، كما أنه لا يجوز تخصيص هذا اليوم بالصيام لأن هذا العيد مُخترع من قِبل الفاطميين.

 

التطور التاريخي للاحتفال بالمولد النبوي

 

إذا ما تركنا الجدل الفقهي المُثار حول جواز الاحتفال بالمولد النبوي، سنجد أن هذا الاحتفال مر بالعديد من المحطات التاريخية المهمة. يرى أغلبية المؤرخين أن هذا الاحتفال لم يُعرف على الإطلاق في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام. ويذكر البعض -ومنهم تقي الدين المقريزي في كتابه "الخطط المقريزية"- أن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله كان أول من نظّم الاحتفال بالمولد النبوي عام 362هـ وذلك عقب انتقاله من المغرب إلى مصر.

ويتحدث الشيخ حسن السندوبي، في كتابه "تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي"، عن  الظرف التاريخي الذي تم فيه هذا الاحتفال، فيقول: "ولمّا استقر له -أي المعز لدين الله- الحكم أخذ يفكّر في الوسائل الكفيلة باستمالة القلوب، وامتلاك النفوس، واستثارة العواطف حتى تألف الأمة المصرية تصرفات هذه الحكومة الجديدة وترضى عن سياستها في إدارة البلاد، ولمّا كانت الميول العامة لطبقات الأمة المصرية متجهة إلى حب آل بيت الرسول مع الاعتدال في التشيع لهم… رأى المعز لدين الله أنّ أقرب الأسباب للوصول إلى أغراضه من هذا الميل العام الالتجاء إلى الأمور التي تمتّ بصلة إلى المظهر الديني، فهداه تفكيره إلى أن يقرر إقامة مواسم حافلة وأعياد شاملة في مواعيد مقررة وكان من أولها وأجلّها وأفضلها الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف".

عُطلت الاحتفالات بالمولد النبوي في حقبة الدولة الأيوبية. كان السبب في ذلك أن صلاح الدين الأيوبي سعي إلى إزالة جميع مظاهر التدين الشيعي من المجتمع المصري. رغم ذلك انتقلت مظاهر الاحتفال بذلك العيد إلى العراق على يد حاكم أربيل مظفر الدين كوكبوري. تحدث شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" عن مظاهر الاحتفال بالمولد في أربيل، فقال: "أما احتفاله بالمولد، فيقصر التعبير عنه. كان الخلق يقصدونه من العراق والجزيرة، وتنصب قباب خشب له ولأمرائه وتزين، وفيها جوق المغاني واللعب، وينزل كل يوم العصر، فيقف على كل قبة ويتفرج، ويعمل ذلك أيامًا، ويخرج من البقر والإبل والغنم شيئًا كثيرًا، فتنحر، وتطبخ الألوان، ويعمل عدة خلع للصوفية، ويتكلم الوعاظ في الميدان، فينفق أموالًا جزيلة".

عادة الاحتفال بالمولد رجعت مرة أخرى إلى المجتمع المصري بعد زوال الدولة الأيوبية. أظهر المماليك -الذين حكموا بعد الأيوبيين- اهتمامًا كبيرًا بالتصوف، وبالغوا في العناية بالشعائر الدينية. تحدث المؤرخ ابن إياس الحنفي، في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، عن احتفال السلطان المملوكي قنصوه الغوري بالمولد النبوي عام 922هـ، فقال: "عمل السلطان المولد الشريف النبوي على العادة، ونصب الخيمة العظيمة التي صنعها الأشرف قايتباي، قيل إن مصروفها ستة وثلاثون ألف دينار… ثم جلس السلطان في الخيمة، وحضر الأتابكي سودون العجمي وسائر الأمراء من المقدمين، وحضر القضاة الأربعة، وأعيان الناس من المباشرين على العادة، ثم حضر قراء البلد قاطبة والوعاظ على العادة، ثم مد السلطان السماط الحافل وأوسع في أمره، وكان ذلك اليوم مشهودًا وأبهج مما تقدم من الموالد الماضية".

استمر الاحتفال بالمولد النبوي قائمًا في مصر في ظل السيطرة العثمانية. ومن الغريب أن المصريين لم يتوقفوا عن ممارسة تلك العادة في ظل الاحتلال الفرنسي والاحتلال الإنجليزي. على سبيل المثال وصف عبد الرحمان الجبرتي مظاهر الاحتفال التي تمت سنة 1798م تحت رعاية نابليون بونابرت في كتابه الشهير، “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”، قائلا: “سأل ساري عسكر نابليون عن المولد النبوي لماذا لم يعملوه كعادتهم؟ فاعتذر الشيخ خليل البكري بتعطيل الأعمال، وتوقف الأحوال، فلم يقبل، وقال: لا بد من ذلك، وأعطى له 300 ريال فرنسي معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولد ولعبوا ميادينهم، وضربوا طبولهم، ودبابدهم، وأرسل الطبلخانة الكبيرة إلى بيت الشيخ البكري، واستمروا يضربونها بطول النهار والليل ببركة الأزبكية تحت داره، وهي عبارة عن طبلات كبار مثل طبلات النوبة التركية، وعدة آلات ومزامير مختلفة الأصوات مطربة. وعملوا في الليل حراقة نفوط مختلفة…"!

 

مواضيع ذات صلة:

مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح.
مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح. خ

يشيع في الدول العربية استخدام تسمية "النصارى" للإشارة إلى المسيحيين، وهذا مردّه إلى أن القرآن يسمّي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى"، لا بـ"المسيحيين".

وانسحب هذا على العديد من الكتّاب والمؤرخين، فضلاً عن الاستخدامات اليومية في الشارع العربي.

وقد أثار هذا الإسخدام جدلاً تاريخياً حول التمييز بين المسيحيين والنصارى، بلغ ذروته في ستينات القرن الماضي، خصوصاً أن معظم مسيحيي الشرق لا يسمّون أنفسهم بهذه التسمية، ولا يعتبرونها مرادفاً لـ"المسيحية" حتى.

الجدل عاد حول هذه التسمية في فترة سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة من العراق، وخصوصاً الموصل التي تعيش فيها طائفة مهمة من المسيحيين، الذين جرى تهجيرهم من قبل التنظيم الإرهابي، وقام عناصره بكتابة حرف "ن" كبير على بيوتهم للدلالة إليهم، والنون هنا تعود إلى النصارى.

الباحث السوري المتخصص في الحوار الإسلامي المسيحي روجيه أصفر يقول لـ"ارفع صوتك" إن تسمية المجموعات أو الطوائف أو الأشخاص يجب أن تؤخذ من مصادرها، أي يجب أن نسأل المسيحيين بماذا يفضلون أن ينادون.

أصفر يقترح أن نقلب الأدوار: هل يسمح المسلمون لباقي المكونات أن يطلقوا عليهم اسماً مختلفاً عن مسمى "المسلمين"؟ ويتابع: "يجب أن نحترم الاسم التي تختار أي جماعة أن تطلقه على نفسها".

لكن أصفر يتفهم أن بعض المسلمين يستندون في هذا الخصوص إلى كتابهم المقدّس وهو القرآن، ويشعرون بالتالي بحرية تسمية المسيحيين كما أسماهم القرآن (النصارى)، وبعضهم، بحسب أصفر، "سيظلّ متمسكاً بهذه التسمية كونها صادرة عن كتاب منزل".

وبمعزل عن الجوانب الإيمانية، يشير أصفر إلى وجود لغط تاريخي في التسمية، وأن هذا اللغط أوضحته الأبحاث التي قام بها مؤرخون مسيحيون ومسلمون.  

في العام 1972 نشرت مجلة "المسرّة" في عددها 572 بحثاً يحاول الإجابة عن سؤال "هل المسيحيون نصارى؟"، وحاولت تحليل فقرات من مقالات كتبها كتّاب مسيحيون ومسلمون في السنوات الممتدة بين 1953 و1973، بينهم الأب جورج فاخوي والمفكر المصري طه حسين، وخلصت المجلة إلى أن معظم الكتابات قبل العام 1965 كانت تخلط بين المفهومين ولا تميز بين المسيحيين والنصارى.

وفي العام 1965 يبدأ التمييز بين مفهوميّ "النصرانية" و"المسيحية"، كما تلاحظ المجلة، وذلك في مقال للأب يوسف درّة حدّاد تحت عنوان "النصارى في القرآن: أصلهم وحقيقتهم".

يكتب حدّاد في مقاله: "في القرآن ظاهرة متواترة مغزاها كبير: أنه على الدوام يسمي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى" لا بـ"المسيحيين" كما كانوا معروفين في عهده، في جميع الأقطار المسكونة، مع أنه يسمي ابن مريم الذي إليه ينتمون "المسيح عيسى ابن مريم"، أو "المسيح ابن مريم"، أو "المسيح" بدون قيد...".

ويشير الحدّاد إلى أن القرآن يعرّف عن "النصارى" على أنهم "فئة" أو "طائفة"، ويعتبرهم من "بني إسرائيل الذين آمنوا بالمسيح"، فيقول في سورة "الصف"(الآية 14): "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة. فأيّدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين".

وفي مقال آخر للأب حدّاد، تستشهد به المجلة، يقول إن النصارى لدى المسيحيين هم بمثابة "الشيعة" لدى المسلمين: "وهكذا أفضى الصراع في سبيل تحرير المسيحية من سلاسل الموسوية (نسبة إلى النبي موسى) إلى انقسامها قسمين: "سنة وشيعة": سنة "المسيحيين" وهم الوثنيون الذين اهتدوا إلى الإنجيل، والهلنيون الملقّبون بـ"اليونانيين"، ينضمون إلى الإنجيل والإيمان المسيحي ويسيرون بموجب سنّة الرسل التي قرّروها في مجمع أورشليم، وذلك بدون أي ارتباط بشريعة موسى". أما شيعة "النصارى"، فهم، بحسب حدّاد، "اليهود المتنصرون في فلسطين"، وهؤلاء "يحفظون الإيمان المسيحي متزاوجاً مع شريعة موسى وأحكامها من ختان وسبت وقبلة في الصلاة إلى أورشليم، ويتشيّعون لآل البيت، أي أقرباء السيد المسيح".

وبحسب حدّاد، "انكمشت شيعة النصارى في العام 135 ميلادي، وانعزلوا عن العالم المسيحي الأكبر بعزلتهم في مهاجرهم في شرق الأردن وسوريا والعراق والمشرق ومصر والجزيرة العربية، إلى أن جاء الإسلام، و"توارت شيعة النصارى من الوجود".

وفي مقال ثالث يصف حدّاد النصارى بأنهم "أمة وسط بين اليهودي والمسيحية".

أستاذة علم الأديان سماح حمزة، تقول في مقابلة سابقة مع قناة "الحرة"، إن "النصارى فرق شتّى، وما يجمع بينهم أن أصولهم عبرانية، وجمعوا بين التدين بشريعة موسى والمسيحية، فكانوا يبقون على شرائع يهودية مثل الختان وتقديس السبت ويعترفون بالناموس الموسوي، ويؤمنون في الوقت نفسه بالمسيح".

بمعنى آخر، يمكن القول، بحسب سماح حمزة، عن النصارى أنهم يؤمنون بنوع من "اليهودية المسيحية"، ولكن المشكلة التي عانى منها النصارى، كما تشرح حمزة، أن اليهود لم يعترفوا بهم وأقصاهم المعبد، والمسيحية الأممية البولسية لم تعترف بهم، فجرى إقصاؤهم واعتبروا هراطقة.

أما عن سبب عدم استخدام تسمية "المسيحيين" في القرآن، فتفسّر حمزة الأمر، بأن "المسيحية في كنيسة البداية انشقت إلى شقين: كنيسة أورشليم التي ترأسها يعقوب البار، وكانت كنيسة عبرانية وسميت بكنيسة الختان لأنها تتبنى الختان وسمى أتباع هذه الكنيسة أنفسهم بالنصارى نسبة إلى يسوع الناصري، في مقابل الكنيسة البولسية التي أسسها بولس وضمت معظم الأمم حينذاك، ولذلك سميت بالكنيسة الأممية، وأتباع هذه الكنيسة سموّا بالمسيحيين".

الفرقة التي قصدها القرآن وسماها النصارى هي بحسب حمزة، "الأبيونية" وكانت موجودة في شبه الجزيرة العربية، في مكة واليمن، ولم تكن بدورها متجانسة إذ كانت جزءاً من جماعات "مسيهودية"(الجمع بين المسيحية واليهودية) منتشرة في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. والقرآن كان يعني هذه الفئة الصغيرة الأبيونية وليس غيرها. والمشكلة حصلت في الردود التي كتبها مسلمون على النصارى، وشملوا فيها جميع المسيحيين. فيما تشير حمزة إلى أن "الفرق المسيحية التي انتشرت في بلاد الشام والعراق ومصر بعد الفتوحات الإسلامية، كانت بولسية وغير نصرانية، وأصولها ليست عبرانية".