انشغل الفقهاء قرونا طويلة في النقاش حول تحريم الشاي والقهوة.
انشغل الفقهاء قرونا طويلة في النقاش حول تحريم الشاي والقهوة.

انشغل فقهاء المذاهب الإسلامية طوال قرون في استنباط الأحكام الشرعية لتعاطي المشروبات الناتجة من مغلي حبوب البن اليمنية (القهوة)، وأوراق نبتة الشاي الصينية. ودارت بينهم معارك فقهية ومناظرات شعرية بين التحريم والإباحة، إلى أن ظهرت موسوعة الطبيب المصري أحمد حسن الرشيدي (1817- 1865) المسماة "عمدة المحتاج في علمي الأدوية والعلاج" لتكون الأساس الطبي الذي اعتمده فقهاء القرن التاسع عشر في الاستدلال على إباحة تلك "المُحدثات"، بعد أن تبين لهم أنها لا تقع تحت بند "الخبائث" المحرمة في الإسلام.

والرشيدي هو الطبيب العربي الأول الذي درس الطب الحديث في باريس مبعوثاً من الحكومة المصرية، وعند عودته إلى القاهرة في العام 1838، بدأ بوضع موسوعته الضخمة في أربعة أجزاء كبيرة متضمنة جميع ما يخض الأدوية والمواد الكيميائية وخواصها العلاجية، إضافة إلى خواص النباتات ومضارها ومنافعها، ومن ضمنها نتائج التحاليل التي أجريت في مختبرات باريس على القهوة والشاي، والتي بينت بشكل علمي مختلف تأثيراتهما الصحية والنفسية والعقلية، وطبيعة تلك التأثيرات. 

 

ظهور غامض

 

على الرغم من ظهور مغلي ثمار شجيرة البن في العصر المملوكي، إلا أنه لم ينتشر على نطاق واسع في العالم إلا على يد العثمانيين بعد أن فتحوا دمشق، ووجدوا فيها من جملة ما وجدوا من غرائب "بيوت القهوة"، فنقل أحد الدمشقيين على ما يبدو إلى إسطنبول هذه العادة التي انتقل الخلاف حولها إلى القصر السلطاني نفسه، بين حرم سلطان وزوجها سليمان القانوني.

ويمكن القول إن الإشارة الأولى إلى تحريم القهوة وردت عند الطبيب والفقيه محمد بن مسعود الكازروني (توفي عام 1357م)، إذ وضع مؤلفاً طبياً فقهياً بعنوان "رسالة في تحريم القهوة"، مما يعد دليلاُ قاطعاً على ظهورها وانتشارها في ذلك الوقت المبكر، خلافاً للمعلومات الشائعة التي تجعل ظهورها بعد ذلك بمائة عام. علماً أن رسالة الكازروني عرفت من خلال الرد عليها من جانب الفقيه الشافعي الشيخ فخر الدين المكي (1434-1484م) برسالتين الأولى اسمها "إثارة النخوة بحكم القهوة"، والثانية "إجابة الدعوة بنصرة القهوة".

ويخبرنا المؤرّخ الدمشقي نجم الدين الغزي (1570-1651م) في كتابه "الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة" أن الشيخ أبو بكر بن عبد الله الشاذليّ، الملقّب بالعيدروس أو العيدروسيّ، قدم دمشقَ من اليمن حاملاً معه القهوة، وتوفّي فيها سنة 1503 م. ولدى المؤرخ ابن طولون الصالحي (1475- 1545 م) رواية أخرى يذكر فيها أثناء حديثه عن قاضي مكة وشيخ الحرم ابن الضياء (توفي 1534م)، حين أقام فيها لسماع المولد لدى الشيخ علي الكيزواني أنه شرب مع الجماعة القهوة، المتخذة من البن، ويقول إنه لا علم له أنها شربت في بلدنا قبل ذلك".

 

فتاوى بمكة بالتحريم

 

ينقل ابن طولون جملة من الفتاوي بتحريم القهوة مثل فتوى الشيخ مكي بن الزبير العدوي صاحب رسالة "قمع الأمارة بالسوء عن الشهوة: بيان حرام شرب القهوة"، وفتوى حسن بن كثير الحضرمي المكي صاحب "قمع الشهوة عن شرب القهوة"، ومحمد القطان الشافعي خطيب المدينة وصاحب "زلة القدم والهفوة ممن يتعاطى شرب القهوة"، إضافة إلى جملة من علماء مصر أمثال ابن أبي شريف الشافعي، وشيخ القراء عبد الحق السنباطي الشافعي، وقاضي القضاء السري ابن الشحنة الحنفي، وشيخ الشيوخ إبراهيم بن موسى الطرابلسي، وقاضي القضاء الشرفي يحيى الدميري المالكي.

وفي مقابل رأي هؤلاء الفقهاء كان الفقيه الشافعي فخر الدين أبو بكر المكي من دعاة إباحتها، وألف رسالة بعنوان "إزالة الهفوة بتحريم شرب القهوة".

 

منع سلطاني

 

لكن التحريم الرسمي جاء من جانب السلطان سليمان القانوني حين عرض قاضي دمشق الشيخ محمد بن عبد الأول الحسيني مطلع عام 1545م الأمر عليه، فجاء الأمر بإبطالِها عام 1546م. وقد استند السلطان سليمان إلى إحدى فتاوي شيخ الإسلام أبو السّعود العمادي، الذي اعتبر المقهى "اجتماعا للفسقة"، وأنه "ما أكب أهل الفجور على تعاطيه فينبغي أن يتجنبه من يخشى الله ويتقيه".

وحدث شيء مماثل في القدس، إذ كتبَ قاضيها إلى السلطان سليمان يطلب منه إغلاق المقاهي فيها، وكانت خمسة، فتجاوبَ السلطان وأمر بذلك في عام 1565م. ولكن فور وفاة السلطان عادت الأمور إلى نصابها، وبقيت الآراء حولها مختلفة إذ أصدرَ شيخ الإسلام بستان زاده محمد أفندي (1589 -1592) فتوى صريحة في إباحة القهوة.

وبعد سنوات، أصدر السلطان مراد الرّابع (1623 – 1640م) قراراً بتحريم القهوة وأعدم عدداً ممن تجاهلوا المنع، غير أن السلطان محمد الرابع (1648 - 1687) سرعان ما سمح بإعادة افتتاح المقاهي وشرب القهوة فيها. ومن أشهر الفقهاء الذين أباحوا شرب القهوة في ذلك الزمن، الشيخ ابن شَرَف الدين الخليلي الشافعيّ (توفي عام 1734م) في كتابه " فتاوي الخليلي على المذهب الشافعي"، حيث يقول: "وأما القهوة فخلاصة القول فيها أنها من الجائز تناوله المباح شربه كسائر المباحات مثل اللبن والعسل ونحوهما".

 

القاسمي والدليل الطبي

 

في القرن التاسع عشر، أصدر الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي (1866-1914م) فتوى قاطعة بإباحة شربها هي والشاي مستنداً على ما قرأ عنها في موسوعة الرشيدي الطبية.

ويتلخص رأي الطبيب الرشيدي بأنها، أي القهوة، "شراب مهضم مقو للمعدة مثيرة للدورة، مظهر للقوى العقلية، مساعد على التنفس الجلدي والإفراز، سار مفرح للنفس، منعش مهيج لقوى الجسم، وهو مشروب الكتاب والمدرسين والمطلعين للكتب، والمعلمين للعلوم الأدبية والصناعية والشعراء وأهل الأدب، وإذا استعمل بعد الأطعمة الثقيلة فإنه يقوي الهضم، ويناسب بالأكثر سكان البلاد الرطبة والمغيمة والمعتدلة وغير ذلك". ويضيف الرشيدي: "منقوع البن يشاهد أنه قد يضر بعض الناس، وقد يرغب فيه آخرون، لكونه يمنع عنهم النوم بعد الأطعمة الخفيفة في غير المعتادين عليه، هو جواء ثمين في هذه الحالة لأنه ينال منه انكشاف للتصورات، ونورانية للتعقلات، وراحة تعين على سهولة الاشتغال".

ويتابع الرشيدي متحدثاً عن مزحها بالحليب وفوائد ذلك المزج حيث يقول: "اعتاد معظم الناس بأوروبا ذكوراً وإناثاً على التغذي في الصباح بالقهوة الممزوجة باللبن، ويفضلون هذا الغذاء على غيره، ويستعملونه مع لقيمات من الخبز، فيكون ذلك مقبول الطعم والرائحة ويسهل الاستمراء والانحدار".

ويأتي الرشيدي على رأي الطبيب السوري الشهير داود الأنطاكي (1543- 1599م) في مذكرته حيث قال: "وقوم يشربونه، أي البن، باللبن وهو خطأ يخشى منه البرص". ويعلق قائلاً: "الأوروبيون المستعملون لذلك لا تجد أحداً فيهم مريضاً بالبرص".

 

إباحة الشاي

 

أما ما يتعلق بالشاي فقد أباحه الشيخ القاسمي إباحة نهائية، كما يقول مستنداً أيضاً إلى رأي الطبيب أحمد حسن الرشيدي الذي أوضح في موسوعته أن "اسم الشاي وارد من لغة الصين، ويسمونه بجملة أسماء مثل تا وتيا وتين، أما الاسم المتداول شاي فيرجح أنه وصل إلى العربية من الفارسية جاي". ويؤكد الرشيدي أن الطبيب الهولندي نيكولاس تولب (1593- 1674م) هو أول من تكلم عن الشاي بعد أن تعرف عليه الهولنديون أولاً، تلاهم الإنكليز والأوروبيون الشماليون ثم فرنسا وباقي دول العالم.

وبعدها، يتحدث عن أصنافه وألوانه، وطرق تحضيره وشربه. يقول إنه يساعد على الهضم، ويقوي المعدة، وينبه الذهن ويسبب "ثوراناً خفيفاً في التصورات بتأثيره على المخ، ويزيد في القوة الجنونية زيادة وقتية، ويسبب راحة واطمئناناً، ولكن بدرجة أقل وضوحاً من القهوة".

ويسهب الرشيدي في تبيان الخواص الطبية للشاي من قبيل تسهيله للهضم، ووجود خاصية القبض، إضافة إلى تأثيره على الأعصاب لأنه ينبهها، كما أن له مزايا تمنع في شفاء وجع القلب، ومنع تشكل الحصاة". وبناء على ذلك أفتى الفقهاء المسلمون بإباحة الشاي من دون تردد، وذلك لخواصه الطبية والعلاجية التي بينتها موسوعة الطبيب أحمد الرشيدي، ووصل الأمر ببعض الشيوخ أن نظموا أراجيز في مدح الشاي مثل أرجوزة الشيخ محمد المبارك الجزائري ثم الدمشقي التي مطلعها:

قهوة الشاي وهي ألطف قهوة      لم تدع لي في قهوة البن شهوة

والغريب أن بعض الفتاوى التي حرمت القهوة والشاي لم تحرمهما بسبب ضرر المادة، بل بسبب اجتماع شاربيها في منتديات عامة، تشبه حانات الخمر، فاعتبروا أن ضررها يشبه ضرر تلك الحانات، فهي تشجع على الكسل والنميمة والبطالة، وتمنع الرجال من القيام بواجباتهم الدينية. وذهبت بعض فتاوى شيوخ المالكية في المغرب إلى تحريم الشاي بسبب أنه بضاعة غربية مستوردة، أي أن الفتوى تقع ضمن مقاطعة بضائع الأعداء.

مواضيع ذات صلة:

أردوغان يشارك في جنازة الزعيم الروحي لجماعة "إسماعيل آغا".

شهدت مدينة إسطنبول التركية،  الثلاثاء الماضي، تشييعاً شعبياً ورسمياً للزعيم الروحي لجماعة "إسماعيل آغا" الصوفية التركية، حسن أفندي كيليتش، الذي تُوفي عن عمر يناهز 94 عاماً.

وشارك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في التشييع بنفسه رفقة عدد من المسؤولين الحكوميين، ما يشير إلى المكانة العالية التي حظي بها "كيليتش" وجماعته الدينية.

 

حليف أردوغان الأبرز

تزعّم حسن أفندي جماعة "إسماعيل آغا" بعد نحو عامين من وفاة الشيخ السابق للجماعة، محمود أوسطه أفندي، في يونيو 2022. وكان آخر ظهور إعلامي له في 30 مارس الماضي، عشية انتخابات البلديات، حين زاره أردوغان في بيته، في خطوة تشير إلى حجم وتأثير هذه الجماعة التي تُقدّر أعداد أفرادها بالملايين، وتوصف بأنها "الحليف الديني الأبرز" للرئيس التركي.

يتبع أتباع "جماعة إسماعيل آغا" الطريقة النقشبندية التي تُعد من أشهر الطرق الصوفية في الشرق الأوسط.

تأسست الجماعة في ثمانينات القرن الماضي على يد الشيخ محمود عثمان أوغلو، شيخ الطريقة النقشبندية التركية، الذي ولد في ولاية طرابزون شمال تركيا عام 1929، وبقي إماماً لمسجد إسماعيل آغا في إسطنبول إلى العام 1996.

 خلال تلك الفترة جذب أوغلو من خلال دروسه ومحاضراته مئات الآلاف من الطلبة والمريدين الذين كانوا يأتون إليه من جميع الولايات التركية لسماعه، في ظل توجّه عام لدى المجتمع التركي نحو تقديس الطرق الصوفية كإرث ديني وحضاري منذ أيادم الدولة العثمانية التي قرّب سلاطينها مشايخ الصوفية، حتى إن بعض هؤلاء السلاطين اتخذوا من المشايخ وزراء ومستشارين، كما فعل السلطان، محمد "الفاتح"، وغيره.

 

مواجهة الانقلاب

زادت جماعة "إسماعيل آغا" من رصيدها الشعبي من خلال توسيع نشاطها وعدم  اقتصارها على نشاط المساجد والوعظ والخطب والدروس الدينية، إنما امتدّ تأثيرها في عدة مجالات بالمجتمع، فكان لها مدارس وجمعيات خيرية ونشاطات تجارية واجتماعية أخرى عزّزت من خلالها نفوذها المجتمعي حتى باتت رقماً حاضراً ومؤثراً في الانتخابات البرلمانية أو المحلية والرئاسية في البلاد. وهذا ما يفسر حرص أردوغان على زيارة زعيم هذه الجماعة قبيل أي انتخابات، في دعم صريح من هذه الجماعة لحزب العدالة والتنمية والرئيس التركي.

وخلال تاريخها شكّلت جماعة "إسماعيل آغا" أحد أبرز المدافعين عن "التراث الديني" للمجتمع التركي في مواجهة العلمانية التي بدأت بحكم مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية.

ولذلك لم يكن غريباً أن تدعم الجماعة مختلف الأحزاب الإسلامية في البلاد وعلى رأسها حزب الرفاه بزعامة، نجم الدين أربكان،، الذي يعد الأستاذ السياسي والفكري للرئيس التركي الحالي، قبل أن يندلع الخلاف بينهما.

وفي عهد أردوغان حظيت الجماعة باهتمام حكومي خاص ودعم سخيّ، وبات أفرادها بمثابة حزب ديني مؤيد لأردوغان، وهو ما ظهر بشكل جلي ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، حيث خرج معظم أتباع الجماعة إلى الشوارع والساحات في مواجهة الانقلاب.

ويعيش أفراد الجماعة في تركيا حياة مختلفة تماماً عن نمط معيشة الطبقات الاجتماعية الأخرى، إذ لا يزالون يحافظون على مبادئ دينية معينة، ويرتدون زياً إسلامياً تراثياً، مع حرص كثير منهم على تعلم اللغة العربية والتحدث بها كنوع من الحفاظ على الموروث الديني من جهة.