A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
عراقية تتظاهر أمام مبنى محكمة الأحول الشخصية في بغداد ضد زواج القاصرات في العراق

لم يحدد الإسلام سنا معينا للزواج. بقي تحديد السن أمراً مرهوناً بالمقام الأول بالظروف الخاصة بكل مجتمع. نلقي الضوء في هذا المقال على قضية زواج القاصرات، لنبيّن الاختلاف الفقهي الواقع في المسألة، ولنوضح كيف تناولتها المدونات القانونية ومجلات الأحوال الشخصية في العديد من الدول العربية.

 

الفقه بين تأييد ومعارضة زواج القاصرات

 

يرى الكثير من الفقهاء المسلمين القدامى جواز تزويج الفتاة القاصر قبل بلوغها. استند هؤلاء إلى مجموعة من الأدلة التي بنوا عليها فتواهم. أول تلك الأدلة ورد في القرآن. جاء في الآية الرابعة من سورة الطلاق "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يحضن وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حملهن وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا". يذهب هؤلاء الفقهاء إلى أن جملة "وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ" تشير إلى إمكانية زواج الفتاة الصغيرة قبل أن تصل لسنّ الحيض. اتفق العديد من المفسّرين على هذا القول. من أشهرهم: ابن جرير الطبري، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي. على سبيل المثال ورد في تفسير الطبري في شرح تلك الآية "… وكذلك عدّة اللائي لم يحضن من الجواري لصغرهنّ إذا طلقهن أزواجهن بعد الدخول".

يحتج هؤلاء الفقهاء أيضاً ببعض الأحاديث النبوية. ورد في كل من صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة بنت أبي بكر أن النبي تزوّجها وهي بنت ست سنين، وأنها قد أُدخلت عليه وهي بنت تسع سنين. أيضاً، أوردت المصادر التاريخيّة، ومنها على سبيل المثال "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، خبر تزويج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب، ولم تكن قد بلغت الحادية عشر من عمرها بعد.

استناداً إلى تلك الأدلة، ذهب الكثير من علماء الدين القدامى إلى أن هناك "إجماعاً" حول إجازة زواج الصغيرة. ذكر أبو الحسن علي بن بطال القرطبي في كتابه "شرح صحيح البخاري" أنه "أجمع العلماء على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم، وإن كنّ في المهد!". المعنى نفسه أورده ابن عبد البر المالكي في كتابه "الاستذكار". نقل ابن عبد البر "إجماع العلماء على أن للأب أن يزوّج ابنته الصغيرة ولا يشاورها".

كذلك أوضح عبد الرحمن بن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه "الشرح الكبير على متن المقنع" الرأي الراجح المُجمع عليه عند الحنابلة في المسألة، بقوله: "فأما الإناث، فللأب تزويج ابنته البكر الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين بغير خلاف". لم تقتصر تلك الآراء على فقهاء السنة فحسب. بل انتشرت أيضاً عند فقهاء الشيعة الإمامية. على سبيل المثال، يقول آية الله الخميني في كتابه تحرير الوسيلة أنه "لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين"، بمعنى أن هذا السن يعد بمثابة حد أدنى.

على الجانب الآخر، توجد بعض الأدلة الفقهية، وأغلبها معاصرة، التي ترى عدم جواز زواج الصغيرة. فيما يخص الآية الرابعة من سورة الطلاق، فسرها الفقيه التونسي محمد الطاهر ابن عاشور بمعنى مختلف في كتابه "التحرير والتنوير". يقول ابن عاشور "... والوُقُوفُ عَلى قَوْلِهِ "واللّائِي لَمْ يَحِضْن"، أيْ هُنَّ مَعْطُوفاتٌ عَلى الآيِسِينَ. واليَأْسُ: عَدَمُ الأمَلِ. والمَأْيُوسُ مِنهُ في الآيَةِ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ "فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ" أيْ يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ سَواءً كانَ اليَأْسُ مِنهُ بَعْدَ تَعَدُّدِهِ أوْ كانَ بِعَدَمِ ظُهُورِهِ، أيْ لَمْ يَكُنِ انْقِطاعَهُ لِمَرَضٍ أوْ إرْضاعٍ". يعني ذلك أن المقصودات من جملة "واللّائِي لَمْ يَحِضْن" هن النساء البالغات اللاتي لا يظهر عليهن علامات البلوغ والنضج. يتسق ذلك التفسير مع بعض الأمراض التي عرفها العرب القدامى. ومنها المرض الذي سُميت من أُصيبت به باسم "الضهياء". وهي "المرأةُ التي لا تَحيضُ ولا تَحْمِلُ، أو تَحِيضُ ولا تَحْمِلُ، أو لا يَنْبُتُ ثَدْياها" وذلك بحسب ما يذكر الفيروزآبادي في "القاموس المحيط".

أيضاً يأتي الحديث الشهير الوارد في صحيح مسلم: "لا تُنكح الأيمُ حتى تستأمر ولا تُنكح البِكْر حتى تستأذن"، كأحد الأدلة التي يستند إليها الفقهاء الرافضون لزواج الصغيرة. يرى هؤلاء أن دلالة الحديث واضحة وأنه يربط بين موافقة المرأة وعقد زواجها. ويستلزم ذلك بالتبعية أن تكون المرأة بالغة عاقلة لأنه لا معنى من سؤال الطفلة وتخييرها.

بناء على ما سبق، فإن بعض الفقهاء عارضوا زواج الصغيرة قبل البلوغ. من هؤلاء الفقيه العراقي عبد الله بن شبرمة في القرن الثاني الهجري، والمتكلم المعتزلي أبو بكر الأصم في القرن الثالث الهجري، والفقيه الأندلسي ابن حزم في القرن الخامس الهجري. على سبيل المثال، يقول ابن حزم في كتابه المُحلى: "فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا خِلافٌ: قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لا يَجُوزُ إنْكَاحُ الأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ إلا حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ، وَرَأَى أَمْرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خُصُوصاً لِلنَّبِيِّ، كَالْمَوْهُوبَةِ، وَنِكَاحُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ".

 

القانون يحسم المسألة

 

اتفقت الأغلبية الغالبة من القوانين المعروفة في الدول العربية على التأكيد على منع زواج الصغيرة قبل البلوغ. اتفق ذلك مع العديد من الفتاوى الحديثة التي أدلى بها الكثير من الشيوخ والفقهاء المعاصرين. على سبيل المثال حدد قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959م سن الزواج بثمانية عشر عاماً. ولم يفرق في ذلك بين الذكر والأنثى. رغم ذلك، أفسح القانون المجال لزواج من هم دون الثمانية عشر عاماً بشرط موافقة الولي أو القاضي. جاء في المادة الثامنة من القانون: "إذا طلب من أكمل الخامسة عشرة من العمر الزواج، فللقاضي أن يأذن به، إذا ثبت له أهليته وقابليته البدنية، بعد موافقة وليه الشرعي. فإذا امتنع الولي طلب القاضي منه موافقته خلال مدة يحددها له، فإن لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار، أذن القاضي بالزواج".

تتسق تلك المواد مع الفتوى الشهيرة الصادرة عن مكتب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني في سبتمبر 2019. جاء في تلك الفتوى "...يتعين على السلطات المعنية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة عن هذه التصرفات المشينة -يقصد زواج القاصرات- أينما كانت".

وتضيف الفتوى: "كان زواج الصغار -أي زواج غير البالغة من البالغ- أمراً متداولاً في العديد من المجتمعات الشرقية إلى وقت قريب… ولكن لوحظ انحساره في الزمن الراهن… وما نريد التأكيد عليه هو: أنه ليس لولي الفتاة تزويجها إلا وفقاً لمصلحتها، ولا مصلحة لها غالباً في الزواج إلا بعد بلوغها النضج الجسمي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية، كما لا مصلحة لها في الزواج خلافاً للقانون بحيث يعرضها لتبعات ومشاكل هي في غنى عنها".

في السياق نفسه، شدد القانون المصري على منع زواج القاصرات. نصت المادة 80 من الدستور المصري على أنه "يعد طفلاً كل مَن لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره....". وبحسب مواد قانون الأحوال المدنية، فإن المادة 31 مكرر، وضعت شروط سن إتمام توثيق الزواج، وجاء نص المادة: "لا يجوز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة". ونصت المادة رقم 227 فقرة 1 من قانون العقوبات المصري: "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد عن ثلاثمائة جنيه، كل من أبدى أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانوناً لضبط عقد الزواج أقوالاً يعلم أنها غير صحيحة، أو حرر أو قدم لها أوراقاً كذلك، متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق". مؤخراً، ناقش مجلس النواب المصري تغليظ العقوبة على كل الأطراف المشاركة في جريمة تزويج الأطفال. وفى إبريل من العام الحالي - وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون جاء فيه: "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل على خمسمائة ألف جنية جنيه كل من أبدي سوا أكان المأذون أو الزوج أو الشهود أو الولي أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانوناً لضبط عقد الزواج أقوالاً يعلم أنها غير صحيحة أو حرر أو قدم لها أوراقاً كذلك متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق".

نلاحظ أن تلك القوانين والتشريعات أتت متوافقة مع العديد من الفتاوى والآراء الدينية التي ذهب أصحابها لتجريم ممارسة زواج القاصرات في العصر الحاضر. على سبيل المثال أكد شيخ الأزهر أحمد الطيب "أن سن قوانين في عصرنا الراهن للقضاء أو الحد من ظاهرة زواج القاصرات عن طريق تحديد سن معينة للزواج أمر لا يخالف الشريعة الإسلامية في شيء… وأن مسألة تحديد سن لزواج الفتيات تخضع لظروف العصر وللتغير".

وكذلك  صدر عن دار الإفتاء المصرية فتوى جاء فيها "...والقول بمنع هذا النوع من الزواج هو المعتمد في عصرنا ومصرنا شرعاً وقانوناً؛ وذلك استناداً إلى أقوال بعض أهل العلم من التابعين؛ كالإمام ابن شبرمة والإمام الأصم، ومن المقرر شرعاً أنه يجوز الأخذ بأي قول معتبر من أقوال أهل العلم بما يحقق المصلحة ووفقاً للاختيار الفقهي المنضبط…".

المعنى ذاته ورد في فتاوى بعض القيادات الدينية المنتسبة لتيار الإسلام السياسي. على سبيل المثال قال رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين السابق يوسف القرضاوي على هامش اجتماعات المجمع الفقهي الإسلامي في دورته 21 بمكة، إنه "لا بد من تحديد سن معينة، ليتعظ الناس الذين لا ينظرون لمصالح البنات، ولا ينظرون إلا إلى مصالحهم الشخصية، وهذا أمر يتعلق بعموم الناس، وليس بحالات فردية، فلا بد من مراعاة مصلحتهم، فما فائدة تزويج بنت في سن صغيرة ثم بعد ذلك تندم، وتغضب من أبيها، فلا داعي من الأساس لعمل هذا، ويجب تنظيم الأمر حتى لا يترك لأهواء الآباء ومصالحهم الشخصية".

مواضيع ذات صلة:

رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف، 12 أغسطس 2017
رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف- تعبيرية

تأسست الحوزة العلمية في النجف على يد الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في نهاية العهد البويهي وبداية السلجوقي (1056 ميلادي)، وكان تدريس العلم فيها بحسب المؤرخ العربي ابن الأثير، بدأ منذ القرن الثالث الهجري وازدهر في عهد عضد الدولة البويهي، وعلا شأن الحوزة بعد هجرة الطوسي إليها.

استمرت على هذه الحال مقصداً لطلاب العلم من سائر الأقطار الإسلامية، حتى بلغ عدد طلابها قبل الاحتلال الإنجليزي (1914) عشرة آلاف طالب.

أدت حوزة النجف إلى جانب دورها الديني التعليمي دوراً سياسياً كبيراً في حياة العراق والشيعة أينما وجدوا، حيث قادت "ثورة العشرين" ضد الانتداب البريطاني، وكان أحد علمائها ومراجعها الكبار السيد الشيرازي وراء "فتوى تحريم التنباك" الشهيرة أواخر القرن التاسع عشر، وأدت إلى ما يطلق عليه "ثورة التنباك".

وكانت حوزة النجف المكان شبه الوحيد الذي يستطيع المتخرج منه أن يكتسب شرعية العالم، ويصبح مبلّغاً أو مفتياً أو مجتهداً. وعلى الرغم من أن مدارس شيعية دينية عديدة فتحت أبوابها للطلاب في فترات مختلفة في إيران ولبنان والجزيرة العربية وأفغانستان وباكستان وسواها من أماكن الانتشار الشيعي، إلا أن النجف حافظت طوال عقود على دورها المركزي في إضفاء شرعية على رجال الدين الذين يتخرجون منها.

ويعود ذلك لحضور كبار فقهاء الشيعة في مقدمهم المرجع الأعلى (حاليا علي السيستاني)، الحوزة، بالإضافة للقدسية التي تحظى بها النجف بسبب وجود مقام الإمام علي فيها، وعلى مقربة منها مدينة كربلاء حيث قتل ابنه الإمام الحسين في الموقعة الشهيرة.

أثّرت حوزة النجف وأثْرَت العديد من تجارب رجال الدين الشيعة اللبنانيين الذين تخرجوا منها، ونقلوا إلى مجتمعهم ثقافة دينية منفتحة وعكسوا ما تعلموه هناك على تجاربهم السياسية، كما أسهموا بشكل غير مباشر في خلق تنوّع سياسي في الطائفة الشيعية داخل لبنان. من بين هؤلاء: محمد مهدي شمس الدين وموسى الصدر ومحمد حسين فضل الله وهاني فحص ومحمد حسن الأمين وغيرهم.

 

لماذا النجف؟

يروي رجل الدين اللبناني الراحل هاني فحص في كتابه "ماض لا يمضي- مذكرات ومكوّنات عراقية" كيف كانت المدارس في النجف منفتحة على قبول الثقافات المتعددة الواردة إليها من مختلف أصقاع العالم العربي والإسلامي، إلى درجة أن اللبنانيين في النجف، كما يكتب فحص، قاموا بـ"رقص الدبكة في المدرسة (الدينية) ما عرّضهم للمضايقة في أوساط الطلبة والعلماء والأسواق".

وكان هناك شيء من الامتعاض من اللبنانيين بسبب "لبسهم لساعات اليد وانتعالهم أحذية حديثة وهجرهم (المداس) مبكراً وارتداء بعضهم البنطلون تحت جبّته، أو قميصاً ملوناً أو ذا ياقة حديثة"، بحسب فحص.

ويتحدث عن الدور الذي لعبه نظام صدام حسين في بروز حوزة قم على حساب النجف، وتحوّلها إلى بديل عنها: "أصبحت حوزة قم موازية للنجف إيرانياً وجزئياً، إذ إن قلة من الطلاب وفدوا إليها من باكستان والهند وأفغانستان، ثم أخذت حوزة قم تتحول تدريجياً إلى بديل للنجف بعد الثورة الإسلامية وتأسيس الدولة باستقطاباتها الكثيرة وشديدة التركيز، وبعد مضيّ النظام العراقي في عملية تفكيك النجف حوزة وموقعاً ودوراً وتراثاً علمياً وأدبياً وجهادياً".  

أثر النجف في فحص كبير جداً، كما قال نجله الصحافي والمحلل السياسي مصطفى فحص، وهو ليس أثراً دينياً او عقائدياً بقدر ما هو أثر "معرفي واجتماعي وثقافي وتعدّدي".

وأكد أن "النجف شكلت التكوين الأساسي لتكوينه المعرفي. وقد بقي هذا الأثر في السيد هاني فحص طوال عمره، في لهجته ولغته ومفرداته، بطربه وذائقته الشعرية، وحتى في حزنه".

هناك نماذج كثيرة لشخصيات درست في النجف لكن اتجهت لاحقاً إلى المنحى اليساري في التفكير والتنظير، يشرح الصحافي علي الأمين، وهو نجل رجل الدين الشيعي اللبناني الراحل محمد حسن الأمين، الذي درس الفقه في حوزة النجف.

من هذه النماذج يسمّي الأمين المفكر اليساري حسين مروة، صاحب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية"، الذي اغتيل بمسدس كاتم للصوت وهو طريح الفراش عام ١٩٨٧.

يضيف "كانت هناك حالات مماثلة في النجف الذي كان مؤسسة دينية لكنه أيضاً مؤسسة تعليمية أكاديمية. وقد تعرف الكثير من طلاب الحوزة في النجف على الأدب العالمي والفلسفة والترجمات في أروقة النجف وهو ما فتح أمامهم آفاقاً ثقافية رحبة".

وذهب محمد حسن الأمين للدراسة في العراق عام ١٩٦٠  حين كان بعمر ١٤ سنة، وعاد إلى لبنان عام ١٩٧٢، أي انه أمضى ١٢ عاماً من مراهقته وشبابه في النجف، وهذه السنوات كما يصفها علي "لعبت دوراً أساسياً في تكوين شخصيته على المستوى الفكري والثقافي والديني".

وظلّ والده يتردد إلى العراق حتى اغتيال المرجع محمد باقر الصدر عام 1980، إذ انقطع عن زيارة العراق لأسباب أمنية، وبقيت علاقاته قائمة بجميع من ارتبط بهم في العراق بصداقات وزمالات في الحوزة، خصوصاً مع خروج عدد منهم من العراق في فترة حكم حزب البعث ولجوء بعضهم إلى لبنان وسوريا والأردن وإيران.

 

بين المحافظة والاعتدال

الباحث والكاتب أحمد محسن في صدد مناقشة رسالة دكتوراة حول العائلات الدينية الشيعية في لبنان في كلية العلوم الدينية بجامعة القديس يوسف في بيروت، وهو درس أثر حوزة النجف في المشهدية الشيعية، ويميّز بين ثلاثة أنواع أكثر بروزاً من التديّن الشيعي في لبنان: الأول محافظ وراديكالي الذي يشكّل حزب الله أحد وجوهه الأساسية، والثاني ليبيرالي من أبرز وجوهه موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وآخرون، وتيار ثالث وسطي تزعمه محمد حسين فضل الله.

يبين محسن: "تواجد العديد من رجال الدين المذكورين في فترة متقاربة في النجف وكانوا جزءاً من النقاشات التي تخاض على هامش التعليم الديني، وكانت تتمحور حول العداء للأنظمة العربية القمعية، والخوف والقلق من تمدّد اليسار".

ويتابع أن ما يُرى اليوم على أنه "اعتدال" في طبيعة الحوزة النجفية، لم يكن في الواقع في زمنه اعتدالاً، إذ اعتبرت الحوزة مؤسسة محافظة، وقد خرج منها مثلاً "حزب الدعوة" وكان هناك عداء شديد لليسار، لكن بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران باتت معتدلة مقارنةً مع الأفكار التي نتجت عن الثورة الخمينية وتعدّ اليوم بالنسبة للمحافظين القدامى، راديكلية.

حول هذه النقطة يقول مصطفى فحص إن النجف مدرسة فقهية مركزية، و"تقليديتها تتأتى من مواجهة المدارس الفقهية الشيعية الفرعية الأخرى".

قد توحي حوزة النجف، بحسب فحص، أنها "اكليروس يميني تقليدي"، لكنها في شأنها الاجتماعي "أقرب إلى اليسار في تعاطيها مع الفقراء".

من هنا يفسّر محسن تقاطع بعض رجال الدين الذين عادوا من النجف مع اليسار اللبناني، ولكنه يعتقد أن هذا التقاطع في بعض جوانبه بقي شكلياً.

في هذا السياق، يلاحظ الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية قاسم قصير أن هناك شخصيات شيعية لبنانية "تأثرت باليسار وكذلك بالقومية والبعث ولاحقا بالثورة الفلسطينية". لكن هذا التاثير تراجع مع تراجع دور الاتحاد السوفياتي وتقدم الفكر الإسلامي.

من جهته، يرى علي الأمين أن حوزة النجف "شهدت صراعين بين وجهتين، الأولى تقليدية والثانية تجديدية"، لكن هذا لا يعني دائماً أن التجديد يكون أفضل من التقليد.

"فولاية الفقيه يمكن اعتبارها وجهة تجديدية حينما نظّر لها الإمام الخيميني في النجف قبل انتقاله إلى باريس ومنها إلى طهران مع انتصار الثورة الاسلامية في إيران. وجاء مفهوم ولاية الفقيه كانقلاب على مسار تاريخي حوزوي، ولم تكن أجواء المؤسسة الدينية الشيعية التقليدية مؤيدة لولاية الفقيه، لأن هناك فكرة راسخة في الثقافة الشيعية أن الدولة الدينية لا تقوم إلا مع ظهور الإمام المهدي المنتظر (محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية)"، يتابع الأمين.

هذا الأمر خلق انقساماً طابعه سياسي بين حوزتيّ النجف وقم، ولكن قصير يرفض الحديث عن خلاف بين حوزتيّ النجف وقم، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن النجف شهدت تنوعاً دينياً وفكرياً سمح بوجود أفكار متعددة ومتنوعة مثل التجديد في الفكر والفقه الشيعي، وهذه طبيعة الحوزات الدينية الشيعية.

الأمر نفسه ينطبق على قم، يضيف قصير "لكن انتصار الثورة الإسلامية في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية جعل هناك انطباعاً كأن حوزة قم غير حوزة النجف، مع أن الإمام الخميني أقام في النجف".

كذلك، فقد عاش قائد الثورة الإسلامية في إيران روح الله الخميني، بالفعل في النجف ونظّر منه لولاية الفقيه وألقى محاضرات حول "الحكومة الإسلامية".

لكن هذا لا يعني، بحسب مصطفى فحص، أن هناك صراعاً بين قم والنجف، بل "وجود مدارس دينية وفقهية وأحيانا تخرج من قم أفكار فقهية تنويرية أهم من النجف. ولهذا يجب إنصاف قم كإحدى المدارس الدينية التي تحاول أن يكون لها موقع على الخارطة الفقهية الشيعية لكنها ليست في تصادم مع النجف، فالتصادم يحدث بين النجف وما تمثله وبين طهران وما تمثله من سياسات لمحاولة إنتاج رجل دين شيعي ينتمي إلى فكرة الإسلام السياسي الشيعي المأخوذ من مدرسة الإخوان المسلمين، وممارسة السياسة من باب ولاية الفقيه، التي يعارضها النجف وهي غير موجودة في مدارسه".

يتابع فحص: "هناك صراع بين طهران مركز إدارة ولاية الفقيه وما بين النجف الذي يرفع شعار ولاية الأمة على نفسها".

في هذا السياق يذكر الأمين أن "الشيخ محمد مهدي شمس الدين كان في بداياته في حوزة النجف، يدور في فلك حزب الدعوة، لكنه ترك العمل السياسي مع "الدعوة" مبكراً، وتحوّل لاحقاً إلى أهمّ المراجع في نقد ولاية الفقيه، كما "نظّر لولاية الأمّة على نفسها في مقابل ولاية الفقيه العامة"، وهو عنوان الكتاب الذي صدر بعد وفاة شمس الدين وحمل خلاصة فكره الفقهي.

 

كيف انعكس كل هذا على شيعة لبنان؟

يقول الصحافي اللبناني علي الأمين، إن "الولاء في لبنان لحزب الله سياسي وطائفي وليس فقهياً، كما أن مقلدي مرجعية السيد علي السيستاني في العراق من اللبنانيين أكثر بكثير من مقلدي السيد علي خمنئي في إيران".

ويرى أن المحزّبين والكوادر في حزب الله هم الذين يتبعون ولاية الفقيه فقهياً وفي الممارسة الدينية اليومية، وهؤلاء أقلية في المجتمع الشيعي. فجمهور حركة أمل مثلاً في غالبيته الساحقة لا يقلّد خمنئي وولاية الفقيه، بل يقلد معظمهم السيستاني أو محمد حسين فضل الله، وأبناءه ومؤسسته من بعده.

من جهته، يقول قاسم قصير، إن "دور النجف الأشرف موجود في لبنان عبر وكلاء المراجع ومن خلال العلاقة بين جهات سياسية كحركة أمل مع مرجعية السيستاني، لكن دور إيران أقوى لأنها دولة كبرى وإسلامية وأصبح لها تاثير مباشر على الصعيد الشعبي".

يضيف الأمين، أن "حزب الله" اليوم يركز على العصب الطائفي وليس على ولاية الفقيه، التي لا تشكّل رافعة لمؤيديه. وقد أشهر منذ بداياته ولاية الفقيه والتسويق لها كمرجعية فقهية في وجه مرجعية النجف، وكان الحزب يهاجم السيد الخوئي في الثمانينات وبداية التسعينات، كجزء من الهجوم على النجف".

كذلك، فإن خرّيجي حوزة النجف في لبنان، ووالد الأمين أحدهم "لم يكونوا متطابقين ولا يجمعهم سياق تنظيمي أو مؤسساتي ولا ينتمون إلى حزب واحد أو يشكلون فئة بعينها، بل كانوا يحملون فكراً متنوعاً وحيوياً فيه اختلافات متعددة ويشبه المجتمع اللبناني"، على حدّ تعبيره.

ويعتقد أنه "لم يكن للنجف أي دور في خلق بعد أيديولوجي أو سياسي يتعلق بالخلافة الإسلامية أو دولة اسلامية، ولم تطرح أبداً فكرة فصل الشيعة عن أوطانهم، أو جعلهم جزءاً من أمة كبرى عابرة للبلدان، وهو ما جاءت به ولاية الفقيه".