A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
عراقية تتظاهر أمام مبنى محكمة الأحول الشخصية في بغداد ضد زواج القاصرات في العراق

لم يحدد الإسلام سنا معينا للزواج. بقي تحديد السن أمراً مرهوناً بالمقام الأول بالظروف الخاصة بكل مجتمع. نلقي الضوء في هذا المقال على قضية زواج القاصرات، لنبيّن الاختلاف الفقهي الواقع في المسألة، ولنوضح كيف تناولتها المدونات القانونية ومجلات الأحوال الشخصية في العديد من الدول العربية.

 

الفقه بين تأييد ومعارضة زواج القاصرات

 

يرى الكثير من الفقهاء المسلمين القدامى جواز تزويج الفتاة القاصر قبل بلوغها. استند هؤلاء إلى مجموعة من الأدلة التي بنوا عليها فتواهم. أول تلك الأدلة ورد في القرآن. جاء في الآية الرابعة من سورة الطلاق "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يحضن وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حملهن وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا". يذهب هؤلاء الفقهاء إلى أن جملة "وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ" تشير إلى إمكانية زواج الفتاة الصغيرة قبل أن تصل لسنّ الحيض. اتفق العديد من المفسّرين على هذا القول. من أشهرهم: ابن جرير الطبري، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي. على سبيل المثال ورد في تفسير الطبري في شرح تلك الآية "… وكذلك عدّة اللائي لم يحضن من الجواري لصغرهنّ إذا طلقهن أزواجهن بعد الدخول".

يحتج هؤلاء الفقهاء أيضاً ببعض الأحاديث النبوية. ورد في كل من صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة بنت أبي بكر أن النبي تزوّجها وهي بنت ست سنين، وأنها قد أُدخلت عليه وهي بنت تسع سنين. أيضاً، أوردت المصادر التاريخيّة، ومنها على سبيل المثال "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، خبر تزويج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب، ولم تكن قد بلغت الحادية عشر من عمرها بعد.

استناداً إلى تلك الأدلة، ذهب الكثير من علماء الدين القدامى إلى أن هناك "إجماعاً" حول إجازة زواج الصغيرة. ذكر أبو الحسن علي بن بطال القرطبي في كتابه "شرح صحيح البخاري" أنه "أجمع العلماء على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم، وإن كنّ في المهد!". المعنى نفسه أورده ابن عبد البر المالكي في كتابه "الاستذكار". نقل ابن عبد البر "إجماع العلماء على أن للأب أن يزوّج ابنته الصغيرة ولا يشاورها".

كذلك أوضح عبد الرحمن بن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه "الشرح الكبير على متن المقنع" الرأي الراجح المُجمع عليه عند الحنابلة في المسألة، بقوله: "فأما الإناث، فللأب تزويج ابنته البكر الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين بغير خلاف". لم تقتصر تلك الآراء على فقهاء السنة فحسب. بل انتشرت أيضاً عند فقهاء الشيعة الإمامية. على سبيل المثال، يقول آية الله الخميني في كتابه تحرير الوسيلة أنه "لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين"، بمعنى أن هذا السن يعد بمثابة حد أدنى.

على الجانب الآخر، توجد بعض الأدلة الفقهية، وأغلبها معاصرة، التي ترى عدم جواز زواج الصغيرة. فيما يخص الآية الرابعة من سورة الطلاق، فسرها الفقيه التونسي محمد الطاهر ابن عاشور بمعنى مختلف في كتابه "التحرير والتنوير". يقول ابن عاشور "... والوُقُوفُ عَلى قَوْلِهِ "واللّائِي لَمْ يَحِضْن"، أيْ هُنَّ مَعْطُوفاتٌ عَلى الآيِسِينَ. واليَأْسُ: عَدَمُ الأمَلِ. والمَأْيُوسُ مِنهُ في الآيَةِ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ "فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ" أيْ يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ سَواءً كانَ اليَأْسُ مِنهُ بَعْدَ تَعَدُّدِهِ أوْ كانَ بِعَدَمِ ظُهُورِهِ، أيْ لَمْ يَكُنِ انْقِطاعَهُ لِمَرَضٍ أوْ إرْضاعٍ". يعني ذلك أن المقصودات من جملة "واللّائِي لَمْ يَحِضْن" هن النساء البالغات اللاتي لا يظهر عليهن علامات البلوغ والنضج. يتسق ذلك التفسير مع بعض الأمراض التي عرفها العرب القدامى. ومنها المرض الذي سُميت من أُصيبت به باسم "الضهياء". وهي "المرأةُ التي لا تَحيضُ ولا تَحْمِلُ، أو تَحِيضُ ولا تَحْمِلُ، أو لا يَنْبُتُ ثَدْياها" وذلك بحسب ما يذكر الفيروزآبادي في "القاموس المحيط".

أيضاً يأتي الحديث الشهير الوارد في صحيح مسلم: "لا تُنكح الأيمُ حتى تستأمر ولا تُنكح البِكْر حتى تستأذن"، كأحد الأدلة التي يستند إليها الفقهاء الرافضون لزواج الصغيرة. يرى هؤلاء أن دلالة الحديث واضحة وأنه يربط بين موافقة المرأة وعقد زواجها. ويستلزم ذلك بالتبعية أن تكون المرأة بالغة عاقلة لأنه لا معنى من سؤال الطفلة وتخييرها.

بناء على ما سبق، فإن بعض الفقهاء عارضوا زواج الصغيرة قبل البلوغ. من هؤلاء الفقيه العراقي عبد الله بن شبرمة في القرن الثاني الهجري، والمتكلم المعتزلي أبو بكر الأصم في القرن الثالث الهجري، والفقيه الأندلسي ابن حزم في القرن الخامس الهجري. على سبيل المثال، يقول ابن حزم في كتابه المُحلى: "فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا خِلافٌ: قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لا يَجُوزُ إنْكَاحُ الأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ إلا حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ، وَرَأَى أَمْرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خُصُوصاً لِلنَّبِيِّ، كَالْمَوْهُوبَةِ، وَنِكَاحُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ".

 

القانون يحسم المسألة

 

اتفقت الأغلبية الغالبة من القوانين المعروفة في الدول العربية على التأكيد على منع زواج الصغيرة قبل البلوغ. اتفق ذلك مع العديد من الفتاوى الحديثة التي أدلى بها الكثير من الشيوخ والفقهاء المعاصرين. على سبيل المثال حدد قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959م سن الزواج بثمانية عشر عاماً. ولم يفرق في ذلك بين الذكر والأنثى. رغم ذلك، أفسح القانون المجال لزواج من هم دون الثمانية عشر عاماً بشرط موافقة الولي أو القاضي. جاء في المادة الثامنة من القانون: "إذا طلب من أكمل الخامسة عشرة من العمر الزواج، فللقاضي أن يأذن به، إذا ثبت له أهليته وقابليته البدنية، بعد موافقة وليه الشرعي. فإذا امتنع الولي طلب القاضي منه موافقته خلال مدة يحددها له، فإن لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار، أذن القاضي بالزواج".

تتسق تلك المواد مع الفتوى الشهيرة الصادرة عن مكتب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني في سبتمبر 2019. جاء في تلك الفتوى "...يتعين على السلطات المعنية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة عن هذه التصرفات المشينة -يقصد زواج القاصرات- أينما كانت".

وتضيف الفتوى: "كان زواج الصغار -أي زواج غير البالغة من البالغ- أمراً متداولاً في العديد من المجتمعات الشرقية إلى وقت قريب… ولكن لوحظ انحساره في الزمن الراهن… وما نريد التأكيد عليه هو: أنه ليس لولي الفتاة تزويجها إلا وفقاً لمصلحتها، ولا مصلحة لها غالباً في الزواج إلا بعد بلوغها النضج الجسمي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية، كما لا مصلحة لها في الزواج خلافاً للقانون بحيث يعرضها لتبعات ومشاكل هي في غنى عنها".

في السياق نفسه، شدد القانون المصري على منع زواج القاصرات. نصت المادة 80 من الدستور المصري على أنه "يعد طفلاً كل مَن لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره....". وبحسب مواد قانون الأحوال المدنية، فإن المادة 31 مكرر، وضعت شروط سن إتمام توثيق الزواج، وجاء نص المادة: "لا يجوز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة". ونصت المادة رقم 227 فقرة 1 من قانون العقوبات المصري: "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد عن ثلاثمائة جنيه، كل من أبدى أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانوناً لضبط عقد الزواج أقوالاً يعلم أنها غير صحيحة، أو حرر أو قدم لها أوراقاً كذلك، متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق". مؤخراً، ناقش مجلس النواب المصري تغليظ العقوبة على كل الأطراف المشاركة في جريمة تزويج الأطفال. وفى إبريل من العام الحالي - وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون جاء فيه: "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل على خمسمائة ألف جنية جنيه كل من أبدي سوا أكان المأذون أو الزوج أو الشهود أو الولي أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانوناً لضبط عقد الزواج أقوالاً يعلم أنها غير صحيحة أو حرر أو قدم لها أوراقاً كذلك متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق".

نلاحظ أن تلك القوانين والتشريعات أتت متوافقة مع العديد من الفتاوى والآراء الدينية التي ذهب أصحابها لتجريم ممارسة زواج القاصرات في العصر الحاضر. على سبيل المثال أكد شيخ الأزهر أحمد الطيب "أن سن قوانين في عصرنا الراهن للقضاء أو الحد من ظاهرة زواج القاصرات عن طريق تحديد سن معينة للزواج أمر لا يخالف الشريعة الإسلامية في شيء… وأن مسألة تحديد سن لزواج الفتيات تخضع لظروف العصر وللتغير".

وكذلك  صدر عن دار الإفتاء المصرية فتوى جاء فيها "...والقول بمنع هذا النوع من الزواج هو المعتمد في عصرنا ومصرنا شرعاً وقانوناً؛ وذلك استناداً إلى أقوال بعض أهل العلم من التابعين؛ كالإمام ابن شبرمة والإمام الأصم، ومن المقرر شرعاً أنه يجوز الأخذ بأي قول معتبر من أقوال أهل العلم بما يحقق المصلحة ووفقاً للاختيار الفقهي المنضبط…".

المعنى ذاته ورد في فتاوى بعض القيادات الدينية المنتسبة لتيار الإسلام السياسي. على سبيل المثال قال رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين السابق يوسف القرضاوي على هامش اجتماعات المجمع الفقهي الإسلامي في دورته 21 بمكة، إنه "لا بد من تحديد سن معينة، ليتعظ الناس الذين لا ينظرون لمصالح البنات، ولا ينظرون إلا إلى مصالحهم الشخصية، وهذا أمر يتعلق بعموم الناس، وليس بحالات فردية، فلا بد من مراعاة مصلحتهم، فما فائدة تزويج بنت في سن صغيرة ثم بعد ذلك تندم، وتغضب من أبيها، فلا داعي من الأساس لعمل هذا، ويجب تنظيم الأمر حتى لا يترك لأهواء الآباء ومصالحهم الشخصية".

مواضيع ذات صلة:

مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح.
مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح. خ

يشيع في الدول العربية استخدام تسمية "النصارى" للإشارة إلى المسيحيين، وهذا مردّه إلى أن القرآن يسمّي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى"، لا بـ"المسيحيين".

وانسحب هذا على العديد من الكتّاب والمؤرخين، فضلاً عن الاستخدامات اليومية في الشارع العربي.

وقد أثار هذا الإسخدام جدلاً تاريخياً حول التمييز بين المسيحيين والنصارى، بلغ ذروته في ستينات القرن الماضي، خصوصاً أن معظم مسيحيي الشرق لا يسمّون أنفسهم بهذه التسمية، ولا يعتبرونها مرادفاً لـ"المسيحية" حتى.

الجدل عاد حول هذه التسمية في فترة سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة من العراق، وخصوصاً الموصل التي تعيش فيها طائفة مهمة من المسيحيين، الذين جرى تهجيرهم من قبل التنظيم الإرهابي، وقام عناصره بكتابة حرف "ن" كبير على بيوتهم للدلالة إليهم، والنون هنا تعود إلى النصارى.

الباحث السوري المتخصص في الحوار الإسلامي المسيحي روجيه أصفر يقول لـ"ارفع صوتك" إن تسمية المجموعات أو الطوائف أو الأشخاص يجب أن تؤخذ من مصادرها، أي يجب أن نسأل المسيحيين بماذا يفضلون أن ينادون.

أصفر يقترح أن نقلب الأدوار: هل يسمح المسلمون لباقي المكونات أن يطلقوا عليهم اسماً مختلفاً عن مسمى "المسلمين"؟ ويتابع: "يجب أن نحترم الاسم التي تختار أي جماعة أن تطلقه على نفسها".

لكن أصفر يتفهم أن بعض المسلمين يستندون في هذا الخصوص إلى كتابهم المقدّس وهو القرآن، ويشعرون بالتالي بحرية تسمية المسيحيين كما أسماهم القرآن (النصارى)، وبعضهم، بحسب أصفر، "سيظلّ متمسكاً بهذه التسمية كونها صادرة عن كتاب منزل".

وبمعزل عن الجوانب الإيمانية، يشير أصفر إلى وجود لغط تاريخي في التسمية، وأن هذا اللغط أوضحته الأبحاث التي قام بها مؤرخون مسيحيون ومسلمون.  

في العام 1972 نشرت مجلة "المسرّة" في عددها 572 بحثاً يحاول الإجابة عن سؤال "هل المسيحيون نصارى؟"، وحاولت تحليل فقرات من مقالات كتبها كتّاب مسيحيون ومسلمون في السنوات الممتدة بين 1953 و1973، بينهم الأب جورج فاخوي والمفكر المصري طه حسين، وخلصت المجلة إلى أن معظم الكتابات قبل العام 1965 كانت تخلط بين المفهومين ولا تميز بين المسيحيين والنصارى.

وفي العام 1965 يبدأ التمييز بين مفهوميّ "النصرانية" و"المسيحية"، كما تلاحظ المجلة، وذلك في مقال للأب يوسف درّة حدّاد تحت عنوان "النصارى في القرآن: أصلهم وحقيقتهم".

يكتب حدّاد في مقاله: "في القرآن ظاهرة متواترة مغزاها كبير: أنه على الدوام يسمي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى" لا بـ"المسيحيين" كما كانوا معروفين في عهده، في جميع الأقطار المسكونة، مع أنه يسمي ابن مريم الذي إليه ينتمون "المسيح عيسى ابن مريم"، أو "المسيح ابن مريم"، أو "المسيح" بدون قيد...".

ويشير الحدّاد إلى أن القرآن يعرّف عن "النصارى" على أنهم "فئة" أو "طائفة"، ويعتبرهم من "بني إسرائيل الذين آمنوا بالمسيح"، فيقول في سورة "الصف"(الآية 14): "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة. فأيّدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين".

وفي مقال آخر للأب حدّاد، تستشهد به المجلة، يقول إن النصارى لدى المسيحيين هم بمثابة "الشيعة" لدى المسلمين: "وهكذا أفضى الصراع في سبيل تحرير المسيحية من سلاسل الموسوية (نسبة إلى النبي موسى) إلى انقسامها قسمين: "سنة وشيعة": سنة "المسيحيين" وهم الوثنيون الذين اهتدوا إلى الإنجيل، والهلنيون الملقّبون بـ"اليونانيين"، ينضمون إلى الإنجيل والإيمان المسيحي ويسيرون بموجب سنّة الرسل التي قرّروها في مجمع أورشليم، وذلك بدون أي ارتباط بشريعة موسى". أما شيعة "النصارى"، فهم، بحسب حدّاد، "اليهود المتنصرون في فلسطين"، وهؤلاء "يحفظون الإيمان المسيحي متزاوجاً مع شريعة موسى وأحكامها من ختان وسبت وقبلة في الصلاة إلى أورشليم، ويتشيّعون لآل البيت، أي أقرباء السيد المسيح".

وبحسب حدّاد، "انكمشت شيعة النصارى في العام 135 ميلادي، وانعزلوا عن العالم المسيحي الأكبر بعزلتهم في مهاجرهم في شرق الأردن وسوريا والعراق والمشرق ومصر والجزيرة العربية، إلى أن جاء الإسلام، و"توارت شيعة النصارى من الوجود".

وفي مقال ثالث يصف حدّاد النصارى بأنهم "أمة وسط بين اليهودي والمسيحية".

أستاذة علم الأديان سماح حمزة، تقول في مقابلة سابقة مع قناة "الحرة"، إن "النصارى فرق شتّى، وما يجمع بينهم أن أصولهم عبرانية، وجمعوا بين التدين بشريعة موسى والمسيحية، فكانوا يبقون على شرائع يهودية مثل الختان وتقديس السبت ويعترفون بالناموس الموسوي، ويؤمنون في الوقت نفسه بالمسيح".

بمعنى آخر، يمكن القول، بحسب سماح حمزة، عن النصارى أنهم يؤمنون بنوع من "اليهودية المسيحية"، ولكن المشكلة التي عانى منها النصارى، كما تشرح حمزة، أن اليهود لم يعترفوا بهم وأقصاهم المعبد، والمسيحية الأممية البولسية لم تعترف بهم، فجرى إقصاؤهم واعتبروا هراطقة.

أما عن سبب عدم استخدام تسمية "المسيحيين" في القرآن، فتفسّر حمزة الأمر، بأن "المسيحية في كنيسة البداية انشقت إلى شقين: كنيسة أورشليم التي ترأسها يعقوب البار، وكانت كنيسة عبرانية وسميت بكنيسة الختان لأنها تتبنى الختان وسمى أتباع هذه الكنيسة أنفسهم بالنصارى نسبة إلى يسوع الناصري، في مقابل الكنيسة البولسية التي أسسها بولس وضمت معظم الأمم حينذاك، ولذلك سميت بالكنيسة الأممية، وأتباع هذه الكنيسة سموّا بالمسيحيين".

الفرقة التي قصدها القرآن وسماها النصارى هي بحسب حمزة، "الأبيونية" وكانت موجودة في شبه الجزيرة العربية، في مكة واليمن، ولم تكن بدورها متجانسة إذ كانت جزءاً من جماعات "مسيهودية"(الجمع بين المسيحية واليهودية) منتشرة في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. والقرآن كان يعني هذه الفئة الصغيرة الأبيونية وليس غيرها. والمشكلة حصلت في الردود التي كتبها مسلمون على النصارى، وشملوا فيها جميع المسيحيين. فيما تشير حمزة إلى أن "الفرق المسيحية التي انتشرت في بلاد الشام والعراق ومصر بعد الفتوحات الإسلامية، كانت بولسية وغير نصرانية، وأصولها ليست عبرانية".