علي السيستاني آية الله العظمى والمرجع الأعلى للشيعة في العراق.
علي السيستاني آية الله العظمى والمرجع الأعلى للشيعة في العراق.

يشير مصطلح الحوزة في الثقافة الشيعية الإمامية الإثني عشرية إلى المكان الذي تُدرس فيه العلوم الدينية، والذي يجتمع فيه طلاب العلم الديني مع أساتذتهم وشيوخهم. تُعدّ حوزتا النجف في العراق، وقم في إيران أهم الحوزات العلمية على الإطلاق. ما هي المراحل التعليمية المختلفة في الحوزات العلمية؟ وما قصة حوزتي النجف وقم؟ وماذا عن التنافس بين الحوزتين؟

 

التعليم في الحوزة


في كتابه "إيران من الداخل" يشرح الكاتب المصري فهمي هويدي نظام التعليم الحوزوي. يقول هويدي أن التعليم في الحوزة يمر بعدد من المراحل المتتالية، بحيث لا يتمكن طالب العلم من الترقي والوصول لمرحلة ما إلا بعد أن يجتاز المرحلة السابقة. يمكن أن نحصر تلك المراحل في ثلاث محطات رئيسية.

تُعرف المرحلة الأولى باسم "سطح المقدمات"، ومدتها خمس سنوات، ويتلقى فيها الطالب دروساً تمهيدية ومقدمات في علوم اللغة والبيان والبديع والفقه والأصول وعلم الكلام والفلسفة. وتُعرف المرحلة الثانية باسم "سطح المتوسط"، ومدة الدراسة بها من 3 إلى 5 سنوات، ويكون الطالب في تلك المرحلة تحت اشراف أحد مراجع الحوزة الكبار. ويتخصص فيها في دراسة الفقه أو الفلسفة أو التاريخ. أما المرحلة الثالثة، فتُعرف باسم "سطح الخارج". وهذه المرحلة تشبه مرحلة الدراسات العليا في الكليات النظامية، والغرض الرئيسي من الدراسة في تلك المرحلة هو أن تجعل الطالب مستعداً للوصول لمرتبة الاجتهاد، ولا يوجد وقت زمني محدد لإنهاء تلك المرحلة، فقد يستمر بها الطالب لسنوات قلائل، ومن الممكن أن تستغرق عمر الطالب كله. وفي تلك المرحلة يبدأ الطالب في اعداد البحوث الفقهية المعمقة ويدرس على يد المراجع الكبار.

تعارف العلماء في الحوزات العلمية على عدد من المصطلحات والألقاب التي يُفهم منها المرحلة العلمية التي يتواجد بها الطالب. ففي مرحلة سطح المقدمات، يُطلق على الباحث "طالب أو مبتدئ"، وفي مرحلة سطح المتوسط، يُطلق عليه لقب "ثقة الإسلام"، أما في مرحلة سطح الخارج، فيُطلق عليه لقب "آية الله". وفي حالة أن توسعت قاعدة وشعبية آية الله داخل الحوزة، فإنه يصبح مرجعاً للتقليد.

 

حوزة النجف 


تقع مدينة النجف في الجزء الجنوبي الغربي من وسط العراق. ويتفق الشيعة الإمامية على تقديسها. ويرجع السبب في ذلك لمجموعة من الروايات المنسوبة إلى الرسول، وفق الرواية الشيعية، كما يرجع أيضًا لكونها المكان الذي احتوى مرقد الإمام علي بن أبي طالب.

في سنة 448ه، دخل السلاجقة الأتراك مدينة بغداد. وشنوا حملة اضطهاد عنيفة ضد الشيعة الإمامية. أُحرقت مكتبة شيعية كُبرى، ونُهبت دار شيخ الطائفة الشيخ الطوسي وسُرق ما بها. أمام تلك الأحداث المتسارعة هاجر الشيخ الطوسي إلى النجف، وتبعه أنصاره ومحبوه. ولم تمر سنوات قلائل حتى أضحت النجف مركزًا علميًا مهمًا للشيعة الإمامية. وتم تأسيس ما عُرف باسم الحوزة العلمية بالنجف.

اعتاد الكثير من الرحالة والزائرين على وصف الحوزة النجفية عند زيارتها. يقول الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة واصفًا مشاهداته لمدرسة الحوزة سنة 726ه: "مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة. ولكل وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر مرتين في اليوم". على مر السنين، أُسست العشرات من المدارس العلمية في النجف. من بين أشهر تلك المدارس، كل من مدرسة الصحن الغروي، ومدرسة المقداد السيوري، ومدرسة الصدر، ومدرسة كاشف الغطاء، ومدرسة الفاضل الإيرواني، ومدرسة الآخوند الكبرى، ومدرسة القزويني، ومدرسة محمد كاظم اليزدي، ومدرسة البخارئي. وقد تحدث عبد الرزاق حرز الدين في كتابه "تاريخ النجف الأشرف" عن الدور المهم الذي اضطلعت به تلك المدارس، فقال: "النجف منهل العلماء عبر القرون، وقد تخرّج من جامعتها الآلاف منهم، ولم تزل مجالسها لا تهدأ عن المذاكرات العلمية والفروع الفقهية، فكلّ من لديه مسألة عويصة أو فرع مغلق يأتي لمجلس منها ليعثر على ضالّته، بل حتّى المجالس العامة للسواد إذا حضرها أهل العلم لا تسمع إلاّ المذاكرات العلمية بينهم، وناهيك بالمساجد والصحن الغروي المقدّس يسمع أصوات أهل العلم في المذاكرات من خارج سور النجف، ولا زالت الحركة العلمية فيها تنمو ويخرج منها في كلّ سنة عدد كبير من دعاة الدين ورجال الفضل والعلم الغزير".

 

حوزة قم


تقع مدينة قم على بعد 157 كم جنوبي العاصمة الإيرانية طهران. وتحظى بمكانة مهمة في الوجدان الشيعي الاثني عشري. يرى الشيعة في تلك المدينة واحدة من أكثر المدن قداسة واعتبارية. يرجع السبب في ذلك إلى كونها الأرض التي دُفنت فيها فاطمة (المعروفة بفاطمة المعصومة) بنت الإمام موسى الكاظم في سنة 201ه. ارتفعت منزلة قم منذ ذلك الوقت، وعرفها الشيعة باسم "عش آل محمد". وجرى الاهتمام بعمارة مرقد فاطمة عبر القرون حتى أضحى مزاراً دينياً يقصده الملايين من الشيعة في كل عام. في السياق نفسه، تواترت الأحاديث المنسوبة للأئمة والتي أكدت على أهمية تلك الزيارة.

عُرفت قم تاريخيا بكونها أحد المراكز العلمية المهمة عند الشيعة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، كما نُسب إليها العديد من العلماء المعتبرين الذين أثروا المكتبة الشيعية بمؤلفاتهم ومصنفاتهم على مر السنين. من أهم هؤلاء العلماء كل من علي بن بابويه المعروف بالصدوق الأول، وابنه محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق، وابن قولويه القمي صاحب كتاب "كامل الزيارات"، وعلي بن إبراهيم بن هاشم القمي صاحب "تفسير القمي". تراجعت مكانة قم العلمية في العصر السلجوقي، ولكنها استردت مكانتها العلمية مرة أخرى في العصر الصفوي في القرن السادس عشر الميلادي. عمل الصفويون على نشر التشيع في كافة أنحاء إيران. واهتموا كثيراً بمدينة قم وبما فيها من مزارات ومراقد.

في الربع الأول من القرن العشرين، تم تأسيس حوزة قم العلمية على يد الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي. سافر الشيخ لقم زائراً سنة 1923م مع مجموعة من طلبة العلم. استقر الزائرون في المدينة وأحيوا مكانتها العلمية القديمة بعدما شرعوا في تدريس العلوم الدينية والشرعية. لم تقتصر أنشطة الحوزة على الناحية العلمية فحسب. شارك علماء قم بشكل مؤثر في الأحداث الاجتماعية والسياسية التي شهدتها إيران. على سبيل المثال، اندلعت الشرارة الأولى للمظاهرات المعترضة على حكم الشاه في إيران من المدرسة الفيضية في حوزة قم فيما عُرف بعد ذلك باسم مظاهرات 15 خرداد/ 5 يونيو. وألقى الخميني في الثالث من يونيو عام 1963م من تلك المدرسة خطاباً معترضاً على الممارسات التحديثية التي قام بها الشاه محمد رضا بهلوي. ندد الخميني بمظاهر "التحديث والتغريب"، وعقد في خطابه مقارنة بين الخليفة الأموي يزيد بن معاوية والشاه. بعد يومين، قامت قوات الأمن باعتقال الخميني لتندلع المظاهرات في عموم المدن الإيرانية.

حالياً، يتلقى عشرات الآلاف من الطلاب الشيعة تعليمهم الديني في حوزة قم العلمية. يتوزع هؤلاء على ما يقرب من 200 مؤسسة ومدرسة. من أهمها كل من جامعة الزهراء، وجامعة الصدوق، وجامعة المفيد، وجامعة المصطفى العالمية. أيضاً، تُعدّ قم مركزاً للعديد من المرجعيات الدينية الشيعية المهمة داخل إيران، من أهم هؤلاء المراجع كل من ناصر مكارم الشيرازي، وحسين وحيد الخراساني، وصادق الحسيني الشيرازي، وجعفر السبحاني، وصادق الحسيني الروحاني.

 

التنافس بين حوزة النجف وحوزة قم


تنافست حوزتا النجف وقم مع بعضهما البعض منذ فترة طويلة. حاولت كل حوزة أن تثبت ريادتها وأهميتها في العالم الشيعي. وتبادل الطرفان التفوق تبعاً للظروف السياسية التي مر بها العراق وإيران.

في فترة حكم الشاه لإيران، تم التضييق على علماء قم. وسافر الكثير منهم إلى النجف واستقر فيها. في سنة 1965م، سافر الخميني نفسه إلى النجف الأشرف بعد نفيه من إيران، ودرَّس في حوزتها العلمية. وتسبب ذلك في ازدياد شعبية الحوزة النجفية في تلك الفترة. 

تبدل الوضع فيما بعد، لعبت الظروف العصيبة التي مر بها شيعة العراق خلال فترة حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين دوراً مؤثراً في تراجع مكانة النجف وفي ازدياد أهمية حوزة قم بالتبعية. في تلك الفترة، تعرض الشيعة العراقيون لحملات ممنهجة من التضييق والاضطهاد. على سبيل المثال أُعدم المرجع محمد باقر الصدر سنة 1980م، كما تم التخلص من محمد صادق الصدر في حادث غامض في سنة 1999م. تسببت تلك الحملات في نزوح العديد من الأساتذة والطلبة إلى حوزة قم.

تذكر بعض التقارير أن عدد منتسبي حوزة النجف بلغ ستة عشر ألف طالب وأستاذ في سنة 1967م، وأنه انخفض إلى 500 فقط في العام في سنة 1991م، بما يعني أنّ نظام البعث قضى على أكثر من 90% من وجود الحوزة النجفية خلال 24 سنة فحسب.

بدأت حوزة النجف في استرداد قوتها ونفوذها بعد سقوط النظام البعثي في سنة 2003م. يتضح ذلك من خلال الأرقام التي أوردتها التقارير السابقة، والتي ذكرت أن عدد منتسبي الحوزة العلمية في النجف في العام 2020م بلغ حوالي خمسة عشر ألفا.
لا يقتصر التنافس بين الحوزتين على الناحية العلمية فحسب. توجد بعض المسائل التي تشهد خلافاً واضحاً بين النجف وقم. تُعدّ مسألة ولاية الفقيه أهم تلك المسائل على الإطلاق. يذهب العديد من مراجع قم المعتبرين إلى القول بولاية الفقيه المطلقة. كان الخميني أول فقهاء الشيعة الذين أحيوا هذا الرأي في العصر الحديث، ووضعه موضع تطبيق بعد انتصار ثورته في إيران سنة 1979م. عقب وفاة الخميني في 1989م، تولى علي خامنئي منصب الولي الفقيه، وتم الترويج له على كونه ولي الأمر الشرعي لكافة الشيعة الموجودين في شتى أنحاء العالم.

يعترض علماء الحوزة النجفية على نظرية ولاية الفقيه المطلقة، وأعلنوا -مراراً- عن رفضها. على سبيل المثال رفض المرجع الشيعي النجفي الأسبق أبو القاسم الخوئي الإقرار بولاية الفقيه المطلقة في كتابه "التنقيح في شرح العروة الوثقى". فرق الخوئي بين الولاية الممنوحة للنبي والأئمة من جهة، وولاية الفقهاء في زمن الغيبة. يقول الخوئي: "إن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة، بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه وحجية فتواه، وليس له التصرف في مال القصّر أو غيره مما هو من شؤون الولاية إلاّ في الأمر الحِسبي...".

المعنى نفسه، ذهب إليه علي السيستاني -المرجع الشيعي الأكبر في النجف حاليًا- عندما حصر ولاية الفقيه في بعض الأمور دون بعض، وربط الولاية المطلقة بـ"قبول المؤمنين". يقول السيستاني: "الولاية فيما يعبّر عنها في كلمات الفقهاء بالأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد. وأما الولاية فيما هو أوسع منها من الأمور العامة التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الإسلامي، فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط إضافية ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين".

ترويج مرجعيات حوزة قم لنظرية ولاية الفقيه المطلقة، استلزم بالتبعية وقوع التداخل بين السياسي والديني. صار المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي لاعباً أساسياً في الساحة السياسية بالعراق. ونظر له الكثير بعض العراقيين على كونه ولي الأمر الشرعي الذي يجب عليهم الإنصات لكلمته في الأمور السياسية والحياتية.

لهذا السبب، يعتقد العديد من المراقبين أن ثمة صراعاً خفياً يدور بين خامنئي والسيستاني، وأن هذا الصراع يعكس التنافس الشرس بين حوزتي قم والنجف. توقعت بعض التقارير أن التنافس بين الحوزتين سيتزايد بعد وفاة أي من المرجعين "فإذا ما توفي خامنئي أو السيستاني، سيبرز فراغ في السلطة، مما سيسمح للطرف الآخر بتوسيع دائرة نفوذه. فعلى مر التاريخ، خلال السنوات الخمس إلى العشر التي تلي وفاة مرجع كبير، يتنافس المرشحون فيما بينهم على تأسيس قاعدة شعبية داعمة لهم. ومن الأمثلة السابقة على ذلك وفاة عبد الكريم الحائري اليزدي وحسين البروجردي ومحسن الحكيم وأبي القاسم الخوئي... إذا توفي السيستاني أولاً، سيطالب العراقيون على الأرجح بزعيم جديد بارز في النجف؛ لتقديم المشورة الدينية، والاضطلاع بدور في السياسات والحوكمة المحلية. وسيسعى خامنئي بلا شك إلى توسيع دائرة نفوذه في النجف أيضاً".

مواضيع ذات صلة:

مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح.
مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح. خ

يشيع في الدول العربية استخدام تسمية "النصارى" للإشارة إلى المسيحيين، وهذا مردّه إلى أن القرآن يسمّي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى"، لا بـ"المسيحيين".

وانسحب هذا على العديد من الكتّاب والمؤرخين، فضلاً عن الاستخدامات اليومية في الشارع العربي.

وقد أثار هذا الإسخدام جدلاً تاريخياً حول التمييز بين المسيحيين والنصارى، بلغ ذروته في ستينات القرن الماضي، خصوصاً أن معظم مسيحيي الشرق لا يسمّون أنفسهم بهذه التسمية، ولا يعتبرونها مرادفاً لـ"المسيحية" حتى.

الجدل عاد حول هذه التسمية في فترة سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة من العراق، وخصوصاً الموصل التي تعيش فيها طائفة مهمة من المسيحيين، الذين جرى تهجيرهم من قبل التنظيم الإرهابي، وقام عناصره بكتابة حرف "ن" كبير على بيوتهم للدلالة إليهم، والنون هنا تعود إلى النصارى.

الباحث السوري المتخصص في الحوار الإسلامي المسيحي روجيه أصفر يقول لـ"ارفع صوتك" إن تسمية المجموعات أو الطوائف أو الأشخاص يجب أن تؤخذ من مصادرها، أي يجب أن نسأل المسيحيين بماذا يفضلون أن ينادون.

أصفر يقترح أن نقلب الأدوار: هل يسمح المسلمون لباقي المكونات أن يطلقوا عليهم اسماً مختلفاً عن مسمى "المسلمين"؟ ويتابع: "يجب أن نحترم الاسم التي تختار أي جماعة أن تطلقه على نفسها".

لكن أصفر يتفهم أن بعض المسلمين يستندون في هذا الخصوص إلى كتابهم المقدّس وهو القرآن، ويشعرون بالتالي بحرية تسمية المسيحيين كما أسماهم القرآن (النصارى)، وبعضهم، بحسب أصفر، "سيظلّ متمسكاً بهذه التسمية كونها صادرة عن كتاب منزل".

وبمعزل عن الجوانب الإيمانية، يشير أصفر إلى وجود لغط تاريخي في التسمية، وأن هذا اللغط أوضحته الأبحاث التي قام بها مؤرخون مسيحيون ومسلمون.  

في العام 1972 نشرت مجلة "المسرّة" في عددها 572 بحثاً يحاول الإجابة عن سؤال "هل المسيحيون نصارى؟"، وحاولت تحليل فقرات من مقالات كتبها كتّاب مسيحيون ومسلمون في السنوات الممتدة بين 1953 و1973، بينهم الأب جورج فاخوي والمفكر المصري طه حسين، وخلصت المجلة إلى أن معظم الكتابات قبل العام 1965 كانت تخلط بين المفهومين ولا تميز بين المسيحيين والنصارى.

وفي العام 1965 يبدأ التمييز بين مفهوميّ "النصرانية" و"المسيحية"، كما تلاحظ المجلة، وذلك في مقال للأب يوسف درّة حدّاد تحت عنوان "النصارى في القرآن: أصلهم وحقيقتهم".

يكتب حدّاد في مقاله: "في القرآن ظاهرة متواترة مغزاها كبير: أنه على الدوام يسمي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى" لا بـ"المسيحيين" كما كانوا معروفين في عهده، في جميع الأقطار المسكونة، مع أنه يسمي ابن مريم الذي إليه ينتمون "المسيح عيسى ابن مريم"، أو "المسيح ابن مريم"، أو "المسيح" بدون قيد...".

ويشير الحدّاد إلى أن القرآن يعرّف عن "النصارى" على أنهم "فئة" أو "طائفة"، ويعتبرهم من "بني إسرائيل الذين آمنوا بالمسيح"، فيقول في سورة "الصف"(الآية 14): "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة. فأيّدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين".

وفي مقال آخر للأب حدّاد، تستشهد به المجلة، يقول إن النصارى لدى المسيحيين هم بمثابة "الشيعة" لدى المسلمين: "وهكذا أفضى الصراع في سبيل تحرير المسيحية من سلاسل الموسوية (نسبة إلى النبي موسى) إلى انقسامها قسمين: "سنة وشيعة": سنة "المسيحيين" وهم الوثنيون الذين اهتدوا إلى الإنجيل، والهلنيون الملقّبون بـ"اليونانيين"، ينضمون إلى الإنجيل والإيمان المسيحي ويسيرون بموجب سنّة الرسل التي قرّروها في مجمع أورشليم، وذلك بدون أي ارتباط بشريعة موسى". أما شيعة "النصارى"، فهم، بحسب حدّاد، "اليهود المتنصرون في فلسطين"، وهؤلاء "يحفظون الإيمان المسيحي متزاوجاً مع شريعة موسى وأحكامها من ختان وسبت وقبلة في الصلاة إلى أورشليم، ويتشيّعون لآل البيت، أي أقرباء السيد المسيح".

وبحسب حدّاد، "انكمشت شيعة النصارى في العام 135 ميلادي، وانعزلوا عن العالم المسيحي الأكبر بعزلتهم في مهاجرهم في شرق الأردن وسوريا والعراق والمشرق ومصر والجزيرة العربية، إلى أن جاء الإسلام، و"توارت شيعة النصارى من الوجود".

وفي مقال ثالث يصف حدّاد النصارى بأنهم "أمة وسط بين اليهودي والمسيحية".

أستاذة علم الأديان سماح حمزة، تقول في مقابلة سابقة مع قناة "الحرة"، إن "النصارى فرق شتّى، وما يجمع بينهم أن أصولهم عبرانية، وجمعوا بين التدين بشريعة موسى والمسيحية، فكانوا يبقون على شرائع يهودية مثل الختان وتقديس السبت ويعترفون بالناموس الموسوي، ويؤمنون في الوقت نفسه بالمسيح".

بمعنى آخر، يمكن القول، بحسب سماح حمزة، عن النصارى أنهم يؤمنون بنوع من "اليهودية المسيحية"، ولكن المشكلة التي عانى منها النصارى، كما تشرح حمزة، أن اليهود لم يعترفوا بهم وأقصاهم المعبد، والمسيحية الأممية البولسية لم تعترف بهم، فجرى إقصاؤهم واعتبروا هراطقة.

أما عن سبب عدم استخدام تسمية "المسيحيين" في القرآن، فتفسّر حمزة الأمر، بأن "المسيحية في كنيسة البداية انشقت إلى شقين: كنيسة أورشليم التي ترأسها يعقوب البار، وكانت كنيسة عبرانية وسميت بكنيسة الختان لأنها تتبنى الختان وسمى أتباع هذه الكنيسة أنفسهم بالنصارى نسبة إلى يسوع الناصري، في مقابل الكنيسة البولسية التي أسسها بولس وضمت معظم الأمم حينذاك، ولذلك سميت بالكنيسة الأممية، وأتباع هذه الكنيسة سموّا بالمسيحيين".

الفرقة التي قصدها القرآن وسماها النصارى هي بحسب حمزة، "الأبيونية" وكانت موجودة في شبه الجزيرة العربية، في مكة واليمن، ولم تكن بدورها متجانسة إذ كانت جزءاً من جماعات "مسيهودية"(الجمع بين المسيحية واليهودية) منتشرة في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. والقرآن كان يعني هذه الفئة الصغيرة الأبيونية وليس غيرها. والمشكلة حصلت في الردود التي كتبها مسلمون على النصارى، وشملوا فيها جميع المسيحيين. فيما تشير حمزة إلى أن "الفرق المسيحية التي انتشرت في بلاد الشام والعراق ومصر بعد الفتوحات الإسلامية، كانت بولسية وغير نصرانية، وأصولها ليست عبرانية".