عاش الفقيه ابن تيمية الحراني المتوفى 728 للهجرة، في فترة تاريخية حرجة. اجتاح المغول الخلافة العباسية وأسقطوها، قبل أن يتصدى لهم المماليك ويحلقوا بهم الهزيمة في معركة عين جالوت سنة 658 للهجرة.
اختار العديد من الفقهاء مساندة المماليك، في حين وقف بعضهم في صف المغول. كان ابن تيمية ممن أيدوا الدولة المملوكية، وظهر ذلك في اشتراكه في العديد من المعارك إلى جانبهم.
كما اتضح موقفه من خلال خطابه الدعوي المساند لهم، هنا يظهر السؤال المهم، لماذا اختار ابن تيمية التحالف مع المماليك دون المغول؟ كان المغول الإيليخانيون -الذين مثلوا الثقل العسكري المعادل للثقل المملوكي في المنطقة- قد أسلموا في تلك الفترة، فلماذا آثر شيخ الإسلام أن يؤيد سلاطين المماليك الذين ظلموه وحبسوه، بينما أشاح بوجهه عن السلطان المغولي غازان خان الذي رحب به وأجاب طلبه لمّا قابله في دمشق؟ نحاول في هذا المقال أن نجد إجابة على هذا السؤال، من خلال إلقاء الضوء على بعض الفتاوى المشهورة التي نُقلت عن شيخ الإسلام.
"شيخ الإسلام" من حران إلى دمشق
ولد أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في مدينة حران الواقعة في الجزيرة الفراتية في عام 661 للهجرة، في السابعة من عمره سافر مع أسرته إلى دمشق، بعد أن أغار المغول على حران.
لمّا كان ابن تيمية ينتمي لأسرة حنبلية مشهورة فقد درس الفقه الحنبلي على يد أبيه، وفي سن مبكرة تصدى للتدريس والفتوى، واشتهر بين الناس، حتى صار واحدًا من بين أشهر علماء الشام في زمانه، وعُرف بلقب "شيخ الإسلام".
صنف ابن تيمية العديد من الكتب المهمة، منها على سبيل المثال، كل من "العقيدة الواسطية"، و"منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، و"درء تعارض العقل والنقل"، و"الرسالة التدمرية"، و"الفتوى الحموية"، و"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح".
تعرض ابن تيمية للحبس عدة مرات في حياته، في كل من دمشق والقاهرة والإسكندرية، وفي 728 للهجرة، توفي في محبسه بقلعة دمشق عن عمر بلغ السابعة والستين عامًا، ودُفن بجوار أخيه شرف الدين عبد الله في مقابر الصوفية.
في ميادين الحرب والسياسة
تؤكد المصادر التاريخية على الأدوار المهمة التي لعبها ابن تيمية على مسرح الأحداث السياسية في عصره، فشارك شيخ الإسلام في الوقائع الحربية الكبرى في تلك الفترة التاريخية، كما اكتسب خطابه الدعوي الصفة السياسية في الكثير من الأحيان.
على صعيد العمل العسكري، تذكر بعض الأخبار أن ابن تيمية شارك سنة 690 للهجرة، في معركة فتح عكا.
يؤكد أبو حفص البزَّار المتوفى 749هـ -تلميذ ابن تيمية- في كتابه الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، أن شيخه حارب الصليبيين في تلك المعركة، وتحدث عن بطولاته، فقال: "يعجز الواصف عن وصفها"، قالوا: و"لقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره …".
في 699 للهجرة، حشد ابن تيمية أهل دمشق لقتال المغول، وخرج للقاء ملكهم غازان خان بعد أن انتصر على المماليك في معركة وادي الخازندار، تؤكد المصادر التاريخية أن شيخ الإسلام أقنع ملك المغول بإطلاق سراح الأسرى، وأن جهود ابن تيمية ساعدت كثيرًا في تأمين دمشق من السلب والنهب والتدمير.
تواصل تأييد ابن تيمية للمماليك سنة 700 للهجرة، عندما أصدر فتوى بإباحة قتال أهل جبال كسروان في لبنان. يختلف الباحثون في تحديد دين ومذهب أهل كسروان، ويرى البعض أنهم كانوا من المسيحيين الموارنة واليعاقبة، ويرى البعض أنهم كانوا من العلويين أو الدروز أو الشيعة الإمامية الاثني عشرية.
يذكر ابن كثير المتوفى 774 للهجرة، في كتابه "البداية والنهاية"، أنه "في يوم الجمعة العشرين من شوال ركب نائب السلطنة جمال الدين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان، وخرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية ومعه خلق كثير من المطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية، بسب فساد دينهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا؛ حين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم، وأخذوا أسلحتهم وخيولهم وقتلوا كثيرًا منهم…".
بعد سنتين فحسب، شارك ابن تيمية في معركة شَقحَب، أنتصر المماليك على المغول في تلك المعركة وثأروا للهزيمة المدوية التي تلقوها في معركة وادي الخازندار. تذكر المصادر التاريخية أن ابن تيمية حارب في تلك المعركة، وأنه شحذ همم المماليك بخطبه الحماسية، كما أنه بشر الناس بالنصر، وأفتى لهم بالإفطار في هذا اليوم -لأن المعركة وقعت في شهر رمضان- حتى يتمكنوا من خوض المعركة بكامل قواهم.
من جهة أخرى، سنجد أن ابن تيمية لم يكن بعيدًا عن الأحداث السياسية التي دارت في عصره، تتحدث المصادر أنه زار القاهرة لمقابلة سلاطين وأمراء المماليك لمرات عدة. وأنه ألح عليهم في ضرورة قتال المغول، وكان يسمي المماليك "الطائفة المنصورة".
أيضًا، دعا شيخ الإسلام الرعية لطاعة المماليك باعتبارهم أولوا الأمر وأصحاب السلطة السياسية الشرعية التي ينبغي أن ينقاد لها المسلمون.
دفاع ابن تيمية عن السلطة المملوكية ظهر بشكل واضح في كتابه المسمى "المظالم المشتركة"، يعترف ابن تيمية في هذا الكتاب بأن المماليك كثيرًا ما يظلمون الناس عند جمع الضرائب والمكوس والجزية.
رغم ذلك طلب ابن تيمية من الرعية أن يدفعوا ما يُطلب منهم، وألا يتهربوا من الدفع، فقال: "المُكرَهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل في ما يُطلب منهم وليس لبعضهم أن يظلم بعضًا في ما يُطلب منهم بل عليهم التزام العدل في ما يؤخذ منهم بغير حق كما عليهم التزام العدل في ما يؤخذ منهم بحق". لم يمنع هذا التأييد المماليك من معاقبة ابن تيمية لأكثر من مرة.
تذكر المصادر التاريخية أن شيخ الإسلام تعرض للحبس بأمر بعض السلاطين والولاة عندما خالف رأي جمهور العلماء في بعض القضايا، ومنها زيارة قبر النبي، والطلاق بلفظ الثلاث.
لماذا فضل ابن تيمية المماليك على المغول؟
يجيب الكثير من الباحثين على هذا السؤال بأن المغول -وإن كانوا أسلموا في تلك الفترة- فإنهم لم يلتزموا فعليًا بالدين الإسلامي. عاث المغول في الأرض فسادًا، وانتهكوا حرمات المسلمين، وأراقوا دمائهم.
كما أنهم لم يلتزموا بشرع الله، فلم يطبقوا الحدود الواردة في القرآن والسنة، واستعاضوا عنها بقوانين الياسا/ الياسق، وهي القوانين التي وضعها جنكيز خان -مؤسس الإمبراطورية المغولية- سنة 1206 للهجرة.
في هذا السياق، نفهم ما قاله ابن تيمية لمّا سُئل عن قتال المغول المسلمين "يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله، واتفاق أئمة المسلمين... كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين... فهم -يقصد المغول- مع إظهارهم للإسلام يعظمون أمر جنكسخان -جنكيز خان- على المسلمين المتبعين لشريعة القرآن ولا يقاتلون أولئك المتبعين لما سنه جنكسخان كما يقاتلون المسلمين بل أعظم... ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب...".
تبدو الإجابة السابقة كافية لفهم موقف ابن تيمية المعادي للمغول، ولكن سيظهر عجزها وقصورها إذا عرفنا أن الاعتماد على قوانين الياسا لم يكن أمرًا مقصورًا على المغول وحدهم. في الحقيقة كان سلاطين المماليك أنفسهم يعتمدون على الياسا ويلتزمون بما جاء فيه. على سبيل المثال يذكر المؤرخ المملوكي ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة "وأصل كلمة اليسق سى يسا، وهو لفظ مركّب من أعجمي وتركىّ، ومعناه: التراتيب الثلاث… وعلى هذا مشت التتار من يومه إلى يومنا هذا، وانتشر ذلك في سائر الممالك حتّى ممالك مصر والشام، وصاروا يقولون: «سى يسا» فثقلت عليهم فقالوا: «سياسة»... ولمّا أن تسلطن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري أحبّ أن يسلك في ملكه بالديار المصريّة طريقة چنكزخان هذا وأموره، ففعل ما أمكنه، ورتّب في سلطنته أشياء كثيرة؛ لم تكن قبله بديار مصر…".
يعني ذلك أن المماليك أيضًا لم يلتزموا بتطبيق الشريعة الإسلامية على الوجه الأمثل. وإنهم تورطوا في العديد من الأفعال المشينة المتعلقة بظلم الرعية والجور على حقوقهم.
إذا عرفنا أن سلاطين وأمراء المماليك كانوا -مثلهم مثل المغول- حديثي عهد بالإسلام، وأنهم لم يعتنقوا هذا الدين إلا من فترة قصيرة، بعد أن دخلوا في خدمة أسيادهم السابقين من الأيوبيين، حق لنا أن نرفض التفسير السابق. لم يكن ابن تيمية يعادي المغول بسبب سلوكهم الشائن والتهاون في تطبيق الشريعة فحسب. لو كان الأمر كذلك لكان من الواجب أن يرفض شيخ الإسلام السلطة المملوكية أيضًا بدلًا من أن يسميهم بالطائفة المنصورة!
لفهم السبب الحقيقي لمعاداة ابن تيمية للمغول ينبغي الالتفات إلى أمرين مهمين، أولهما جمعي، وهو السياق التاريخي الذي أسلم فيه المغول. وثانيهما فردي، وهو منهج ابن تيمية في التعامل مع الأخر المذهبي. تؤكد المصادر التاريخية أن غازان خان اعتنق الإسلام على يد رجل الدين الشيعي صدر الدين إبراهيم الخراساني الجويني.
أثر الجويني كثيرًا في شخصية السلطان المغولي، ودفعه دفعًا لاعتناق المذهب الشيعي الاثني عشري. ظهرت نتائج هذا التحول في الإعلاء من شأن الشيعة في الدولة الإيليخانية، وفي تقريبهم من السلطة السياسية، ومنحهم نفوذ واسع وصلاحيات غير مقيدة. بعد وفاة غازان خان، تحولت الدولة الإيليخانية بشكل رسمي للتشيع الإمامي الإثني عشري في عهد محمد أولجايتو.
على الجهة المقابلة، عُرف ابن تيمية بعدائه الشديد لكل الفرق والمذاهب المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة. ألف العشرات من المصنفات في نقض عقائد تلك الفرق.
يذكر ابن أيبك الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر "وضيّع -يقصد ابن تيمية- الزمان في ردّه على النصارى والرافضة، ومن عاند الدين أو ناقضه، ولو تصدّى لشرح البخاري أو تفسير القرآن العظيم، لقلد أعناق أهل العلوم بدر كلامه النظيم". في هذا السياق يمكن فهم نظرة ابن تيمية للدولة المغولية الإيليخانية. نظر شيخ الإسلام لتلك الدولة بوصفها الداعم الرئيس للمذهب الشيعي. وأنها تمثل التهديد الأعظم على المذهب السني القويم الذي يعتنقه السواد الأعظم من المسلمين.
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اشتهر بعلمه و دينه و فقهه و ممن ساروا على نهجه و علمه الإمام محمد بن عبدالوهاب و الإمام محمد بن سعود رحمهم الله ،
— النايف السعودي 🇸🇦 (@Alnaif1727) January 8, 2023
و داعش صناعة خمينية غربية أما انت رويبضة حقير حاقد على دينك و مجتمعك و مستوى فهمك للامور محدود جداً هذا إن كنت تفقه شيئاً . https://t.co/txHhKj6ETG
من هنا، كان من الطبيعي أن يحرص ابن تيمية على معاداة المغول، ليس لكونهم من المغول، وليس لأنهم مقصرين في تطبيق الشريعة الإسلامية، بل عاداهم -بالمقام الأول- بسبب اعتناقهم للتشيع.
بالتبعية أيد ابن تيمية سلاطين المماليك باعتبارهم جنود السنة المنافحين عن الدين والشرع، ومن الممكن التأكد من معقولية هذا التفسير إذا ما رجعنا لما كتبه ابن تيمية في فتاويه.
يقول شيخ الإسلام منتقدًا المغول: "إنهم أظهروا الرفض -التشيع- ومنعوا أن نذكر على المنابر الخلفاء الراشدين وذكروا عليًا وأظهروا الدعوة للاثني عشر، الذين تزعم الرافضة أنهم أئمة معصومون… والرافضة تحب التتار ودولتهم، لأنه يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين…".
يتحدث بعدها عن المماليك، ويوضح سبب تأييده لهم، فيقول: "أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما -يقصد المماليك- فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه… ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي أقوم الطوائف بدين الإسلام: علمًا وعملًا وجهادًا عن شرق الأرض وغربها، فإنهم هم الذين يقاتلون أهل الشوكة العظيمة من المشركين وأهل الكتاب ومغازيهم مع النصارى ومع المشركين من الترك ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين في الرافضة وغيرهم كالإسماعيلية ونحوهم من القرامطة معروفة: معلومة قديمًا وحديثًا. والعز الذي للمسلمين بمشارق الأرض ومغاربها هو بعزهم ولهذا لما هُزموا سنة تسع وتسعين وستمائة -يشير هنا لمعركة وادي الخازندار- دخل على أهل الإسلام من الذل والمصيبة بمشارق الأرض ومغاربها ما لا يعلمه إلا الله...".
