A Shi'ite Muslim man reads the Koran during the holy month of Ramadan at Imam Ali Shrine in the holy city of Najaf
صورة تعبيرية من العراق- رويترز

أثارت التصريحات الأخيرة للشيخ السعودي صالح المغامسي بخصوص وضع مذهب فقهي جديد، ردود أفعال جدلية. وتساءل الكثيرون عن إمكانية وضع الأسس لمذهب فقهي جديد في عالمنا المعاصر، وعن شرعية القيام بذلك الفعل أساساً.

في هذا المقال، نسلط الضوء على أهم المذاهب الفقهية الإسلامية وقصص تأسيسها وتطورها على مرّ القرون.

 

المذهب الحنفي

يُنسب هذا المذهب للفقيه أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن مرزُبان الكوفيّ، الذي ولد عام 80هـ، ويُعدّ تابعياً، لأنه التقى بعض الصحابة.

وتتلمذ أبو حنيفة على يد حماد بن أبي سليمان، ولمّا توفي عام 120هـ، خلفه أبو حنيفة في التدريس والمشيخة.

اشتهر بميله إلى التوسع في استخدام القياس، الشيء الذي عارضه العديد من الفقهاء الذين مالوا للاعتماد بشكل كامل على الحديث النبوي. من هنا فإن المذهب الحنفي عُرف باسم مذهب أهل الرأي، بينما عُرفت المذاهب المعارضة له بمذهب أهل الحديث.

من جهة أخرى، اصطدم أبو حنيفة، الذي عُرف باسم "الإمام الأعظم"، بالسلطة أكثر من مرة، سواء في زمن الأمويين أو العباسيين. واشتهر عنه تأييده لثورتي زيد بن علي ومحمد النفس الزكية على الترتيب.

توفي أبو حنيفة عام 150هـ بعد أن تعرض للضرب والحبس على يد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ورغم وفاته، اُستكمل بناء المذهب الحنفي على يد أشهر تلاميذ النعمان، وهما القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.

شيئاً فشيئاً وضعت الأسس الثابتة للمذهب، وصارت أصوله المعتمدة هي القرآن، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعُرف والعادة.

وانتشر المذهب الحنفي في مساحات واسعة من بلدان العالم الإسلامي المشرقي على وجه الخصوص، وتبنته العديد من الدول الحاكمة مثل الدولة العباسية، والدولة السلجوقية، والدولة العثمانية.

 

المذهب المالكي

يُنسب هذا المذهب للفقيه المحدّث مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، الذي ولد في المدينة المنورة عام 93هـ على أرجح الأقوال.

درس على يد عدد كبير من الشيوخ والعلماء، منهم كل من ربيعة الرأي، وابن شهاب الزهري، وهشام بن عروة. مما يُنقل عن الإمام مالك في هذا المعنى "...ما جلست -يقصد جلس للتدريس- حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني موضع لذلك"، وذلك بحسب ما يذكر محمد أبو زهرة في كتابه "الإمام مالك".

جمع الإمام مالك آلاف الأحاديث النبوية في كتابه الأشهر المعروف باسم "الموطأ". نُقل عن القاضي عياض قوله واصفاً أهمية هذا الكتاب: "لم يُعتنَ بكتاب من كتب الفقه والحديث اعتناءَ الناس بالموطأ، فإن الموافق والمخالف أجمع على تقديمه وتفضيله وروايته وتقديم حديثه وتصحيحه، وقد اعتنى بالكلام على رجاله وحديثه والتصنيف في ذلك عددٌ كثيرٌ من المالكيين وغيرهم من أصحاب الحديث والعربية".

توفى عام 179هـ، ولم يضع في حياته كتاباً مخصوصاً في توضيح الأصول التي اعتمد عليها مذهبه الفقهي، ورغم ذلك استنبط الفقهاء المالكيين الذين قدموا من بعده تلك الأصول من خلال ما نُقل من فتاوى مالك وأقواله.

وقالوا إن أصول مذهبه هي القرآن، والسنة النبوية، والإجماع، وعمل أهل المدينة، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف والعادات، وسد الذرائع، والاستصحاب.

لاقى المذهب المالكي انتشاراً كبيراً في المدينة المنورة، وفي مصر والسودان، كما أضحى المذهب الغالب في المغرب الإسلامي بشكل عام، ثم انتشر في عموم الأندلس بعدما تبنّته دولة بني أمية، بدءاً من عهد الأمير هشام الرضا.

كذلك انتشر المذهب المالكي في أفريقيا -تونس الحالية- في النصف الأول من القرن الثالث في زمن حكم الأغالبة الهجري على يد الفقيه سحنون التنوخي.

الجدير ذكره، أن المذهب المالكي صار أحد مكونات الهوية الإسلامية المغربية، لمّا فرض العثمانيون سيطرتهم على المشرق الإسلامي في بدايات القرن السادس عشر الميلادي فرضوا المذهب الحنفي في الكثير من المناطق، أما المغرب الإسلامي فاحتفظ بالمذهب المالكي تعبيراً عن استقلاله السياسي عن الإمبراطورية العثمانية.

 

المذهب الشافعي

يُنسب هذا المذهب للفقيه محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ، الذي ولد في غزة بفلسطين عام 150هـ. وعُرف منذ صغره بالذكاء وسرعة الحفظ، وفي ذلك يُنقل عنه قوله: "حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين".

سافر الشافعي في رحلة طويلة لطلب العلم فزار الحجاز واليمن وبغداد، وتتلمذ على يد العديد من الشيوخ والفقهاء المشهورين في شتى البلدان، ومن أهمهم كل من الإمام مالك، ومحمد بن الحسن الشيباني.

في عام 199هـ وصل الشافعي إلى مصر وظل مقيماً بها حتى وفاته عام 204هـ، وألف فيها كتابه "الرسالة"، الذي يُعدّ واحداً من أشهر كتبه على الإطلاق. وفيه وضح الشافعي أصول مذهبه الفقهي، وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي، والقياس.

يوضح محمد أبو زهرة في كتابه "الإمام الشافعي"، الأهمية التي مثلها الشافعي في المجال الفقهي في زمنه، بالقول: "كان الناس قبل زمان الشافعي فريقين: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، أما أصحاب الحديث فكانوا حافظين لأخبار رسول الله، إلا أنهم كانوا عاجزين عن النظر والجدل، وكلما أورد عليهم أحد من أصحاب الرأي سؤالاً أو إشكالاً سقطوا في أيديهم عاجزين متحيرين، وأما أصحاب الرأي فكانوا أصحاب النظر والجدل، إلا أنهم كانوا عاجزين عن الآثار والسنن، وأما الشافعي رضيَ الله عنه فكان عارفاً بسنة رسول الله، محيطاً بقوانينها، وكان عارفاً بآداب النظر والجدل قوياً فيه، وكان فصيحَ الكلام، قادراً على قهر الخصوم بالحجة الظاهرة، وآخذاً في نصرة أحاديث رسول الله، وكل من أورد عليه سؤالاً أو إشكالاً أجاب عنه بأجوبة شافية كافية، فانقطع بسببه استيلاءُ أهل الرأي على أصحاب الحديث".

كُتب للمذهب الشافعي الاشتهار والذيوع بعد وفاة الشافعي بقرون، وقع ذلك في القرن الخامس الهجري في عصر الدولة السلجوقية، حيث كان الوزير الفارسي نظام الملك الطوسي شافعياً متحمساً لنشر مذهبه الفقهي بين الناس.

أقام نظام الملك المدارس المعروفة باسم المدارس النظامية في كل من بغداد، وأصفهان، وطوس، ونيسابور وغيرها من حواضر العراق وإيران. واستقدم كبار العلماء الشافعية للتدريس في تلك المدارس، من أهمهم أبو إسحق الشيرازي المتوفى، وعبد الملك بن عبد الله الجويني، وأبو حامد محمد بن محمد الغزالي.

في أواسط القرن السادس الهجري، أسقط صلاح الدين الأيوبي الدولة الفاطمية الشيعية وأقام الدولة الأيوبية، فعمل صلاح الدين -الشافعي المذهب- على نشر مذهبه بين الناس في شتى عموم دولته في مصر والشام. في ذلك يقول تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية": "هذان الإقليمان -يقصد مصر والشام- مركز ملك الشافعية منذ ظهر مذهب الشافعية، اليد العالية لأصحابه في هذه البلاد، لا يكون القضاء والخطابة في غيرهم".

كذلك انتشر المذهب الشافعي بين الأكراد في العراق وسوريا وآسيا الصغرى وإيران. يفسر الباحث عبد الباري عزيز عثمان في بحثه "الكرد والمذهب الشافعي" اختيار الكرد للمذهب الشافعي على وجه التحديد بقوله: "إن تمذهب الكرد بمذهب الإمام الشـافعي جاء بعد أن رأى الكرد أن الترك تمذهبوا بمذهب الإمام الحنفي، والفرس تبنوا التشيع، والكرد لهــم نزعة استقلالية فكان تمذهبهم بالشافعي ليكونوا مختلفين عـن الشـعوب المحيطة بهم...".

 

المذهب الحنبلي

يُنسب هذا المذهب للفقيه المحدّث أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي، الذي ولد في بغداد عام 164هـ. وسافر في طلب الحديث النبوي فزار بلاد الحجاز وتهامة واليمن، واشتهر  بموقفه الرافض للقول بخلق القرآن في زمن الخليفة المأمون ومن بعده الخليفة المعتصم والخليفة الواثق.

تذكر المصادر التاريخية السنية أن ابن حنبل تعرض للتعذيب والحبس والتضييق في تلك الفترة. في ثلاثينيات القرن الثالث الهجري انتهت تلك المحنة بعدما تولى الخليفة المتوكل على الله السلطة، وسمح لابن حنبل بمواصلة التدريس ورواية الحديث.

بشكل عام، يُنظر لابن حنبل باعتباره محدثاً أكثر مما يُنظر إليه باعتباره فقيهاً. لم يصرح ابن حنبل بالأسس التي بنى عليها آراءه الفقهية، ولكن علماء الحنابلة الذين ساروا على دربه من بعده أوضحوا أن المذهب الحنبلي يقوم على مجموعة من الأسس وهي القرآن، والسنة النبوية، وفتوى الصحابة، والإجماع، والقياس، والاستصحاب، والمصالح، والذرائع.

لم يُكتب للمذهب الحنبلي الانتشار على نطاق واسع كما وقع للمذاهب السنية الثلاث المتقدمة. انتشر الحنابلة في بعض أحياء بغداد، ودخلوا في مصادمات عنيفة مع الشيعة والأحناف والشافعية في الكثير من الأحيان.

كذلك انتشر المذهب الحنبلي في شبه الجزيرة العربية في بعض مناطق نجد وما حولها، في العصر الحديث اصطبغت أغلب الدول الخليجية بالمذهب الحنبلي وذلك بعدما وقع التحالف بين الفقيه الحنبلي محمد بن عبد الوهاب وأمير الدرعية محمد بن سعود بن محمد آل مقرن في القرن الثامن عشر الميلادي.

 

المذهب الجعفري

يُنسب المذهب الجعفري إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق المتوفى عام 148هـ، وهو سادس الأئمة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية.

يمكن القول إن تسمية المذهب الجعفري مكافئ لتسمية المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، وإن كان المقصود بالأول المذهب الفقهي الذي يعتنقه الشيعة الإمامية.

يؤمن الشيعة الإمامية بأن النبي نص على ولاية وإمامة علي بن أبي طالب بشكل واضح وصريح في غدير خم في الثامن عشر من ذي الحجة عام 10هـ، ويعتقدون أنه تم النص كذلك على إمامة أحد عشر إمامًا بعد علي، وهم الحسن، والحسين، وعلي زين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، وأخيرًا الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري.

يعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام الأخير اختفى عن أنظار الناس في سامراء عام 329هـ، وأنه يعيش الآن في مكان غير معلوم، ويؤمنون أنه سوف يظهر مرة أخرى في آخر الزمان عندما يزيد الظلم والجور والفساد في الأرض.

ظهرت بعض الدول التي تبنت المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري وعملت على نشره عبر القرون. من أهم تلك الدول، البويهية الفارسية التي شاطرت الخلافة العباسية الحكم والسطوة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، ودولة المغول الإيليخانيين التي حكمت العراق في القرنين السابع والثامن الهجريين، والدولة الصفوية التي حكمت إيران في الفترة ما بين القرن العاشر- القرن الثاني عشر الهجري. 

على الصعيد الفقهي، يوجد خلاف داخل المذهب الجعفري بين المدرسة الإخبارية والمدرسة الأصولية. يرى الإخباريون أن القرآن والحديث النبوي وأحاديث أئمة الشيعة هي المصادر الوحيدة للفقه واستنباط الحكم الشرعي، وظهرت تلك المدرسة في أوائل القرن الحادي عشر الهجري على يد الميرزا محمد أمين الاسترابادي.

بينما يعتمد الأصوليون على أربعة مصادر وهي القرآن والسنة والإجماع والعقل، ويرون بالاجتهاد وبضرورة اتباع "مرجع التقليد"، وفي ذلك المعنى يقول الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه "عقائد الإمامية": "وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشروط أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله...".

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع.

 يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام. يعترف الدستور العراقي في مادته الثانية بالمسيحية باعتبارها أحد الأديان التي يضمن لأفرادها "حقهم الكامل في حرية العقيدة والممارسة الدينية".

رغم ذلك، يعاني المسيحيون العراقيون من العديد من المشكلات في السنوات الأخيرة. كيف انتشرت المسيحية في العراق؟ وما هي أهم الدول المسيحية التي قامت في بلاد الرافدين؟ وكيف حافظ المسيحيون العراقيون على وجودهم في بلادهم رغم حملات الاضطهاد والعنف التي استهدفتهم على مر القرون؟

من توما إلى نسطوريوس

عرف العراق المسيحية في وقت مبكر. كان القديس توما الرسول أول من بشر بالدين المسيحي في العراق في القرن الأول الميلادي.

بعدها، انتشرت المسيحية في نواحي مختلفة من بلاد الرافدين، ولا سيما في المناطق الشمالية المتاخمة لتركيا الحالية. في هذا السياق، لعب الرهبان دوراً مهماً في نشر المسيحية. وبحسب ما ورد في كتاب السنكسار القبطي -وهو الكتاب الذي يضم سيّر القديسين والشهداء والآباء في الكنيسة القبطية المصرية- فإن القديس الراهب أوكين المصري سافر إلى العراق واصطحب معه في تلك الرحلة سبعين تلميذاً له، واختار بعد فترة من الترحال منطقة نصيبين ليقيم فيها، وسكن هناك في إحدى المغارات الجبلية، ومن حوله سكن تلاميذه. عاش أوكين في تلك المغارة لمدة ثلاثين سنة، وقصده الكثير من المسيحيين ليدرسوا عليه أصول الرهبنة، بعد فترة، انتشر المنهج الرهباني في شمالي العراق.

يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

يذكر الباحث عماد توماس في دراسته "تاريخ الرهبنة السريانية" أن الكنيسة السريانية اهتمت في تلك الفترة بشأن الرهبنة، فأسست مئات الأديرة التي انضم إليها ألوف من الرجال والنساء. "ففي القرن الخامس، وجد في جبل الرها وحده ثلاثمئة دير، يقيم فيه تسعون ألف راهب، وفي دير مار متى شرقي الموصل اثنا عشر ألف راهب"!، يقول توماس.

تحتفظ لنا الكتابات السريانية بأسماء العديد من الرهبان العراقيين الذين اشتهر أمرهم بين الناس. وذاع صيتهم بسبب ما نُسب إليهم من كرامات وخوارق. يحكي ثيودوريتوس أسقف قورش في كتابه "تاريخ أصفياء الله" قصص العديد من هؤلاء الرهبان، ومنهم الراهب إبراهيم الكشكري الكبير الذي ولد في أواخر القرن الخامس الميلادي، ويُنسب إلى مدينة كشكر الواقعة في منطقة الكوت. قام إبراهيم بالتبشير بالمسيحية في مملكة الحيرة. وبنى ديراً كبيراً في منطقة نصيبين.

كان العراق على موعد مهم في تاريخ علاقته بالمسيحية في القرن الخامس الميلادي، في تلك الفترة، تم عقد مجمع أفسس في سنة 431م، ورُفضت فيه أفكار نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية بخصوص طبيعة المسيح. على إثر ذلك، انتقلت أفكار نسطوريوس إلى العراق وبلاد فارس.

وتم تأسيس الكنيسة المعروفة باسم كنيسة المشرق، وقد ظلت تلك الكنيسة قائمة في العراق لقرون متوالية حتى انقسمت في وقت متأخر إلى كنيستين كبيرتين، وهما كنيسة المشرق الآشورية التي ظلت محافظة على أفكار نسطوريوس، وكنيسة الكلدان الكاثوليك التي تتبع بابا الفاتيكان. وبحسب بعض الآراء، فإن هذا الانقسام وقع في القرن السادس عشر الميلادي.

في سنة 1552م، قدم رسل الفاتيكان لنشر الكاثوليكية في العراق، ونجحوا في نشر مذهبهم فيما يدعى اليوم بسهل نينوى،  فيما حالت صعوبة المواصلات في تلك الفترة دون نشر أفكارهم في المناطق الجبلية الوعرة. تسبب ذلك في اعتناق أهل السهول للكاثوليكية، وعرفوا باسم الكلدان/ البابليين. فيما بقي أهل الجبال على مذهبهم القديم، وعُرفوا باسم الأشوريين. 

مملكة الحيرة المسيحية

ارتبطت المسيحية في العراق بواحدة من الممالك المهمة، وهي مملكة الحيرة القديمة. نشأت تلك المملكة في نهايات القرن الثاني الميلادي، وعُرفت باسم مملكة الحيرة نسبةً إلى عاصمتها، بينما اُطلق اسم المناذرة على ملوك تلك المملكة لأن العديد منهم سُمي باسم المنذر.

تمتعت مملكة الحيرة بقدر كبير من الحرية الدينية. لم ير أكاسرة فارس بأساً من انتشار المسيحية في بلاد الحيرة المتاخمة لهم. يفسر الباحث العراقي جواد علي هذا الأمر في كتابه "المُفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" بكون المجوسية -التي اعتنقها الفرس- لم تكن ديناً تبشيرياً، من هنا لم يقع الصدام بين الفرس والمناذرة.

وعلى النقيض من ذلك، حدث في الكثير من الأحيان أن توافق الطرفان دينياً وسياسياً. اعتنق العديد من ملوك المناذرة المسيحية وفق المذهب النسطوري، ولمّا كان هذا المذهب معادياً للمذهب الملكاني الذي أقرته الإمبراطورية البيزنطية فقد أيده العديد من ملوك فارس نكايةً في عدوهم اللدود، وذلك بحسب ما يذكر الباحث محمد مبروك نافع في كتابه "عصر ما قبل الإسلام".

قطعة أثرية قديمة عثر عليها منقبون في موقع مدينة الحيرة القديمة قرب النجف.
مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

يشرح جواد علي الدور المهم الذي لعبته مملكة الحيرة في نشر المسيحية النسطورية بين القبائل العربية القريبة، فيقول: "تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران، فدخلت إلى "قطر" وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى... ومن الحيرة انتقلت النسطورية إلى اليمامة، فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران واليمن، وصلت إليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجارية، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها، وقد قوي هذا المذهب ولا شك بعد دخول الفرس إلى اليمن".

 

 مسيحيو العراق تحت الحكم الإسلامي

ظلت المسيحية غالبة على أهل العراق حتى بدايات القرن السابع الميلادي. في تلك الفترة، خرجت الجيوش العربية من شبه الجزيرة العربية وعملت على التوسع في بلاد العراق والشام، ولم تمر سنوات معدودة حتى أضحى العراق جزءاً من دولة الخلافة الإسلامية.

بشكل عام، حظي المسيحيون العراقيون بمعاملة متسامحة من قِبل العرب القادمين من شبه الجزيرة. ويمكن تفسير ذلك بأن الدين الإسلامي اعترف بالمسيحية بوصفها إحدى الديانات الكتابية ذات الأصل الإلهي.

وتذكر المصادر التاريخية أن الكثير من المسيحيين العراقيين لاقوا التقدير والاحترام من قِبل السلطات السياسية الحاكمة.

يقول الجاحظ في إحدى رسائله: "إن النصارى، متكلمين وأطباء ومنجمين، وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء... وإن منهم كتّاب السلاطين وفرّاشي الملوك وأطباء الأشراف والعطّارين والصيارفة... وأنهم اتخذوا البراذين والخيل واتخذوا الشاكرية والخدم والمستخدمين وامتنع كثير من كبرائهم من عطاء الجزية".

من هنا، لم يكن من الغريب أن يبزغ نجم العديد من المسيحيين العراقيين، ومنهم كل من الشاعر الأخطل، والمترجم يوحنا بن البطريق، والطبيب حنين بن إسحاق، والفيلسوف يحيى بن عدي.

رغم ذلك، وقعت العديد من حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين. فعلى سبيل المثال تعرض المسيحيون للاضطهاد زمن حكم الخليفة المتوكل على الله العباسي في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، فقد أصدر المتوكل مجموعة من القرارات المقيدة لحرية المسيحيين.

يذكر المؤرخ ابن جرير الطبري تفاصيل تلك القرارات في كتابه المعروف "تاريخ الرسل والملوك". يقول: "أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب... وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعاً صير مسجداً، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجداً صير فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يُستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليباً، وأن يشمّلوا -يمشوا ناحية اليسار- في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين".

تتابعت حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين في العصر الحديث أيضاً. و من ذلك، الحملات المعروفة باسم "مذابح سيفو"، والتي شنها العثمانيون على الآشوريين المسيحيين في شمالي العراق في الفترة من 1914- 1920م، وما وقع في سنة 1933م، عندما وجه رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني بعض فرق الجيش لتدمير العشرات من القرى الآشورية المسيحية في الموصل، وذلك على إثر مطالبة الآشوريين المسيحيين بالحكم الذاتي لمناطقهم، فيما عُرف باسم "مذبحة سميل"، وذلك بحسب ما يذكر الكاتب محمد عادل داود في كتابه "تاريخ الدماء".

تزامنت آخر حملات الاضطهاد ضد المسيحيين مع سيطرة تنظيم  "داعش" على المناطق الشمالية والغربية من العراق في الفترة بين 2014 و2017م.

تعرض المسيحيون القاطنون خلال تلك الفترة للعديد من المخاطر. تم تدمير العشرات من الكنائس والأديرة، كما هُجرت المئات من العائلات المسيحية. وبحسب بعض التقارير لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م.

في مارس سنة 2021م، زار البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، الأراضي العراقية في رحلة تاريخية حظيت باهتمام واسع من قِبل ملايين المسيحيين المنتشرين حول العالم. وأكد البابا في زيارته أن "التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضرر جسيم لا يمكن تقديره".

ورحب في كلمته التي ألقاها في الموصل "بعودة الجالية المسيحية إلى الموصل لتقوم بدورها الحيوي في عملية الشفاء والتجديد". وكذلك صلى "من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة"، مؤكداً أن "الرجاء أقوى من الموت، والسلام أقوى من الحرب".