A Shi'ite Muslim man reads the Koran during the holy month of Ramadan at Imam Ali Shrine in the holy city of Najaf
صورة تعبيرية من العراق- رويترز

أثارت التصريحات الأخيرة للشيخ السعودي صالح المغامسي بخصوص وضع مذهب فقهي جديد، ردود أفعال جدلية. وتساءل الكثيرون عن إمكانية وضع الأسس لمذهب فقهي جديد في عالمنا المعاصر، وعن شرعية القيام بذلك الفعل أساساً.

في هذا المقال، نسلط الضوء على أهم المذاهب الفقهية الإسلامية وقصص تأسيسها وتطورها على مرّ القرون.

 

المذهب الحنفي

يُنسب هذا المذهب للفقيه أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن مرزُبان الكوفيّ، الذي ولد عام 80هـ، ويُعدّ تابعياً، لأنه التقى بعض الصحابة.

وتتلمذ أبو حنيفة على يد حماد بن أبي سليمان، ولمّا توفي عام 120هـ، خلفه أبو حنيفة في التدريس والمشيخة.

اشتهر بميله إلى التوسع في استخدام القياس، الشيء الذي عارضه العديد من الفقهاء الذين مالوا للاعتماد بشكل كامل على الحديث النبوي. من هنا فإن المذهب الحنفي عُرف باسم مذهب أهل الرأي، بينما عُرفت المذاهب المعارضة له بمذهب أهل الحديث.

من جهة أخرى، اصطدم أبو حنيفة، الذي عُرف باسم "الإمام الأعظم"، بالسلطة أكثر من مرة، سواء في زمن الأمويين أو العباسيين. واشتهر عنه تأييده لثورتي زيد بن علي ومحمد النفس الزكية على الترتيب.

توفي أبو حنيفة عام 150هـ بعد أن تعرض للضرب والحبس على يد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ورغم وفاته، اُستكمل بناء المذهب الحنفي على يد أشهر تلاميذ النعمان، وهما القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.

شيئاً فشيئاً وضعت الأسس الثابتة للمذهب، وصارت أصوله المعتمدة هي القرآن، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعُرف والعادة.

وانتشر المذهب الحنفي في مساحات واسعة من بلدان العالم الإسلامي المشرقي على وجه الخصوص، وتبنته العديد من الدول الحاكمة مثل الدولة العباسية، والدولة السلجوقية، والدولة العثمانية.

 

المذهب المالكي

يُنسب هذا المذهب للفقيه المحدّث مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، الذي ولد في المدينة المنورة عام 93هـ على أرجح الأقوال.

درس على يد عدد كبير من الشيوخ والعلماء، منهم كل من ربيعة الرأي، وابن شهاب الزهري، وهشام بن عروة. مما يُنقل عن الإمام مالك في هذا المعنى "...ما جلست -يقصد جلس للتدريس- حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني موضع لذلك"، وذلك بحسب ما يذكر محمد أبو زهرة في كتابه "الإمام مالك".

جمع الإمام مالك آلاف الأحاديث النبوية في كتابه الأشهر المعروف باسم "الموطأ". نُقل عن القاضي عياض قوله واصفاً أهمية هذا الكتاب: "لم يُعتنَ بكتاب من كتب الفقه والحديث اعتناءَ الناس بالموطأ، فإن الموافق والمخالف أجمع على تقديمه وتفضيله وروايته وتقديم حديثه وتصحيحه، وقد اعتنى بالكلام على رجاله وحديثه والتصنيف في ذلك عددٌ كثيرٌ من المالكيين وغيرهم من أصحاب الحديث والعربية".

توفى عام 179هـ، ولم يضع في حياته كتاباً مخصوصاً في توضيح الأصول التي اعتمد عليها مذهبه الفقهي، ورغم ذلك استنبط الفقهاء المالكيين الذين قدموا من بعده تلك الأصول من خلال ما نُقل من فتاوى مالك وأقواله.

وقالوا إن أصول مذهبه هي القرآن، والسنة النبوية، والإجماع، وعمل أهل المدينة، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف والعادات، وسد الذرائع، والاستصحاب.

لاقى المذهب المالكي انتشاراً كبيراً في المدينة المنورة، وفي مصر والسودان، كما أضحى المذهب الغالب في المغرب الإسلامي بشكل عام، ثم انتشر في عموم الأندلس بعدما تبنّته دولة بني أمية، بدءاً من عهد الأمير هشام الرضا.

كذلك انتشر المذهب المالكي في أفريقيا -تونس الحالية- في النصف الأول من القرن الثالث في زمن حكم الأغالبة الهجري على يد الفقيه سحنون التنوخي.

الجدير ذكره، أن المذهب المالكي صار أحد مكونات الهوية الإسلامية المغربية، لمّا فرض العثمانيون سيطرتهم على المشرق الإسلامي في بدايات القرن السادس عشر الميلادي فرضوا المذهب الحنفي في الكثير من المناطق، أما المغرب الإسلامي فاحتفظ بالمذهب المالكي تعبيراً عن استقلاله السياسي عن الإمبراطورية العثمانية.

 

المذهب الشافعي

يُنسب هذا المذهب للفقيه محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ، الذي ولد في غزة بفلسطين عام 150هـ. وعُرف منذ صغره بالذكاء وسرعة الحفظ، وفي ذلك يُنقل عنه قوله: "حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين".

سافر الشافعي في رحلة طويلة لطلب العلم فزار الحجاز واليمن وبغداد، وتتلمذ على يد العديد من الشيوخ والفقهاء المشهورين في شتى البلدان، ومن أهمهم كل من الإمام مالك، ومحمد بن الحسن الشيباني.

في عام 199هـ وصل الشافعي إلى مصر وظل مقيماً بها حتى وفاته عام 204هـ، وألف فيها كتابه "الرسالة"، الذي يُعدّ واحداً من أشهر كتبه على الإطلاق. وفيه وضح الشافعي أصول مذهبه الفقهي، وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي، والقياس.

يوضح محمد أبو زهرة في كتابه "الإمام الشافعي"، الأهمية التي مثلها الشافعي في المجال الفقهي في زمنه، بالقول: "كان الناس قبل زمان الشافعي فريقين: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، أما أصحاب الحديث فكانوا حافظين لأخبار رسول الله، إلا أنهم كانوا عاجزين عن النظر والجدل، وكلما أورد عليهم أحد من أصحاب الرأي سؤالاً أو إشكالاً سقطوا في أيديهم عاجزين متحيرين، وأما أصحاب الرأي فكانوا أصحاب النظر والجدل، إلا أنهم كانوا عاجزين عن الآثار والسنن، وأما الشافعي رضيَ الله عنه فكان عارفاً بسنة رسول الله، محيطاً بقوانينها، وكان عارفاً بآداب النظر والجدل قوياً فيه، وكان فصيحَ الكلام، قادراً على قهر الخصوم بالحجة الظاهرة، وآخذاً في نصرة أحاديث رسول الله، وكل من أورد عليه سؤالاً أو إشكالاً أجاب عنه بأجوبة شافية كافية، فانقطع بسببه استيلاءُ أهل الرأي على أصحاب الحديث".

كُتب للمذهب الشافعي الاشتهار والذيوع بعد وفاة الشافعي بقرون، وقع ذلك في القرن الخامس الهجري في عصر الدولة السلجوقية، حيث كان الوزير الفارسي نظام الملك الطوسي شافعياً متحمساً لنشر مذهبه الفقهي بين الناس.

أقام نظام الملك المدارس المعروفة باسم المدارس النظامية في كل من بغداد، وأصفهان، وطوس، ونيسابور وغيرها من حواضر العراق وإيران. واستقدم كبار العلماء الشافعية للتدريس في تلك المدارس، من أهمهم أبو إسحق الشيرازي المتوفى، وعبد الملك بن عبد الله الجويني، وأبو حامد محمد بن محمد الغزالي.

في أواسط القرن السادس الهجري، أسقط صلاح الدين الأيوبي الدولة الفاطمية الشيعية وأقام الدولة الأيوبية، فعمل صلاح الدين -الشافعي المذهب- على نشر مذهبه بين الناس في شتى عموم دولته في مصر والشام. في ذلك يقول تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية": "هذان الإقليمان -يقصد مصر والشام- مركز ملك الشافعية منذ ظهر مذهب الشافعية، اليد العالية لأصحابه في هذه البلاد، لا يكون القضاء والخطابة في غيرهم".

كذلك انتشر المذهب الشافعي بين الأكراد في العراق وسوريا وآسيا الصغرى وإيران. يفسر الباحث عبد الباري عزيز عثمان في بحثه "الكرد والمذهب الشافعي" اختيار الكرد للمذهب الشافعي على وجه التحديد بقوله: "إن تمذهب الكرد بمذهب الإمام الشـافعي جاء بعد أن رأى الكرد أن الترك تمذهبوا بمذهب الإمام الحنفي، والفرس تبنوا التشيع، والكرد لهــم نزعة استقلالية فكان تمذهبهم بالشافعي ليكونوا مختلفين عـن الشـعوب المحيطة بهم...".

 

المذهب الحنبلي

يُنسب هذا المذهب للفقيه المحدّث أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي، الذي ولد في بغداد عام 164هـ. وسافر في طلب الحديث النبوي فزار بلاد الحجاز وتهامة واليمن، واشتهر  بموقفه الرافض للقول بخلق القرآن في زمن الخليفة المأمون ومن بعده الخليفة المعتصم والخليفة الواثق.

تذكر المصادر التاريخية السنية أن ابن حنبل تعرض للتعذيب والحبس والتضييق في تلك الفترة. في ثلاثينيات القرن الثالث الهجري انتهت تلك المحنة بعدما تولى الخليفة المتوكل على الله السلطة، وسمح لابن حنبل بمواصلة التدريس ورواية الحديث.

بشكل عام، يُنظر لابن حنبل باعتباره محدثاً أكثر مما يُنظر إليه باعتباره فقيهاً. لم يصرح ابن حنبل بالأسس التي بنى عليها آراءه الفقهية، ولكن علماء الحنابلة الذين ساروا على دربه من بعده أوضحوا أن المذهب الحنبلي يقوم على مجموعة من الأسس وهي القرآن، والسنة النبوية، وفتوى الصحابة، والإجماع، والقياس، والاستصحاب، والمصالح، والذرائع.

لم يُكتب للمذهب الحنبلي الانتشار على نطاق واسع كما وقع للمذاهب السنية الثلاث المتقدمة. انتشر الحنابلة في بعض أحياء بغداد، ودخلوا في مصادمات عنيفة مع الشيعة والأحناف والشافعية في الكثير من الأحيان.

كذلك انتشر المذهب الحنبلي في شبه الجزيرة العربية في بعض مناطق نجد وما حولها، في العصر الحديث اصطبغت أغلب الدول الخليجية بالمذهب الحنبلي وذلك بعدما وقع التحالف بين الفقيه الحنبلي محمد بن عبد الوهاب وأمير الدرعية محمد بن سعود بن محمد آل مقرن في القرن الثامن عشر الميلادي.

 

المذهب الجعفري

يُنسب المذهب الجعفري إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق المتوفى عام 148هـ، وهو سادس الأئمة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية.

يمكن القول إن تسمية المذهب الجعفري مكافئ لتسمية المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، وإن كان المقصود بالأول المذهب الفقهي الذي يعتنقه الشيعة الإمامية.

يؤمن الشيعة الإمامية بأن النبي نص على ولاية وإمامة علي بن أبي طالب بشكل واضح وصريح في غدير خم في الثامن عشر من ذي الحجة عام 10هـ، ويعتقدون أنه تم النص كذلك على إمامة أحد عشر إمامًا بعد علي، وهم الحسن، والحسين، وعلي زين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، وأخيرًا الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري.

يعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام الأخير اختفى عن أنظار الناس في سامراء عام 329هـ، وأنه يعيش الآن في مكان غير معلوم، ويؤمنون أنه سوف يظهر مرة أخرى في آخر الزمان عندما يزيد الظلم والجور والفساد في الأرض.

ظهرت بعض الدول التي تبنت المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري وعملت على نشره عبر القرون. من أهم تلك الدول، البويهية الفارسية التي شاطرت الخلافة العباسية الحكم والسطوة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، ودولة المغول الإيليخانيين التي حكمت العراق في القرنين السابع والثامن الهجريين، والدولة الصفوية التي حكمت إيران في الفترة ما بين القرن العاشر- القرن الثاني عشر الهجري. 

على الصعيد الفقهي، يوجد خلاف داخل المذهب الجعفري بين المدرسة الإخبارية والمدرسة الأصولية. يرى الإخباريون أن القرآن والحديث النبوي وأحاديث أئمة الشيعة هي المصادر الوحيدة للفقه واستنباط الحكم الشرعي، وظهرت تلك المدرسة في أوائل القرن الحادي عشر الهجري على يد الميرزا محمد أمين الاسترابادي.

بينما يعتمد الأصوليون على أربعة مصادر وهي القرآن والسنة والإجماع والعقل، ويرون بالاجتهاد وبضرورة اتباع "مرجع التقليد"، وفي ذلك المعنى يقول الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه "عقائد الإمامية": "وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشروط أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله...".

مواضيع ذات صلة:

صورة لمقبرة البقيع في المدينة المنورة نشرها أحد الزوّار على صفحتها في خرائط غوغل- تعبيرية
صورة لمقبرة البقيع في المدينة المنورة نشرها أحد الزوّار على صفحتها في خرائط غوغل- تعبيرية

وجه زعيم التيار الصدري،  مقتدى الصدر،  أمس الاثنين، دعوة إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإعادة بناء قبور أئمة البقيع.

وقال رجل الدين العراقي، في تغريدة له عبر منصة "إكس": "بعد ما رأينا من تغيير في سياسات المملكة العربية السعودية وما حدث من انفتاح كبير فيها ونبذ للتشدد في أروقتها على يد ولي العهد السعودي الأخ محمد بن سلمان المحترم أجد في ذلك فرصة لتذكيرهم بإعادة بناء قبور أئمة البقيع روحي لهم الفداء وخصوصاً ونحن في ذكرى تهديمها على يد بعض المتشددين آنذاك".

وأضاف الصدر: "كان وما زال ذلك التهديم خارجاً عن السياقات الشرعية والعقائدية والاجتماعية عند كل الأعراف والأديان والعقائد والانتماءات والأفكار المعتدلة والصحيحة وخصوصاً أن من هُدمت قبورهم يمثلون الانتماءات الإسلامية والإنسانية كافة كما هو منصوص في قرآننا العظيم".

من هم الأئمة الذين دعا الصدر لإعادة بناء قبورهم؟ وما هي مكانتهم في المذهب الشيعي خصوصاً، وعند كافة المسلمين بشكل عام؟ وكيف تم هدم قبورهم منذ مئة سنة؟

 

مقبرة البقيع

تُعدّ مقبرة البقيع في المدينة بالسعودية من أقدم المقابر الإسلامية، إن لم تكن أقدمها على الإطلاق. وتقع بجوار قبر الرسول محمد والمسجد النبوي.

تذكر المصادر التاريخية أن المقبرة تضم جثامين آلاف الصحابة والتابعين على مر القرون. وقيل إن أول من دُفن فيها كان الصحابي عثمان بن مظعون.

تضم كذلك مراقد العشرات من الأعلام الذين عاشوا زمن النبوة، من هؤلاء كل من العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وأسامة بن زيد، فضلاً عن مجموعة من زوجات الرسول محمد، منهم عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة، وصفية بنت حيي بن أخطب.

تحظى أرض البقيع بمكانة مقدسة لدى أتباع المذهب الشيعي بفروعه الثلاثة: الاثني عشري والإسماعيلي والزيدي؛ بسبب وجود مراقد أربعة من أئمة الشيعة الكبار، هم الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي زين العابدين بن الحسين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق على الترتيب.

يؤمن كل من الشيعة الاثني عشرية والشيعة الإسماعيلية أن هؤلاء الأئمة هم "حجج الله الناطقة"، و"ورثة النبوة والعلم". وحظيت قبورهم بتعظيم وتبجيل على مر الأجيال.

 

عمران المقبرة

في كتابه "بقيع الغرقد" يتتبع الباحث الشيعي محمد أمين الأميني أهم المراحل العمرانية لمراقد الأئمة الأربعة في البقيع. وقعت المرحلة الأولى في القرن الخامس الهجري على يد الوزير مجد الملك القمي الأردستاني، وزير السلطان السلجوقي بركياروق.

ثم تتابع عمران المنطقة في زمن الخليفة الناصر لدين الله العباسي في سنة 560 هجرية. وفي القرن التاسع الهجري، تم الاهتمام بعمران القباب بتوجيه من السلطان المملوكي الأشرف قايتباي، قبل أن تُكتمل الحركة العمرانية في البقيع في القرن الحادي عشر من الهجرة، على يد بعض السادة المنحدرين من نسل علي بن أبي طالب. منهم محمد علي أمين السلطنة الذي "قام بنصب الشباك المصنوع من الفولاذ على قبور البقيع".

تؤكد كتابات الرحالة والمؤرخين المسلمين الذين زاروا الحجاز على عظمة وبهاء مراقد أئمة البقيع. فقد وصف الأندلسي ابن جبير قبري الإمام الحسن بن علي والعباس بن عبد المطلب، قائلا: "قبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق مرصعة بصفائح الصفر ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر".

ووصف المغربي ابن بطوطة القبة الموضوعة على مرقد الإمام الحسن بقوله: "هي قبة ذاهبة في الهواء، بديعة الإحكام‌...".

 

هدم مقابر البقيع

قامت الدولة السعودية الأولى عام 1744 في منطقة الدرعية (قرب الرياض حاليا) وتمكنت من السيطرة على منطقة نجد، قبل أن يمتد نفوذها بعد ذلك إلى نواح متفرقة من أرض الحجاز وعسير واليمن فضلاً عن جنوبي العراق.

في سنة 1803، دخل أتباع آل سعود مكة بعد حصار دام لما يزيد عن الشهرين، ثم تحركوا بعدها صوب المدينة، وقاموا بحصارها لأكثر من 18 شهرا حتى تمكنوا من اقتحامها عام 1805، وذلك بحسب ما تذكره الباحثة إلهام محمود كاظم في دراستها "وصف الرحالة المستشرق جوهان لودفيج بوركهارت لقبور البقيع".

مدفوعين بعقيدتهم الدينية السلفية المعتمدة على أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أقدم المقتحمون على هدم جميع القباب المبنية على قبور البقيع، لا سيما قبور الأئمة الأربعة من آل البيت. عُرفت تلك الأحداث باسم "الهدم الأول".

وصف المستشرق السويسري جون لويس بوركهات -الذي كان يزور الحجاز في تلك الفترة- في كتابه "ملاحظات عن البدو والوهابيين" ما شاهده من آثار الخراب الذي لحق بمقابر البقيع على يد القوات السعودية. فقال: "هدمت واختفت عن الأنظار القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي... وأصاب القبور الأخرى نفس المصير فسُحقت وهُشمت... كان منظر هذه المقبرة حين زرتها عبارة عن أكوام مبعثرة من التراب وحفر واسعة وأنواع من الزبل من دون شاهدة على أي قبر...".

تتفق تلك الشهادة مع ما جاء في كتاب "تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار" للمؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، الذي قال: "لمّا استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها وفي ينبع ومنها قبة أئمة البقيع بالمدينة، لكنهم لم يهدموا قبة النبي. وحملوا الناس على ما حملوهم عليه بمكة وأخذوا جميع ذخائر حجرة‌ النبوة وجواهرها حتى أنهم ملؤوا أربع سحاحير من الجواهر المحلاة بالماس والياقوت عظيمة القدر...".

تسببت تلك الأحداث المتسارعة في عمل الدولة العثمانية لاستعادة سيطرتها على الأراضي المقدسة في الحجاز. ففي 1807، طلب العثمانيون من والي مصر محمد علي باشا، أن يحشد حملة عسكرية للقضاء على القوة السعودية.

نجح الوالي في مهمته. وبعد 7 سنوات تمت إعادة بناء بعض القباب بأمر من السلطان العثماني محمود الثاني.

في عام 1925 وقع ما عُرف باسم "الهدم الثاني". كانت الدولة السعودية في تلك الفترة قد تمكنت من الصعود مرة أخرى، حيث تمكن عبد العزيز بن سعود من دخول المدينة ، وقام عندها بتدمير جميع القبور والقباب المرتفعة عن الأرض.

في هذه الأحداث دُمرت مراقد أئمة آل البيت، كما تم تدمير وتخريب قبور العديد من أعلام المذهب السني كالخليفة الثالث عثمان بن عفان والإمام مالك بن أنس.

اعتبر يوم الثامن من شهر شوال -الذي وافق عملية الهدم- يوماً حزيناً لدى المسلمين الشيعة على وجه الخصوص.

في ذلك المعنى يقول حسن الأمين في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: "لم يتعرض البقيع للأذى ولرفات هؤلاء -المدفونين به- بالانتقاص والامتهان إلا في عهد الوهابيين، وبقي البقيع على حاله هذه تقريباً مع ملاحظة تعميره بين مدة وأخرى... إلى أن جاءت نكبة الوهابيين في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، فدمروا المشاهد، وأهانوا الموتى والشهداء والصالحين، وتعرضوا لبقية المسلمين بالتكفير والحرب والقتال بما لم يفعله مسلم ولا كافر في التاريخ من قبل...".

رغم هدم قباب قبور الأئمة، بقيت تلك البقعة مقدسة لدى الطائفة الشيعية، ووقعت العديد من الأحداث التي أثارت الجدل في السنين التي تلت الهدم.

على سبيل المثال، في فبراير سنة 2009، شهدت مقابر البقيع اشتباكات عنيفة بين المئات من الزوار الشيعة وقوات الأمن السعودية، وتم إلقاء القبض على عشرات الزوار، بتهمة مخالفة تعليمات الزيارة وإثارة الشغب.

على أثر تلك الأحداث تظاهر مئات من السعوديين الشيعة في منطقة القطيف التي تتركز فيها الأقلية الشيعية في السعودية، وانتهى الأمر بالإفراج عن جميع المعتقلين.