من صفحة الشيخ ياسر عودة الرسمية على فايسبوك
من صفحة الشيخ ياسر عودة الرسمية على فايسبوك

أثار قرار صادر عن "هيئة التبليغ الديني" في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، جدلاً كبيراً في الشارع اللبناني وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

القرار سمّى عدداً من المشايخ الذين اعتبرهم "غير مؤهلين للقيام بالإرشاد والتوجيه الديني والتصدي لسائر الشؤون الدينية والأحوال الشخصية المتعلقة بأبناء الطائفة الإسلامية الشيعية"، وعدّد أسباباً ترتبط "إما بالانحراف العقائدي أو الانحراف السلوكي أو بالجهل بالمعارف الدينية وادعاء الانتماء للحوزة العلمية".

وجاء فيه، أن "المشايخ غير مؤهلين لارتداء الزي الديني وإنذارهم بخلعه تحت طائلة اعتبارهم منتحلي صفة رجل دين وإجراء المقتضى القانوني بحقهم".

أثار القرار انقساماً داخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وقد تراجع عنه المجلس رسمياً في بيان، مؤكداً أنه "لا يعبّر عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ولم يطلع عليه رئيس الهيئة العليا للتبليغ الديني نائب رئيس المجلس سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب بغض النظر عن مضمونه".

وأضاف: "البيان الصادر عن هيئة التبليغ الديني يعتبر كأنه لم يصدر وينبغي التذكير بعدم نشر أي بيان باسم المجلس الشيعي ما لم يكن موقعاً من رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى حصراً".

 

لماذا "الشيخ ياسر عودة"؟

أول الأسماء في القائمة التي استهدفها القرار كان الشيخ اللبناني المعمّم ياسر عودة، وهو رجل دين من مدرسة المرجع الشيعي الراحل محمد حسين فضل الله، وله مواقف معارضة مثيرة للجدل ضد السلطة اللبنانية وضد الحزبين الشيعيين الأساسيين في لبنان "حزب الله" وحركة "أمل".

يقول ياسر عودة في حديثه مع "ارفع صوتك"، إن محاولات إزاحته "بدأت  بدوافع دينية من قبل جهات داخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وتحول الأمر إلى استهداف سياسي فيما بعد"، على أثر مواقفه المعارضة للسلطة التي يشارك فيها كل من حركة "أمل" و"حزب الله".

ويشتهر عودة بمواقفه المنتقدة للطبقة السياسية منذ ما سميّ بـ"حراك النفايات" عام 2015، على خلفية قضايا اجتماعية ومعيشية يعاني منها الشعب اللبناني. كما اشتهر بأنه يضمّن خطاباته على المنبر الديني نقداً لاذعاً للمسؤولين السياسيين في الطائفة الشيعية في لبنان، وله خطابات ينتقد فيها سلطة رجال الدين، قال في إحداها إن "الاقطاع الديني أسوأ وبمراحل من الاقطاع السياسي".

وتعرّض للهجوم والانتقاد الذي وصل حدّ تهديده بالقتل سنة 2017، والسبب كما يبيّن عودة "اجتزاء قول له من خطاب عن الجنة والنار، حيث اتُهم بأنه يكفر بالنبي محمد، بسبب قوله (حتى محمد مش عارف حاله إذا هو عالنار أو عالجنة)".

كما تعرّض سنة 2019 بسبب مساندته للاحتجاجات الشعبية في لبنان، لحملات تخوين واتهامات بالتعاون مع جهات خارجية.

في قرار "هيئة التبليغ الديني" إشارة إلى عدم أهلية عودة ورجال الدين الآخرين "لارتداء الزي الديني"، يعلّق عودة: "ليس هناك تمييز بالزي الديني في الإسلام، إذا كان الرسول محمد لا يلبس ثياباً تميّزه عن باقي البشر، وكان إذا دخل رجل إلى المدينة يُسأل: أيكم رسول الله؟ وحتى أمير المؤمنين يقال فيه أنه (كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه)".

وفي مقابلة تلفزيونية معه تلت إصدار القرار، صرّح عودة بأنه "يحترم العمامة لكنه لا يقدّس قطعة قماش"، وقام بخلع عمامته البيضاء على الهواء مباشرة قائلاً "سأبقى ما أنا عليه أجهر بالحق ما دمت حياً ولن يسكتني إلّا الموت".

 

خطب عاشوراء

في السياق نفسه، يقول الناشط السياسي والحقوقي واصف حركة، إن "ما حدث مع الشيخ عودة جزء من سلسلة لمحاولة إسكات جميع الأصوات المعارضة للسلطات الحاكمة، ولأنه رجل دين، يحاولون محاربته من داخل المؤسسة الدينية".

ويضيف حركة لـ"ارفع صوتك": "عقلية التحريم ومن ثم التكفير حاضرة في الفكر السياسي، وهي سيف مسلط لإخافة المعترضين، وإذا لم يخافوا تكون الأمور مقدمة لقتل معنوي قد يتحول إلى إيذاء جسدي، وهنا تصير المواجهة خطرة".

ويستشهد في حديثه بقول لعبد الرحمن الكواكبي من كتابه "طبائع الاستبداد" ليدعّم فكرته: "ما من مستبدّ سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقاما ذا علاقة مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الذين يعينونه على ظلم الناس باسم الله".

ويرجّح حركة أن ما أغضب "أمل و"حزب الله"، من عودة "ربما مقارنته من على منبره الحسيني في عاشوراء بين المواجهة التي خاضها الحسين (ثالث الأئمة الشيعة) في كربلاء وبين مواجهة الظالمين والفاسدين، وقوله (لا يمكن للإنسان أن يكون مع خيار الحسين ويسكت عن الظلم والفساد)".

عودة نفسه يعتقد أن يكون سبب الحملة المتجددة ضده مرتبط بالمحاضرات التي ألقاها في عاشوراء.

"لا يمكن التشكيك بعلمهم"

مصدر إعلامي مطّلع عن كثب على ما يحدث داخل المجلس الإسلامي الأعلى، فضّل عدم ذكر اسمه، يوضح لـ"ارفع صوتك"، أن "لا معطيات دقيقه حول أسباب صدور هذا القرار عن الهيئة العامة للتبليغ الديني، أو عن أبعاد هذا القرار الذي صدر من دون موافقة نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى، ويبدو أيضاً أن حركة أمل وحزب الله غير موافقين عليه".

ويؤكد أن "لا شيء يجمع بين الأسماء المذكورة في القرار"، شارحاً: "هناك مشايخ لديهم آراء سياسية أو فكرية تخالف المجلس، لكن لا يمكن التشكيك بعلمهم مثل الشيخ ياسر عودة، وهناك مشايخ قد يكون هناك ملاحظات على أسلوب عملهم. والمشكلة أن بيان الهيئة خلط بين الجميع ولم يوضح السبب بما يخص كل واحد منهم، وهذا ظلم وافتراء".

هذا الأمر بحسب المصدر، أدى إلى "حصول إرباك في توقيت غير مناسب، وخلق مشاكل داخل البيئة الشيعية، وله آثار سلبية كثيرة".

"يجب انتظار بعض الوقت لمعرفة من يقف وراء ذلك وهل لأسباب شخصية أو هناك جهة سياسية حرّكته"، يتابع المصدر.

لماذا التراجع عن القرار، يرجّح الشيخ ياسر عودة، أنه "ربما يكون تكتيكياً بعدما قاموا بامتحان رد فعل الشارع على القرار وتبيّن لهم أنه قسم الشارع بين مؤيد ومعارض، وظهر أن هناك كثيرا من المتضامنين، وجاءت ردة الفعل عكسية لما أراده أصحاب القرار".

"وربما لقيام أحد السياسيين بالاتصال بالمجلس وطلب سحب القرار كما سمعتُ والله أعلم"، يضيف عودة، مبيناً: "السلاطين في الشرق دائما ما كانوا يحيطون أنفسهم برجال دين يغطّون لهم مشاريعهم السياسية، ويحمونهم بعباءتهم لأجل مصالحهم الدنيوية والمراكز والأموال وخلافها... ما انقطع التاريخ عن وجود رجال دين مع سلاطين الجور".

ويزيد: "هناك قسم من الناس مع الأسف من الشيعة يكرهونني لأنني من مدرسة السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله، وهناك قسم آخر يكرهني لأنه يعتبرني عدواً للمقاومة، وهذا افتراء".

في الوقت نفسه، يشير إلى "وجود تعاطف كبير مع حالته لمسه من الناس الذين لا يندرجون ضمن هاتين الفئتين".

وكانت صفحة تحت اسم "آية الله محمد حسين فضل الله" على موقع فيسبوك، وهي تابعة لأحد أبناء الراحل فضل الله، نشرت صورة لعودة وهو يرتدي شالاً بألوان العلم اللبناني وعلّقت عليها "كل التضامن والحب والتقدير والاحترام لعلم من أعلام مدرسة السيد محمد حسين فضل الله الشيخ ياسر عودة... لا يضرّكم من كيدهم شيئاً".

لاحقاً، انتشر خبر عن مكالمة هاتفية أجراها علي فضل الله نجل الراحل محمد حسين فضل الله ورئيس مجلس أمناء مؤسساته، بنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب.

جاء فيه، أن "فضل الله أشاد بالموقف الشرعي المسؤول والحكيم الذي اتخذه سماحة الشيخ الخطيب إزاء(سحب) القرار الأخير الذي نسب للمجلس منعاً لأية فتنة على صعيد المؤسسة الدينية وتعزيزا للوحدة الإسلامية، والتي نحن احوج ما نكون إليها في هذه المرحلة الدقيقة التي نواجه فيها أصعب التحديات".

مواضيع ذات صلة:

رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف، 12 أغسطس 2017
رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف- تعبيرية

تأسست الحوزة العلمية في النجف على يد الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في نهاية العهد البويهي وبداية السلجوقي (1056 ميلادي)، وكان تدريس العلم فيها بحسب المؤرخ العربي ابن الأثير، بدأ منذ القرن الثالث الهجري وازدهر في عهد عضد الدولة البويهي، وعلا شأن الحوزة بعد هجرة الطوسي إليها.

استمرت على هذه الحال مقصداً لطلاب العلم من سائر الأقطار الإسلامية، حتى بلغ عدد طلابها قبل الاحتلال الإنجليزي (1914) عشرة آلاف طالب.

أدت حوزة النجف إلى جانب دورها الديني التعليمي دوراً سياسياً كبيراً في حياة العراق والشيعة أينما وجدوا، حيث قادت "ثورة العشرين" ضد الانتداب البريطاني، وكان أحد علمائها ومراجعها الكبار السيد الشيرازي وراء "فتوى تحريم التنباك" الشهيرة أواخر القرن التاسع عشر، وأدت إلى ما يطلق عليه "ثورة التنباك".

وكانت حوزة النجف المكان شبه الوحيد الذي يستطيع المتخرج منه أن يكتسب شرعية العالم، ويصبح مبلّغاً أو مفتياً أو مجتهداً. وعلى الرغم من أن مدارس شيعية دينية عديدة فتحت أبوابها للطلاب في فترات مختلفة في إيران ولبنان والجزيرة العربية وأفغانستان وباكستان وسواها من أماكن الانتشار الشيعي، إلا أن النجف حافظت طوال عقود على دورها المركزي في إضفاء شرعية على رجال الدين الذين يتخرجون منها.

ويعود ذلك لحضور كبار فقهاء الشيعة في مقدمهم المرجع الأعلى (حاليا علي السيستاني)، الحوزة، بالإضافة للقدسية التي تحظى بها النجف بسبب وجود مقام الإمام علي فيها، وعلى مقربة منها مدينة كربلاء حيث قتل ابنه الإمام الحسين في الموقعة الشهيرة.

أثّرت حوزة النجف وأثْرَت العديد من تجارب رجال الدين الشيعة اللبنانيين الذين تخرجوا منها، ونقلوا إلى مجتمعهم ثقافة دينية منفتحة وعكسوا ما تعلموه هناك على تجاربهم السياسية، كما أسهموا بشكل غير مباشر في خلق تنوّع سياسي في الطائفة الشيعية داخل لبنان. من بين هؤلاء: محمد مهدي شمس الدين وموسى الصدر ومحمد حسين فضل الله وهاني فحص ومحمد حسن الأمين وغيرهم.

 

لماذا النجف؟

يروي رجل الدين اللبناني الراحل هاني فحص في كتابه "ماض لا يمضي- مذكرات ومكوّنات عراقية" كيف كانت المدارس في النجف منفتحة على قبول الثقافات المتعددة الواردة إليها من مختلف أصقاع العالم العربي والإسلامي، إلى درجة أن اللبنانيين في النجف، كما يكتب فحص، قاموا بـ"رقص الدبكة في المدرسة (الدينية) ما عرّضهم للمضايقة في أوساط الطلبة والعلماء والأسواق".

وكان هناك شيء من الامتعاض من اللبنانيين بسبب "لبسهم لساعات اليد وانتعالهم أحذية حديثة وهجرهم (المداس) مبكراً وارتداء بعضهم البنطلون تحت جبّته، أو قميصاً ملوناً أو ذا ياقة حديثة"، بحسب فحص.

ويتحدث عن الدور الذي لعبه نظام صدام حسين في بروز حوزة قم على حساب النجف، وتحوّلها إلى بديل عنها: "أصبحت حوزة قم موازية للنجف إيرانياً وجزئياً، إذ إن قلة من الطلاب وفدوا إليها من باكستان والهند وأفغانستان، ثم أخذت حوزة قم تتحول تدريجياً إلى بديل للنجف بعد الثورة الإسلامية وتأسيس الدولة باستقطاباتها الكثيرة وشديدة التركيز، وبعد مضيّ النظام العراقي في عملية تفكيك النجف حوزة وموقعاً ودوراً وتراثاً علمياً وأدبياً وجهادياً".  

أثر النجف في فحص كبير جداً، كما قال نجله الصحافي والمحلل السياسي مصطفى فحص، وهو ليس أثراً دينياً او عقائدياً بقدر ما هو أثر "معرفي واجتماعي وثقافي وتعدّدي".

وأكد أن "النجف شكلت التكوين الأساسي لتكوينه المعرفي. وقد بقي هذا الأثر في السيد هاني فحص طوال عمره، في لهجته ولغته ومفرداته، بطربه وذائقته الشعرية، وحتى في حزنه".

هناك نماذج كثيرة لشخصيات درست في النجف لكن اتجهت لاحقاً إلى المنحى اليساري في التفكير والتنظير، يشرح الصحافي علي الأمين، وهو نجل رجل الدين الشيعي اللبناني الراحل محمد حسن الأمين، الذي درس الفقه في حوزة النجف.

من هذه النماذج يسمّي الأمين المفكر اليساري حسين مروة، صاحب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية"، الذي اغتيل بمسدس كاتم للصوت وهو طريح الفراش عام ١٩٨٧.

يضيف "كانت هناك حالات مماثلة في النجف الذي كان مؤسسة دينية لكنه أيضاً مؤسسة تعليمية أكاديمية. وقد تعرف الكثير من طلاب الحوزة في النجف على الأدب العالمي والفلسفة والترجمات في أروقة النجف وهو ما فتح أمامهم آفاقاً ثقافية رحبة".

وذهب محمد حسن الأمين للدراسة في العراق عام ١٩٦٠  حين كان بعمر ١٤ سنة، وعاد إلى لبنان عام ١٩٧٢، أي انه أمضى ١٢ عاماً من مراهقته وشبابه في النجف، وهذه السنوات كما يصفها علي "لعبت دوراً أساسياً في تكوين شخصيته على المستوى الفكري والثقافي والديني".

وظلّ والده يتردد إلى العراق حتى اغتيال المرجع محمد باقر الصدر عام 1980، إذ انقطع عن زيارة العراق لأسباب أمنية، وبقيت علاقاته قائمة بجميع من ارتبط بهم في العراق بصداقات وزمالات في الحوزة، خصوصاً مع خروج عدد منهم من العراق في فترة حكم حزب البعث ولجوء بعضهم إلى لبنان وسوريا والأردن وإيران.

 

بين المحافظة والاعتدال

الباحث والكاتب أحمد محسن في صدد مناقشة رسالة دكتوراة حول العائلات الدينية الشيعية في لبنان في كلية العلوم الدينية بجامعة القديس يوسف في بيروت، وهو درس أثر حوزة النجف في المشهدية الشيعية، ويميّز بين ثلاثة أنواع أكثر بروزاً من التديّن الشيعي في لبنان: الأول محافظ وراديكالي الذي يشكّل حزب الله أحد وجوهه الأساسية، والثاني ليبيرالي من أبرز وجوهه موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وآخرون، وتيار ثالث وسطي تزعمه محمد حسين فضل الله.

يبين محسن: "تواجد العديد من رجال الدين المذكورين في فترة متقاربة في النجف وكانوا جزءاً من النقاشات التي تخاض على هامش التعليم الديني، وكانت تتمحور حول العداء للأنظمة العربية القمعية، والخوف والقلق من تمدّد اليسار".

ويتابع أن ما يُرى اليوم على أنه "اعتدال" في طبيعة الحوزة النجفية، لم يكن في الواقع في زمنه اعتدالاً، إذ اعتبرت الحوزة مؤسسة محافظة، وقد خرج منها مثلاً "حزب الدعوة" وكان هناك عداء شديد لليسار، لكن بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران باتت معتدلة مقارنةً مع الأفكار التي نتجت عن الثورة الخمينية وتعدّ اليوم بالنسبة للمحافظين القدامى، راديكلية.

حول هذه النقطة يقول مصطفى فحص إن النجف مدرسة فقهية مركزية، و"تقليديتها تتأتى من مواجهة المدارس الفقهية الشيعية الفرعية الأخرى".

قد توحي حوزة النجف، بحسب فحص، أنها "اكليروس يميني تقليدي"، لكنها في شأنها الاجتماعي "أقرب إلى اليسار في تعاطيها مع الفقراء".

من هنا يفسّر محسن تقاطع بعض رجال الدين الذين عادوا من النجف مع اليسار اللبناني، ولكنه يعتقد أن هذا التقاطع في بعض جوانبه بقي شكلياً.

في هذا السياق، يلاحظ الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية قاسم قصير أن هناك شخصيات شيعية لبنانية "تأثرت باليسار وكذلك بالقومية والبعث ولاحقا بالثورة الفلسطينية". لكن هذا التاثير تراجع مع تراجع دور الاتحاد السوفياتي وتقدم الفكر الإسلامي.

من جهته، يرى علي الأمين أن حوزة النجف "شهدت صراعين بين وجهتين، الأولى تقليدية والثانية تجديدية"، لكن هذا لا يعني دائماً أن التجديد يكون أفضل من التقليد.

"فولاية الفقيه يمكن اعتبارها وجهة تجديدية حينما نظّر لها الإمام الخيميني في النجف قبل انتقاله إلى باريس ومنها إلى طهران مع انتصار الثورة الاسلامية في إيران. وجاء مفهوم ولاية الفقيه كانقلاب على مسار تاريخي حوزوي، ولم تكن أجواء المؤسسة الدينية الشيعية التقليدية مؤيدة لولاية الفقيه، لأن هناك فكرة راسخة في الثقافة الشيعية أن الدولة الدينية لا تقوم إلا مع ظهور الإمام المهدي المنتظر (محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية)"، يتابع الأمين.

هذا الأمر خلق انقساماً طابعه سياسي بين حوزتيّ النجف وقم، ولكن قصير يرفض الحديث عن خلاف بين حوزتيّ النجف وقم، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن النجف شهدت تنوعاً دينياً وفكرياً سمح بوجود أفكار متعددة ومتنوعة مثل التجديد في الفكر والفقه الشيعي، وهذه طبيعة الحوزات الدينية الشيعية.

الأمر نفسه ينطبق على قم، يضيف قصير "لكن انتصار الثورة الإسلامية في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية جعل هناك انطباعاً كأن حوزة قم غير حوزة النجف، مع أن الإمام الخميني أقام في النجف".

كذلك، فقد عاش قائد الثورة الإسلامية في إيران روح الله الخميني، بالفعل في النجف ونظّر منه لولاية الفقيه وألقى محاضرات حول "الحكومة الإسلامية".

لكن هذا لا يعني، بحسب مصطفى فحص، أن هناك صراعاً بين قم والنجف، بل "وجود مدارس دينية وفقهية وأحيانا تخرج من قم أفكار فقهية تنويرية أهم من النجف. ولهذا يجب إنصاف قم كإحدى المدارس الدينية التي تحاول أن يكون لها موقع على الخارطة الفقهية الشيعية لكنها ليست في تصادم مع النجف، فالتصادم يحدث بين النجف وما تمثله وبين طهران وما تمثله من سياسات لمحاولة إنتاج رجل دين شيعي ينتمي إلى فكرة الإسلام السياسي الشيعي المأخوذ من مدرسة الإخوان المسلمين، وممارسة السياسة من باب ولاية الفقيه، التي يعارضها النجف وهي غير موجودة في مدارسه".

يتابع فحص: "هناك صراع بين طهران مركز إدارة ولاية الفقيه وما بين النجف الذي يرفع شعار ولاية الأمة على نفسها".

في هذا السياق يذكر الأمين أن "الشيخ محمد مهدي شمس الدين كان في بداياته في حوزة النجف، يدور في فلك حزب الدعوة، لكنه ترك العمل السياسي مع "الدعوة" مبكراً، وتحوّل لاحقاً إلى أهمّ المراجع في نقد ولاية الفقيه، كما "نظّر لولاية الأمّة على نفسها في مقابل ولاية الفقيه العامة"، وهو عنوان الكتاب الذي صدر بعد وفاة شمس الدين وحمل خلاصة فكره الفقهي.

 

كيف انعكس كل هذا على شيعة لبنان؟

يقول الصحافي اللبناني علي الأمين، إن "الولاء في لبنان لحزب الله سياسي وطائفي وليس فقهياً، كما أن مقلدي مرجعية السيد علي السيستاني في العراق من اللبنانيين أكثر بكثير من مقلدي السيد علي خمنئي في إيران".

ويرى أن المحزّبين والكوادر في حزب الله هم الذين يتبعون ولاية الفقيه فقهياً وفي الممارسة الدينية اليومية، وهؤلاء أقلية في المجتمع الشيعي. فجمهور حركة أمل مثلاً في غالبيته الساحقة لا يقلّد خمنئي وولاية الفقيه، بل يقلد معظمهم السيستاني أو محمد حسين فضل الله، وأبناءه ومؤسسته من بعده.

من جهته، يقول قاسم قصير، إن "دور النجف الأشرف موجود في لبنان عبر وكلاء المراجع ومن خلال العلاقة بين جهات سياسية كحركة أمل مع مرجعية السيستاني، لكن دور إيران أقوى لأنها دولة كبرى وإسلامية وأصبح لها تاثير مباشر على الصعيد الشعبي".

يضيف الأمين، أن "حزب الله" اليوم يركز على العصب الطائفي وليس على ولاية الفقيه، التي لا تشكّل رافعة لمؤيديه. وقد أشهر منذ بداياته ولاية الفقيه والتسويق لها كمرجعية فقهية في وجه مرجعية النجف، وكان الحزب يهاجم السيد الخوئي في الثمانينات وبداية التسعينات، كجزء من الهجوم على النجف".

كذلك، فإن خرّيجي حوزة النجف في لبنان، ووالد الأمين أحدهم "لم يكونوا متطابقين ولا يجمعهم سياق تنظيمي أو مؤسساتي ولا ينتمون إلى حزب واحد أو يشكلون فئة بعينها، بل كانوا يحملون فكراً متنوعاً وحيوياً فيه اختلافات متعددة ويشبه المجتمع اللبناني"، على حدّ تعبيره.

ويعتقد أنه "لم يكن للنجف أي دور في خلق بعد أيديولوجي أو سياسي يتعلق بالخلافة الإسلامية أو دولة اسلامية، ولم تطرح أبداً فكرة فصل الشيعة عن أوطانهم، أو جعلهم جزءاً من أمة كبرى عابرة للبلدان، وهو ما جاءت به ولاية الفقيه".