من صفحة الشيخ ياسر عودة الرسمية على فايسبوك
من صفحة الشيخ ياسر عودة الرسمية على فايسبوك

أثار قرار صادر عن "هيئة التبليغ الديني" في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، جدلاً كبيراً في الشارع اللبناني وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

القرار سمّى عدداً من المشايخ الذين اعتبرهم "غير مؤهلين للقيام بالإرشاد والتوجيه الديني والتصدي لسائر الشؤون الدينية والأحوال الشخصية المتعلقة بأبناء الطائفة الإسلامية الشيعية"، وعدّد أسباباً ترتبط "إما بالانحراف العقائدي أو الانحراف السلوكي أو بالجهل بالمعارف الدينية وادعاء الانتماء للحوزة العلمية".

وجاء فيه، أن "المشايخ غير مؤهلين لارتداء الزي الديني وإنذارهم بخلعه تحت طائلة اعتبارهم منتحلي صفة رجل دين وإجراء المقتضى القانوني بحقهم".

أثار القرار انقساماً داخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وقد تراجع عنه المجلس رسمياً في بيان، مؤكداً أنه "لا يعبّر عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ولم يطلع عليه رئيس الهيئة العليا للتبليغ الديني نائب رئيس المجلس سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب بغض النظر عن مضمونه".

وأضاف: "البيان الصادر عن هيئة التبليغ الديني يعتبر كأنه لم يصدر وينبغي التذكير بعدم نشر أي بيان باسم المجلس الشيعي ما لم يكن موقعاً من رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى حصراً".

 

لماذا "الشيخ ياسر عودة"؟

أول الأسماء في القائمة التي استهدفها القرار كان الشيخ اللبناني المعمّم ياسر عودة، وهو رجل دين من مدرسة المرجع الشيعي الراحل محمد حسين فضل الله، وله مواقف معارضة مثيرة للجدل ضد السلطة اللبنانية وضد الحزبين الشيعيين الأساسيين في لبنان "حزب الله" وحركة "أمل".

يقول ياسر عودة في حديثه مع "ارفع صوتك"، إن محاولات إزاحته "بدأت  بدوافع دينية من قبل جهات داخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وتحول الأمر إلى استهداف سياسي فيما بعد"، على أثر مواقفه المعارضة للسلطة التي يشارك فيها كل من حركة "أمل" و"حزب الله".

ويشتهر عودة بمواقفه المنتقدة للطبقة السياسية منذ ما سميّ بـ"حراك النفايات" عام 2015، على خلفية قضايا اجتماعية ومعيشية يعاني منها الشعب اللبناني. كما اشتهر بأنه يضمّن خطاباته على المنبر الديني نقداً لاذعاً للمسؤولين السياسيين في الطائفة الشيعية في لبنان، وله خطابات ينتقد فيها سلطة رجال الدين، قال في إحداها إن "الاقطاع الديني أسوأ وبمراحل من الاقطاع السياسي".

وتعرّض للهجوم والانتقاد الذي وصل حدّ تهديده بالقتل سنة 2017، والسبب كما يبيّن عودة "اجتزاء قول له من خطاب عن الجنة والنار، حيث اتُهم بأنه يكفر بالنبي محمد، بسبب قوله (حتى محمد مش عارف حاله إذا هو عالنار أو عالجنة)".

كما تعرّض سنة 2019 بسبب مساندته للاحتجاجات الشعبية في لبنان، لحملات تخوين واتهامات بالتعاون مع جهات خارجية.

في قرار "هيئة التبليغ الديني" إشارة إلى عدم أهلية عودة ورجال الدين الآخرين "لارتداء الزي الديني"، يعلّق عودة: "ليس هناك تمييز بالزي الديني في الإسلام، إذا كان الرسول محمد لا يلبس ثياباً تميّزه عن باقي البشر، وكان إذا دخل رجل إلى المدينة يُسأل: أيكم رسول الله؟ وحتى أمير المؤمنين يقال فيه أنه (كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه)".

وفي مقابلة تلفزيونية معه تلت إصدار القرار، صرّح عودة بأنه "يحترم العمامة لكنه لا يقدّس قطعة قماش"، وقام بخلع عمامته البيضاء على الهواء مباشرة قائلاً "سأبقى ما أنا عليه أجهر بالحق ما دمت حياً ولن يسكتني إلّا الموت".

 

خطب عاشوراء

في السياق نفسه، يقول الناشط السياسي والحقوقي واصف حركة، إن "ما حدث مع الشيخ عودة جزء من سلسلة لمحاولة إسكات جميع الأصوات المعارضة للسلطات الحاكمة، ولأنه رجل دين، يحاولون محاربته من داخل المؤسسة الدينية".

ويضيف حركة لـ"ارفع صوتك": "عقلية التحريم ومن ثم التكفير حاضرة في الفكر السياسي، وهي سيف مسلط لإخافة المعترضين، وإذا لم يخافوا تكون الأمور مقدمة لقتل معنوي قد يتحول إلى إيذاء جسدي، وهنا تصير المواجهة خطرة".

ويستشهد في حديثه بقول لعبد الرحمن الكواكبي من كتابه "طبائع الاستبداد" ليدعّم فكرته: "ما من مستبدّ سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقاما ذا علاقة مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الذين يعينونه على ظلم الناس باسم الله".

ويرجّح حركة أن ما أغضب "أمل و"حزب الله"، من عودة "ربما مقارنته من على منبره الحسيني في عاشوراء بين المواجهة التي خاضها الحسين (ثالث الأئمة الشيعة) في كربلاء وبين مواجهة الظالمين والفاسدين، وقوله (لا يمكن للإنسان أن يكون مع خيار الحسين ويسكت عن الظلم والفساد)".

عودة نفسه يعتقد أن يكون سبب الحملة المتجددة ضده مرتبط بالمحاضرات التي ألقاها في عاشوراء.

"لا يمكن التشكيك بعلمهم"

مصدر إعلامي مطّلع عن كثب على ما يحدث داخل المجلس الإسلامي الأعلى، فضّل عدم ذكر اسمه، يوضح لـ"ارفع صوتك"، أن "لا معطيات دقيقه حول أسباب صدور هذا القرار عن الهيئة العامة للتبليغ الديني، أو عن أبعاد هذا القرار الذي صدر من دون موافقة نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى، ويبدو أيضاً أن حركة أمل وحزب الله غير موافقين عليه".

ويؤكد أن "لا شيء يجمع بين الأسماء المذكورة في القرار"، شارحاً: "هناك مشايخ لديهم آراء سياسية أو فكرية تخالف المجلس، لكن لا يمكن التشكيك بعلمهم مثل الشيخ ياسر عودة، وهناك مشايخ قد يكون هناك ملاحظات على أسلوب عملهم. والمشكلة أن بيان الهيئة خلط بين الجميع ولم يوضح السبب بما يخص كل واحد منهم، وهذا ظلم وافتراء".

هذا الأمر بحسب المصدر، أدى إلى "حصول إرباك في توقيت غير مناسب، وخلق مشاكل داخل البيئة الشيعية، وله آثار سلبية كثيرة".

"يجب انتظار بعض الوقت لمعرفة من يقف وراء ذلك وهل لأسباب شخصية أو هناك جهة سياسية حرّكته"، يتابع المصدر.

لماذا التراجع عن القرار، يرجّح الشيخ ياسر عودة، أنه "ربما يكون تكتيكياً بعدما قاموا بامتحان رد فعل الشارع على القرار وتبيّن لهم أنه قسم الشارع بين مؤيد ومعارض، وظهر أن هناك كثيرا من المتضامنين، وجاءت ردة الفعل عكسية لما أراده أصحاب القرار".

"وربما لقيام أحد السياسيين بالاتصال بالمجلس وطلب سحب القرار كما سمعتُ والله أعلم"، يضيف عودة، مبيناً: "السلاطين في الشرق دائما ما كانوا يحيطون أنفسهم برجال دين يغطّون لهم مشاريعهم السياسية، ويحمونهم بعباءتهم لأجل مصالحهم الدنيوية والمراكز والأموال وخلافها... ما انقطع التاريخ عن وجود رجال دين مع سلاطين الجور".

ويزيد: "هناك قسم من الناس مع الأسف من الشيعة يكرهونني لأنني من مدرسة السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله، وهناك قسم آخر يكرهني لأنه يعتبرني عدواً للمقاومة، وهذا افتراء".

في الوقت نفسه، يشير إلى "وجود تعاطف كبير مع حالته لمسه من الناس الذين لا يندرجون ضمن هاتين الفئتين".

وكانت صفحة تحت اسم "آية الله محمد حسين فضل الله" على موقع فيسبوك، وهي تابعة لأحد أبناء الراحل فضل الله، نشرت صورة لعودة وهو يرتدي شالاً بألوان العلم اللبناني وعلّقت عليها "كل التضامن والحب والتقدير والاحترام لعلم من أعلام مدرسة السيد محمد حسين فضل الله الشيخ ياسر عودة... لا يضرّكم من كيدهم شيئاً".

لاحقاً، انتشر خبر عن مكالمة هاتفية أجراها علي فضل الله نجل الراحل محمد حسين فضل الله ورئيس مجلس أمناء مؤسساته، بنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب.

جاء فيه، أن "فضل الله أشاد بالموقف الشرعي المسؤول والحكيم الذي اتخذه سماحة الشيخ الخطيب إزاء(سحب) القرار الأخير الذي نسب للمجلس منعاً لأية فتنة على صعيد المؤسسة الدينية وتعزيزا للوحدة الإسلامية، والتي نحن احوج ما نكون إليها في هذه المرحلة الدقيقة التي نواجه فيها أصعب التحديات".

مواضيع ذات صلة:

مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح.
مسيحيون سيريلانكيون خلال مراسيم إحياء عيد الفصح. خ

يشيع في الدول العربية استخدام تسمية "النصارى" للإشارة إلى المسيحيين، وهذا مردّه إلى أن القرآن يسمّي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى"، لا بـ"المسيحيين".

وانسحب هذا على العديد من الكتّاب والمؤرخين، فضلاً عن الاستخدامات اليومية في الشارع العربي.

وقد أثار هذا الإسخدام جدلاً تاريخياً حول التمييز بين المسيحيين والنصارى، بلغ ذروته في ستينات القرن الماضي، خصوصاً أن معظم مسيحيي الشرق لا يسمّون أنفسهم بهذه التسمية، ولا يعتبرونها مرادفاً لـ"المسيحية" حتى.

الجدل عاد حول هذه التسمية في فترة سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة من العراق، وخصوصاً الموصل التي تعيش فيها طائفة مهمة من المسيحيين، الذين جرى تهجيرهم من قبل التنظيم الإرهابي، وقام عناصره بكتابة حرف "ن" كبير على بيوتهم للدلالة إليهم، والنون هنا تعود إلى النصارى.

الباحث السوري المتخصص في الحوار الإسلامي المسيحي روجيه أصفر يقول لـ"ارفع صوتك" إن تسمية المجموعات أو الطوائف أو الأشخاص يجب أن تؤخذ من مصادرها، أي يجب أن نسأل المسيحيين بماذا يفضلون أن ينادون.

أصفر يقترح أن نقلب الأدوار: هل يسمح المسلمون لباقي المكونات أن يطلقوا عليهم اسماً مختلفاً عن مسمى "المسلمين"؟ ويتابع: "يجب أن نحترم الاسم التي تختار أي جماعة أن تطلقه على نفسها".

لكن أصفر يتفهم أن بعض المسلمين يستندون في هذا الخصوص إلى كتابهم المقدّس وهو القرآن، ويشعرون بالتالي بحرية تسمية المسيحيين كما أسماهم القرآن (النصارى)، وبعضهم، بحسب أصفر، "سيظلّ متمسكاً بهذه التسمية كونها صادرة عن كتاب منزل".

وبمعزل عن الجوانب الإيمانية، يشير أصفر إلى وجود لغط تاريخي في التسمية، وأن هذا اللغط أوضحته الأبحاث التي قام بها مؤرخون مسيحيون ومسلمون.  

في العام 1972 نشرت مجلة "المسرّة" في عددها 572 بحثاً يحاول الإجابة عن سؤال "هل المسيحيون نصارى؟"، وحاولت تحليل فقرات من مقالات كتبها كتّاب مسيحيون ومسلمون في السنوات الممتدة بين 1953 و1973، بينهم الأب جورج فاخوي والمفكر المصري طه حسين، وخلصت المجلة إلى أن معظم الكتابات قبل العام 1965 كانت تخلط بين المفهومين ولا تميز بين المسيحيين والنصارى.

وفي العام 1965 يبدأ التمييز بين مفهوميّ "النصرانية" و"المسيحية"، كما تلاحظ المجلة، وذلك في مقال للأب يوسف درّة حدّاد تحت عنوان "النصارى في القرآن: أصلهم وحقيقتهم".

يكتب حدّاد في مقاله: "في القرآن ظاهرة متواترة مغزاها كبير: أنه على الدوام يسمي أتباع عيسى بن مريم بـ"النصارى" لا بـ"المسيحيين" كما كانوا معروفين في عهده، في جميع الأقطار المسكونة، مع أنه يسمي ابن مريم الذي إليه ينتمون "المسيح عيسى ابن مريم"، أو "المسيح ابن مريم"، أو "المسيح" بدون قيد...".

ويشير الحدّاد إلى أن القرآن يعرّف عن "النصارى" على أنهم "فئة" أو "طائفة"، ويعتبرهم من "بني إسرائيل الذين آمنوا بالمسيح"، فيقول في سورة "الصف"(الآية 14): "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة. فأيّدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين".

وفي مقال آخر للأب حدّاد، تستشهد به المجلة، يقول إن النصارى لدى المسيحيين هم بمثابة "الشيعة" لدى المسلمين: "وهكذا أفضى الصراع في سبيل تحرير المسيحية من سلاسل الموسوية (نسبة إلى النبي موسى) إلى انقسامها قسمين: "سنة وشيعة": سنة "المسيحيين" وهم الوثنيون الذين اهتدوا إلى الإنجيل، والهلنيون الملقّبون بـ"اليونانيين"، ينضمون إلى الإنجيل والإيمان المسيحي ويسيرون بموجب سنّة الرسل التي قرّروها في مجمع أورشليم، وذلك بدون أي ارتباط بشريعة موسى". أما شيعة "النصارى"، فهم، بحسب حدّاد، "اليهود المتنصرون في فلسطين"، وهؤلاء "يحفظون الإيمان المسيحي متزاوجاً مع شريعة موسى وأحكامها من ختان وسبت وقبلة في الصلاة إلى أورشليم، ويتشيّعون لآل البيت، أي أقرباء السيد المسيح".

وبحسب حدّاد، "انكمشت شيعة النصارى في العام 135 ميلادي، وانعزلوا عن العالم المسيحي الأكبر بعزلتهم في مهاجرهم في شرق الأردن وسوريا والعراق والمشرق ومصر والجزيرة العربية، إلى أن جاء الإسلام، و"توارت شيعة النصارى من الوجود".

وفي مقال ثالث يصف حدّاد النصارى بأنهم "أمة وسط بين اليهودي والمسيحية".

أستاذة علم الأديان سماح حمزة، تقول في مقابلة سابقة مع قناة "الحرة"، إن "النصارى فرق شتّى، وما يجمع بينهم أن أصولهم عبرانية، وجمعوا بين التدين بشريعة موسى والمسيحية، فكانوا يبقون على شرائع يهودية مثل الختان وتقديس السبت ويعترفون بالناموس الموسوي، ويؤمنون في الوقت نفسه بالمسيح".

بمعنى آخر، يمكن القول، بحسب سماح حمزة، عن النصارى أنهم يؤمنون بنوع من "اليهودية المسيحية"، ولكن المشكلة التي عانى منها النصارى، كما تشرح حمزة، أن اليهود لم يعترفوا بهم وأقصاهم المعبد، والمسيحية الأممية البولسية لم تعترف بهم، فجرى إقصاؤهم واعتبروا هراطقة.

أما عن سبب عدم استخدام تسمية "المسيحيين" في القرآن، فتفسّر حمزة الأمر، بأن "المسيحية في كنيسة البداية انشقت إلى شقين: كنيسة أورشليم التي ترأسها يعقوب البار، وكانت كنيسة عبرانية وسميت بكنيسة الختان لأنها تتبنى الختان وسمى أتباع هذه الكنيسة أنفسهم بالنصارى نسبة إلى يسوع الناصري، في مقابل الكنيسة البولسية التي أسسها بولس وضمت معظم الأمم حينذاك، ولذلك سميت بالكنيسة الأممية، وأتباع هذه الكنيسة سموّا بالمسيحيين".

الفرقة التي قصدها القرآن وسماها النصارى هي بحسب حمزة، "الأبيونية" وكانت موجودة في شبه الجزيرة العربية، في مكة واليمن، ولم تكن بدورها متجانسة إذ كانت جزءاً من جماعات "مسيهودية"(الجمع بين المسيحية واليهودية) منتشرة في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. والقرآن كان يعني هذه الفئة الصغيرة الأبيونية وليس غيرها. والمشكلة حصلت في الردود التي كتبها مسلمون على النصارى، وشملوا فيها جميع المسيحيين. فيما تشير حمزة إلى أن "الفرق المسيحية التي انتشرت في بلاد الشام والعراق ومصر بعد الفتوحات الإسلامية، كانت بولسية وغير نصرانية، وأصولها ليست عبرانية".