Iraqis put up a poster announcing the upcoming visit of the Pope Francis and a meeting with a revered Shiite Muslim leader,…
لوحة اعلانية انتشرت في العراق قبل زيارة البابا ترحّب بلقائه "التاريخي" المرتقب مع المرجع علي السيستاني- أرشيف

مرّت العلاقات الإسلامية المسيحية بالكثير من المنعطفات التاريخية المهمة. في القرن السابع الهجري، اصطدم المسلمون الفاتحون بالمجتمعات المسيحية الشرقية في كل من سوريا ومصر والعراق. بعد قرون، تجدد الصدام مع المسيحية الغربية الممثلة في جيوش الحملات الصليبية، التي قدمت إلى بلاد الشام معلنة عن نيتها تحرير "مدينة الرب"/ أورشليم من العرب. ومع ذلك، كانت هناك العديد من المحطات التي حظيت فيها العلاقات الإسلامية المسيحية بفرصة للتسامح والتفاهم. نرصد في هذا المقال مجموعة من أهم المحطات في تاريخ التقارب الإسلامي المسيحي.

 

في عصر النبوة

تميزت العلاقات الإسلامية المسيحية بالهدوء والدبلوماسية في الحقبة النبوية في بدايات القرن السابع الميلادي. وتوجد العديد من النماذج المعبرة عن حالة التفاهم التي سادت -في اغلب الاوقات- بين أتباع الدينين.

كانت مملكة اكسوم المسيحية في الحبشة هي المكان الذي رشحه النبي لأصحابه للهجرة إليه عندما زاد اضطهادهم في مكة. يذكر ابن كثير الدمشقي في كتابه "البداية والنهاية"، أن النبي قال لهم ناصحاً: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة؟ فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه". في هذا السياق نجد في القرآن وصفاً للمسيحيين/ النصارى في الآية رقم 82 من سورة المائدة بأنهم أقرب أهل الكتاب مودة للمسلمين.

في السنة التاسعة من الهجرة، جرى التأكيد على الطابع الدبلوماسي للعلاقات الإسلامية المسيحية. في تلك السنة، قدم وفد نجران المسيحي إلى المدينة المنورة وكان هذا الوفد مكونا من مجموعة من الرهبان والقساوسة. بحسب ما يذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" فإن الرهبان لما زاروا الرسول "دخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية... يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي يومئذ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله يصلون، فقال رسول الله: دعوهم، فصلوا إلى المشرق".

على الرغم من أن كثيراً من العلماء والمحدثين حكموا بضعف هذه الرواية بسبب ما فيها من إرسال، إلا أن بعضهم صحّحها، وبنى عليها حكمًا فقهيًا يجيز صلاة المسيحي في المسجد. من هؤلاء ابن القيم الجوزية في كتابه أحكام أهل الذمة، إذ يقول: "وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَصَلوا فِيهِ وَذَلِكَ عَامَ الْوُفُودِ". لم يكتف النبي بالسماح للرهبان بالصلاة في مسجده، بل كفل لهم حرية العبادة. وكتب لهم كتاباً بذلك، وكان مما ورد في هذا الكتاب "ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبيعهم، وصلواتهم لا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته، ولا راهبًا عن رهبانيته، ولا واقفًا عن وقفانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل، أو كثير وليس ربا، ولا دم جاهلية..."، وذلك بحسب ما يذكر ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى".

 

في العصور الوسطى

رغم الطابع العدائي الذي غلب على العلاقات الإسلامية المسيحية في العصور الوسطى. إلا أن جزيرة صقلية شهدت على بعض محطات التقارب والود بين أصحاب الدينين.

في القرن الثاني عشر الميلادي، وصل الملك روجر الثاني للحكم. وعرف بتعامله بعدل ورحمة مع المسلمين الموجودين في مملكته، كما أنه أسس لهم ديواناً خاصاً لرفع المظالم والشكاوى. تحدث أبو عبد الله الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" عن عدل روجر الثاني مع المسلمين فقال: "ولما صار أمرها، أي صقلية، إليه واستقرَّ بها سريرُ ملكه، نشرَ العدل في أهلها، وأقرّهم على أديانهم وشرائعهم، وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، ثم أقام على ذلك مدة حياته إلى أن وافاه الأجل المحتوم".

في القرن الثالث عشر الميلادي، قام فريدريك الثاني، ملك صقلية وحاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة بإحياء ارث جده روجر الثاني. عُرف فريدريك برعايته للمسلمين وبصداقته القوية بالملك الكامل الأيوبي في مصر. في سنة 1229م حصد فريدريك ثمار سياساته المتسامحة مع المسلمين عندما تسلم بيت المقدس من السلطان الكامل من دون قتال، فيما عُرف تاريخياً بالحملة الصليبية السادسة.

 

محمد عبده ودعوة التقريب بين الأديان

تجدد الطابع العدائي بين الإسلام والمسيحية بدايةً من القرن الثامن عشر الميلادي. لعبت الحركة الاستعمارية الأوروبية دوراً مهماً في تعميق حالة الصراع بين الدول الاستعمارية الكولونيالية المسيحية مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا من جهة، والدول الإسلامية التي وقعت فريسة للاستعمار مثل مصر وسوريا والمغرب والهند من جهة أخرى.

رغم ذلك، حاول بعض المفكرين ورجال الدين من الفريقين أن يبنوا جسوراً للتفاهم والود والتسامح. في هذا السياق يظهر اسم محمد عبده، مفتي مصر الأسبق. يذكر الكاتب المصري محمد عمارة في كتابه "الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده" أن مفتي مصر الأسبق أهتم كثيراً بفكرة التقارب بين الأديان، ولا سيما الإسلام والمسيحية. قام عبده بتأسيس جمعية سرية للتقريب بين الأديان أثناء اقامته في بيروت في سنة 1885م. شارك في تلك الجمعية عدد من رجال الدين المستنيرين ممن ينتمون إلى الأديان السماوية الثلاثة. ومنهم القسيس الإنجليزي إسحاق تايلور بالإضافة إلى عدد من المسلمين والمسيحيين الإيرانيين.  تظهر علامات التقارب بين الدينين في إحدى الرسائل التي بعث بها عبده إلى تايلور. جاء فيها: "...وإنا نرى التوراة والإنجيل والقرآن ستصبح كتباً متوافقة، وصحفاً متصادقة، يدرسها أبناء الملتين ويوقرها أرباب الدينين، فيتم نور الله في أرضه... وإنني- على عجزي - مستعد لمساعدتك فيما تقصد من تقريب ما بين الملتين بكل ما يمكنني...".

من جهة أخرى، أقام محمد عبده جسوراً للتقارب مع المسيحية الأرثوذكسية في روسيا القيصرية. تمثلت تلك الجسور في مجموعة من الرسائل المتبادلة بين مفتي مصر الأسبق والمفكر الروسي الشهير ليو تولستوي. كان تولستوي قد أظهر إشادته بالإسلام وبالنبي في كتابه "حكم النبي محمد". الأمر الذي دفع عبده لمراسلته عندما كتب له "...هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووقفك على الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل... نظرت نظرة في الدين مزقت حجب التقاليد ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد، ورفعت صوتك تدعو إلى ما هداك الله إليه وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه...". رد المفكر الروسي على مفتي مصر برد مقتضب جاء فيه "...أنا أبادر بالجواب عليه مؤكداً لك ما أدخله على نفسي من عظيم السرور حين جعلني على تواصل مع رجل مستنير، وإن يكن من أهل ملة غير الملة التي ولدت عليها وربيت في أحضانها، فإن دينه وديني سواء لأن المعتقدات مختلفة وهي كثيرة. ولكن ليس يوجد إلا دين واحد هو الصحيح، وأملي ألا أكون مخطئاً إذا افترضت، استناداً إلى ما ورد في خطابك، أن الدين الذي أؤمن به هو دينك أنت، ذلك الدين الذي قوامه الإقرار بالله وشريعته والذي يدعو الإنسان إلى أن يرعى حق جاره، وأن يحب لغيره ما يحب لنفسه. وأود أن تصدر عن هذا المبدأ جميع المبادئ الصحيحة...".

المجمع الفاتيكاني الثاني

قامت الكنيسة الكاثوليكية بمجموعة من المراجعات المهمة في النصف الثاني من القرن العشرين. في هذا السياق، يظهر قرار المجمع الفاتيكاني الثاني في سنة 1965م بإمكانية خلاص غير المسيحي كواحد من أهم المحطات في طريق التقارب الإسلامي المسيحي في العصر الحديث.

في كتابه "عقيدة خلاص غير المؤمنين: بين الجذور والثمار"، يسلط المؤلف حلمي القمص يعقوب الضوء على انعقاد ذلك المجمع، فيذكر أنه قد شهد حضور 2400 أسقف كاثوليكي، مع بعض المراقبين من الكنائس الأخرى الأرثوذكسية والروم الأرثوذكس والإنجليكان والبروتستانت، وأن البابا يوحنا الثالث والعشرين افتتح أعمال المجمع في أكتوبر1962م، بينما اختتم فعالياته البابا بولس السادس في ديسمبر 1965م. بحسب يعقوب، فإن المجمع  قرّر "عقيدة خلاص غير المؤمنين" في جلسته الرابعة في أكتوبر 1965م. جاء فيما صدر عنه من تقرير وتوصيات التأكيد على أن "تدبير الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين يؤمنون بالخالق، وأولهم المسلمون الذين يُعلنون أنهم على إيمان ابراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمن الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر…". كما ورد أنه "بإمكان الله أن يقود إلى الإيمان الذي يستحيل إرضاء الله بدونه، بطرق يعرفها هو، أناسًا يجهلون الإنجيل عن غير خطأ منهم".

تبع ذلك القرار الاعلان عن بعض الخطوات العملية المهمة في سبيل العمل على تحقيق التقارب بين الإسلام والمسيحية. من تلك الخطوات الاعتذار عن بعض الأحداث التاريخية التي شاركت فيها الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى. ومنها الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في شبه الجزيرة الأيبيرية. في سنة 1986م، تسارعت وتيرة التفاهم بين الجانبين عندما دعا البابا يوحنا بولس الثاني إلى صلاة مشتركة بين أتباع مختلف الأديان في بلدة إسيزي الإيطالية من أجل تحقق السلام في العالم. لا تزال هذه الصلاة تُقام في سبتمبر من كل سنة إلى اليوم.

 

وثيقة الأخوة الإنسانية

بدورها، عملت المؤسسات الإسلامية الرسمية على المشاركة في الحوار الإسلامي المسيحي منذ فترة مبكرة من القرن العشرين. نستطيع أن نرصد عدداً من الخطوات المهمة التي تمت في هذا السياق. على سبيل المثال، في سنة 1935م، وجهت الدعوة للأزهر للمشاركة في مؤتمر "تاريخ الأديان الدولي السادس" المنعقد بمدينة بروكسل. لبى شيخ الأزهر الأسبق محمد مصطـفى المــراغــي الدعوة وقتها وأوفد كلاً مـن الشيخين مصطــفى عبد الرازق، وأمين الخولي. أما في سنة 1941م، فقد قام المستشرق الكاثوليكي الفرنسي لويس ماسينيون، والأب الكاثوليكي المصري جورج قنواتي بتأسيس "جمعية الإخاء الديني"، والتي ضمت في عضويتها بعض علماء الأزهر.

في سنة١٩٧٠م، تتابعت الجهود الإسلامية المسيحية عندما تم الإعلان عن تنظيم سلسلة من اللقاءات بين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، وأمانة السر الفاتيكانية للعلاقات بغير المسيحيين. في سنة 1974م شارك علماء المملكة العربية السعودية في عملية التقارب الإسلامي المسيحي عندما قام وفد مكون من تسعة علماء شريعة سعوديين، يرأسهم وزير العدل السعودي آنذاك الشيخ محمد بن علي الحركان بالسفر إلى روما لزيارة بابا الفاتيكان بولس السادس.

توّجت تلك الجهود المشتركة في سنة ٢٠١٩م عندما قام كل من شيخ الأزهر أحمد الطيب وبابا الفاتيكان فرانسيس الأول بالتوقيع على ما عُرف باسم "وثيقة الأخوة الإنسانية" في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة. جاء في تلك الوثيقة "...إنَّنا نحن –المُؤمِنون باللهِ وبلِقائِه وبحِسابِه– ومن مُنطَلَقِ مَسؤُوليَّتِنا الدِّينيَّةِ والأدَبيَّةِ، وعَبْرَ هذه الوثيقة ِ، نُطالِبُ أنفُسَنا وقادَةَ العالَمِ، وصُنَّاعَ السِّياساتِ الدَّولِيَّةِ والاقتصادِ العالَمِيِّ، بالعمَلِ جدِّيًّا على نَشْرِ ثقافةِ التَّسامُحِ والتعايُشِ والسَّلامِ، والتدخُّلِ فَوْرًا لإيقافِ سَيْلِ الدِّماءِ البَرِيئةِ، ووَقْفِ ما يَشهَدُه العالَمُ حاليًّا من حُرُوبٍ وصِراعاتٍ وتَراجُعٍ مناخِيٍّ وانحِدارٍ ثقافيٍّ وأخلاقيٍّ...". بعد أربع سنوات من توقيع تلك الوثيقة، تم افتتاح "بيت العائلة الإبراهيمية" في جزيرة السعديات في أبو ظبي. ويُعدّ هذا المشروع من أهم المؤسسات العاملة على فكرة التقارب بين الأديان الإبراهيمية، ولا سيما الإسلام والمسيحية.

زيارة البابا التاريخية للعراق

في سنة 2021م، خطت العلاقات الإسلامية المسيحية خطوة جديدة إلى الأمام تزامناً مع زيارة البابا فرنسيس الأول إلى العراق. كانت تلك الزيارة هي الرحلة الأولى للبابا خارج الفاتيكان منذ تفشي وباء كورونا، كما كانت الزيارة الأولى في التاريخ لأي بابا كاثوليكي إلى بلاد الرافدين. في تلك الزيارة تفقد البابا المسيحيين العراقيين المنكوبين على يد داعش في أربيل وقرقوش والموصل. كما التقى بالعديد من الشخصيات الإسلامية المهمة في العراق.

كانت مقابلة البابا بالمرجع الشيعي الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني في مدينة النجف الاشرف هي أبرز ما ميز تلك الزيارة. كانت المرة الاولى التي يلتقي فيها بابا كاثوليكي بواحد من كبار مراجع العالم الشيعي على الإطلاق. أشاد البابا كثيراً بالسيستاني، ووصفه بأنه "رجل الله العظيم الحكيم". كما وصف هذه المقابلة بأنها كانت "مفيدة لروحه" و"خطوة أولى" نحو توثيق العلاقة مع المسلمين الشيعة. بعد مرور سنتين على هذا اللقاء، أرسل البابا في مارس الماضي رسالة إلى السيستاني موضحاً الأهمية التي مثلها اللقاء في طريق التقارب بين الإسلام والمسيحية. جاء في تلك الرسالة "...كان -اللقاء- علامة فارقة في مسيرة الحوار بين الأديان والتّفاهم بين الشّعوب. أتذكر شاكراً الحديث الأخوي والمشاركة الرّوحية في مواضيع سامية مثل التّضامن والسّلام والدفاع عن الأشدَّ ضعفاً، وأيضاً التزامكم لصالح الذين تعرّضوا للاضطهاد... أتمنّى أن نتمكّن معاً، مسيحيّين ومسلمين، من أن نكون دائمًا شهوداً للحقيقة والمحبّة والرّجاء، في عالم مطبوع بالصّراعات العديدة، ويحتاج بالتّالي إلى الرّأفة والشّفاء. أرفع صلاتي إلى الله العلِيِّ القدير، من أجل سماحتكم ومن أجل جماعتكم ومن أجل أرض العراق الحبيبة".

مواضيع ذات صلة:

علي جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية
علي جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية

ظهر التصوف في الإسلام منذ فترة مبكرة. عُرف الصوفيون بالهدوء والتقشف والزهد والبُعد إجمالاً عن السياسة. ولكن لم يمنع ذلك من بعض الاستثناءات، عبر المشاركة في حركات "الجهاد" و"مقاومة الاستعمار" في بعض الفترات التاريخية الحرجة.

في العقود الأخيرة، دفعت الأوضاع السياسية في عدد من الدول الإسلامية إلى استدعاء الصوفية إلى ميادين العمل السياسي، بهدف الحد من خطورة التيارات الجهادية الطامحة للوصول إلى الحكم؟

 

 التصوف كـ"سلاح" ضد التطرف

 

على الرغم من تبني الأنظمة العربية التصوف منذ فترات طويلة، إلا أن استدعاء التصوف كسلاح فعال ضد التطرف بدأ في لحظات متباينة من العقود الأخيرة. وذلك بحسب الظروف والسياقات التي مرت بها كل دولة على حدة.

في السبعينات، ومع تصاعد المد السلفي في مصر، لجأت السلطة إلى عدد من شيوخ الأزهر المعروفين بتوجهاتهم الصوفية -ومن أبرزهم محمد متولي الشعراوي- لمحاورة أعضاء التيارات التكفيرية الجهادية، فيما عُرف وقتها باسم المراجعات. في السياق نفسه، تبنت الدولة الخطاب الصوفي التقليدي الذي يدعو إلى التصالح مع الأمر الواقع من جهة، ورفض الثورة والتغيير بالقوة من جهة أخرى.

في الحالة السورية، بدأ التحالف بين التصوف والسلطة في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين. في سنة 1982م تحديداً، وقعت المواجهة المسلحة بين القوات العسكرية التابعة للنظام والكتائب الإسلامية التابعة للإخوان المسلمين. انتهى هذا الصراع بهزيمة الجبهة الإسلامية على يد قوات النظام. وتم نفي الكثير من شيوخ الصوفية المتحالفين مع الإخوان، ومن أبرزهم الشيخ عبد القادر عيسى، شيخ الشاذلية في حلب، والذي توفي في منفاه في الأردن.

على إثر تلك المعارك الضارية، بدأ النظام البعثي السوري في مصالحة بعض التيارات الصوفية، واتخذ منها سلاحاً موجهاً ضد حركات الإسلام السياسي. وبحسب ما تذكره الباحثة الألمانية أنابيله بوتشر في دراستها "الإسلام الرسمي، الشبكات الإسلامية العابرة للحدود، والسياسات المحلية: سوريا أنموذجاً"، فإن الطريقة الكفتارية للشيخ أحمد كفتارو، والطريقة الخزنوية للشيخ محمد الخزنوي كانتا أبرز الطرق التي تحالفت مع النظام البعثي.

تذكر بوتشر أن الطريقتين انتشرتا في مناطق واسعة من سوريا. وفي حين تركّزت شبكة علاقات طريقة الشيخ كفتارو في المناطق الحضرية في دمشق بشكل أساسي، تركزّت شبكة الشيخ الخزنوي في المناطق الريفية للجزيرة السورية.

في العراق، استدعى نظام صدام حسين المكون الصوفي -الرفاعي والنقشبندي والقادري- من بوابة بعض رجال السلطة المتأثرين بالطابع الصوفي، ومن أبرزهم عزة الدوري، النائب الأسبق لرئيس الجمهورية.

استعان النظام البعثي بتلك الطرق الصوفية في سبيل إضفاء المسحة الدينية على حكمه من جهة، ولتحقيق التوازن مع القوى الشيعية العراقية من جهة أخرى.

يختلف الوضع في الحالة المغربية. بدأ التحالف المُعلن الأكبر بين التصوف والسلطة بعد أحداث السادس عشر من مايو 2003.

في ذلك اليوم فجّر 13 شاباً أنفسهم في قلب مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، ما أدى إلى مقتل 45 شخصاً بما فيهم الانتحاريون الذين اكتشفت السلطات فيما بعد أنهم ينتمون إلى ما بات يسمى في المغرب بـ"السلفية الجهادية".

على إثر تلك الحادثة الدموية سارعت الدولة إلى استدعاء المكون الصوفي بهدف التصدي للأفكار السلفية الجهادية.

 

دعم الأنظمة للتصوف

 

ظهرت دلائل الدعم المتبادل بين الأنظمة السياسية العربية والتيارات الصوفية في الكثير من الشواهد. والتي تنوعت بين الدعم المالي في بعض الأحيان، والدعم المعنوي في أحيان أخرى.

في مصر، عُينت القيادات الدينية في المؤسسات الرسمية -الأزهر، والإفتاء، ووزارة الأوقاف- من بين الشيوخ المعروفين بتوجهاتهم الصوفية. في السياق نفسه، اهتمت الدولة بمظاهر التدين الصوفي التقليدي، من خلال الحرص على إقامة الموالد، والاحتفال الرسمي بالمواسم، وهو الاسم الذي يُطلق على المناسبات الدينية الأهم على مدار العام، فضلاً عن تقديم الدعم المادي للمؤسسات الصوفية وعلى رأسها نقابة الأشراف، والمجلس الأعلى للطرق الصوفية.

من جهتهم، قدم الصوفيون دعمهم الكامل للأنظمة السياسية التي حكمت مصر على مر السنوات السابقة. على سبيل المثال في 2009م، أعلن مشايخ الطرق الصوفية مبايعتهم للرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك ولأبنائه من بعده.

تكرر المشهد في 2014م، عندما حظي ترشيح الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم مطلق من قِبل قيادات الطرق الصوفية.  صارت قوة التحالف بين التيارات الصوفية والدولة أوضح في 2018م، عندما فاز رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر عبد الهادي القصبي برئاسة ائتلاف "دعم مصر" داخل مجلس النواب وهو ائتلاف الأغلبية المقرب من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في سوريا، تمتع مشايخ الصوفية بمكانة عالية من قِبل السلطة الحاكمة، خصوصاً بعدما اختارتهم الدولة لتمثيل "الإسلام السني الوسطي"، وقلدت قياداتهم العديد من المناصب الدينية الرفيعة مثل منصب المفتي العام لسوريا. وهو منصب تعاقب عليه كل من أحمد كفتارو، وأحمد بدر الدين حسون.

بحسب ما تذكره بوتشر في دراستها، فإن الدولة السورية لم تكتف بتقليد مشايخ الصوفية أهم المراكز الدينية في الدولة، بل منحتهم كذلك دعماً مالياً كبيراً.

على سبيل المثال أشرفت الدولة على تطوير "مجْمع أبو النور الإسلامي" التابع للتيار الصوفي، فتحول من مكان صغير إلى مؤسسة كبيرة تضم العديد من المدارس الإسلامية، وأربع جامعات، ومسجداً كبيراً ومكاتب، ومكتبة وشققاً وغرف اجتماعات، فضلاً عن بعض الجمعيات الخيرية.

من جهة أخرى، عُين مشايخ الصوفية في إدارة "معاهد القرآن" التي تضطلع بمهمة تحفيظ وتفسير القرآن للأطفال في العديد من المدن السورية، كما شغل الصوفيون المناصب الأساسية المعنية بتدريس الإسلام في كل من وزارة الأوقاف والتلفزيون السوري.

اختلف الوضع بشكل كبير في العراق بسبب الاضطرابات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين في 2003. حافظ الصوفيون لفترة على ولائهم للسلطة البعثية، وتم الإعلان وقتها عما عُرف بـ"جيش رجال الطريقة النقشبندية" والذي شارك في قتال القوات الأميركية.

برزت أهمية هذا التنظيم بعد إعدام صدام حسين في ديسمبر سنة 2006م. نشط التنظيم في المناطق ذات الأغلبية السنية في العراق ولا سيما في كل من محافظة ديالى ومناطق جنوب غرب كركوك ومحافظتي نينوى وصلاح الدين، شمال غرب العراق.

امتلك النقشبنديون الكثير من الدبابات والصواريخ والسيارات المصفحة والسيارات الرباعية الدفع والأسلحة المتنوعة التي حصل عليها التنظيم من الجيش العراقي. وروجوا لأنفسهم باعتبارهم المدافعين عن الهوية العربية الإسلامية السنية في العراق.

مع تغير الأحداث التي شهدها العراق في السنين الأخيرة، ظهرت بعض التنظيمات الصوفية التي تقاربت إلى حد بعيد مع مراكز القوى الجديدة المُمثلة في القوى الشيعية وإيران. يُعدّ "مجلس علماء الرباط المحمدي" أحد أهم تلك التنظيمات. أعلن المجلس عن علاقاته الوطيدة بالسلطة في العديد من المواقف. على سبيل المثال، أشاد رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي عبد القادر الآلوسي في وقت سابق بالحشد الشعبي وقال: "الحشد الشعبي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الوطن ولولا تضحياته لما تحررت المدن من داعش". من خلال تلك العلاقة، تمكن المجلس من ممارسة أنشطته في عموم المدن العراقية، الأمر الذي يثبت العلاقة الثنائية الوطيدة المنعقدة بين الصوفية والسلطة في بلاد الرافدين.

لا تختلف المعادلة كثيراً في المغرب، عملت السلطة على استقطاب الصوفية من خلال تعيينهم في العديد من المناصب السامية.

في هذا السياق، تم تعيين أحمد التوفيق -الذي ينتمي إلى الطريقة الصوفية البوتشيشية- على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنة 2002م إلى اليوم، بما يجعله أقدم وزير في تاريخ الحكومة المغربية.

من جهة أخرى، تمت إعادة هيكلة المؤسسات الدينية المغربية استناداً إلى المرجعية الصوفية. وحافظت السلطة على دعمها المادي للتصوف من خلال تسليم الهبات الملكية للزوايا المنتشرة في أنحاء البلاد.

في السياق نفسه، نُظمت العديد من الندوات والمهرجانات الفنية ذات الاتجاه الصوفي. كما أُنتجت البرامج الإعلامية التي تبث الشعائر الصوفية على القنوات الرسمية للدولة.

من جهتها، دأبت الطرق الصوفية المغربية على تأييد السلطة في العديد من المواقف. على سبيل المثال أعلن الصوفيون في 2011م عن تأييدهم المطلق للدستور الجديد رغم الاعتراض عليه من جانب الكثير من التيارات الأخرى.

 

الصراع بين التصوف والإسلام السياسي

 

تمكّن التحالف المُنعقد بين السلطة والتصوف من فرض وجوده في بعض الحالات أمام التيارات السلفية الجهادية. ويعدّ المغرب الحالة الأكثر بروزاً في هذا السياق بسبب قوة المكون الصوفي من جهة، وتراجع التيارات السلفية في المغرب من جهة أخرى.

في المقابل، يختلف الوضع في دول عربية أخرى، حيث خاض الطرفان -التصوف والإسلام السياسي- حرباً ضارية في السنوات السابقة. تعددت مظاهر تلك الحرب بين الفتاوى المتبادلة، والاقتتال المسلح، فضلاً عن عمليات الاغتيال.

كانت فتوى مفتي مصر الأسبق علي جمعة من أشهر الفتاوى التي وجهها التيار الصوفي ضد الإسلام السياسي. في 2013م، أفتى جمعة -الذي يُعدّ واحداً من كبار مشايخ الصوفية المصريين- في أحد المؤتمرات التي حضرها العشرات من القيادات العسكرية بجواز قتل عناصر جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين.

وشبّه جمعة الإخوان وحلفاءهم بالخوارج ووصفهم بـ"كلاب أهل النار". وتابع قائلاً: "اضرب في المليان، إياك أن تضحي بأفرادك وجنودك من أجل هؤلاء... طوبى لمن قتلهم، وقتلوه... كان يجب أن نطهر مدينتنا من هؤلاء الأوباش... يجب أن نتبرأ منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب". تعرضت هذه التصريحات لانتقادات كثيرة.

تشابه موقف جمعة مع موقف رجل الدين السوري الصوفي محمد سعيد رمضان البوطي -المقرب من النظام- عندما انتقد خروج المظاهرات المعارضة للنظام من المساجد ودعا السوريين إلى عدم "الانقياد وراء دعوات خارجية".

ووصف الثوار الذين حملوا السلاح في مواجهة الدولة بأنهم "عصابات إرهابية مسلحة". رد الجهاديون على تلك الفتاوى وقتها بشكل عنيف. وفي مارس 2013م، قُتل الشيخ البوطي أثناء إعطائه درساً دينياً في مسجد الإيمان بحي المزرعة في دمشق.

تصاعدُ العنف بين الصوفيين والتيارات الجهادية أخذ أشكالاً أكثر عنفاً في بعض الحالات. على سبيل المثال في 2014م، سقط الكثير من الضحايا في الاشتباكات التي وقعت بين جيش النقشبندية وتنظيم داعش.

وفي نوفمبر 2017م، وصل العداء الصوفي- الجهادي إلى دموية غير مسبوقة عندما هاجم إرهابيون مسجد الروضة الصوفي في سيناء المصرية، ما أسفر عن مقتل قرابة 300 شخص وإصابة العشرات بينهم أطفال.