Iraqis put up a poster announcing the upcoming visit of the Pope Francis and a meeting with a revered Shiite Muslim leader,…
لوحة اعلانية انتشرت في العراق قبل زيارة البابا ترحّب بلقائه "التاريخي" المرتقب مع المرجع علي السيستاني- أرشيف

مرّت العلاقات الإسلامية المسيحية بالكثير من المنعطفات التاريخية المهمة. في القرن السابع الهجري، اصطدم المسلمون الفاتحون بالمجتمعات المسيحية الشرقية في كل من سوريا ومصر والعراق. بعد قرون، تجدد الصدام مع المسيحية الغربية الممثلة في جيوش الحملات الصليبية، التي قدمت إلى بلاد الشام معلنة عن نيتها تحرير "مدينة الرب"/ أورشليم من العرب. ومع ذلك، كانت هناك العديد من المحطات التي حظيت فيها العلاقات الإسلامية المسيحية بفرصة للتسامح والتفاهم. نرصد في هذا المقال مجموعة من أهم المحطات في تاريخ التقارب الإسلامي المسيحي.

 

في عصر النبوة

تميزت العلاقات الإسلامية المسيحية بالهدوء والدبلوماسية في الحقبة النبوية في بدايات القرن السابع الميلادي. وتوجد العديد من النماذج المعبرة عن حالة التفاهم التي سادت -في اغلب الاوقات- بين أتباع الدينين.

كانت مملكة اكسوم المسيحية في الحبشة هي المكان الذي رشحه النبي لأصحابه للهجرة إليه عندما زاد اضطهادهم في مكة. يذكر ابن كثير الدمشقي في كتابه "البداية والنهاية"، أن النبي قال لهم ناصحاً: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة؟ فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه". في هذا السياق نجد في القرآن وصفاً للمسيحيين/ النصارى في الآية رقم 82 من سورة المائدة بأنهم أقرب أهل الكتاب مودة للمسلمين.

في السنة التاسعة من الهجرة، جرى التأكيد على الطابع الدبلوماسي للعلاقات الإسلامية المسيحية. في تلك السنة، قدم وفد نجران المسيحي إلى المدينة المنورة وكان هذا الوفد مكونا من مجموعة من الرهبان والقساوسة. بحسب ما يذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" فإن الرهبان لما زاروا الرسول "دخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية... يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي يومئذ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله يصلون، فقال رسول الله: دعوهم، فصلوا إلى المشرق".

على الرغم من أن كثيراً من العلماء والمحدثين حكموا بضعف هذه الرواية بسبب ما فيها من إرسال، إلا أن بعضهم صحّحها، وبنى عليها حكمًا فقهيًا يجيز صلاة المسيحي في المسجد. من هؤلاء ابن القيم الجوزية في كتابه أحكام أهل الذمة، إذ يقول: "وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَصَلوا فِيهِ وَذَلِكَ عَامَ الْوُفُودِ". لم يكتف النبي بالسماح للرهبان بالصلاة في مسجده، بل كفل لهم حرية العبادة. وكتب لهم كتاباً بذلك، وكان مما ورد في هذا الكتاب "ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبيعهم، وصلواتهم لا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته، ولا راهبًا عن رهبانيته، ولا واقفًا عن وقفانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل، أو كثير وليس ربا، ولا دم جاهلية..."، وذلك بحسب ما يذكر ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى".

 

في العصور الوسطى

رغم الطابع العدائي الذي غلب على العلاقات الإسلامية المسيحية في العصور الوسطى. إلا أن جزيرة صقلية شهدت على بعض محطات التقارب والود بين أصحاب الدينين.

في القرن الثاني عشر الميلادي، وصل الملك روجر الثاني للحكم. وعرف بتعامله بعدل ورحمة مع المسلمين الموجودين في مملكته، كما أنه أسس لهم ديواناً خاصاً لرفع المظالم والشكاوى. تحدث أبو عبد الله الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" عن عدل روجر الثاني مع المسلمين فقال: "ولما صار أمرها، أي صقلية، إليه واستقرَّ بها سريرُ ملكه، نشرَ العدل في أهلها، وأقرّهم على أديانهم وشرائعهم، وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، ثم أقام على ذلك مدة حياته إلى أن وافاه الأجل المحتوم".

في القرن الثالث عشر الميلادي، قام فريدريك الثاني، ملك صقلية وحاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة بإحياء ارث جده روجر الثاني. عُرف فريدريك برعايته للمسلمين وبصداقته القوية بالملك الكامل الأيوبي في مصر. في سنة 1229م حصد فريدريك ثمار سياساته المتسامحة مع المسلمين عندما تسلم بيت المقدس من السلطان الكامل من دون قتال، فيما عُرف تاريخياً بالحملة الصليبية السادسة.

 

محمد عبده ودعوة التقريب بين الأديان

تجدد الطابع العدائي بين الإسلام والمسيحية بدايةً من القرن الثامن عشر الميلادي. لعبت الحركة الاستعمارية الأوروبية دوراً مهماً في تعميق حالة الصراع بين الدول الاستعمارية الكولونيالية المسيحية مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا من جهة، والدول الإسلامية التي وقعت فريسة للاستعمار مثل مصر وسوريا والمغرب والهند من جهة أخرى.

رغم ذلك، حاول بعض المفكرين ورجال الدين من الفريقين أن يبنوا جسوراً للتفاهم والود والتسامح. في هذا السياق يظهر اسم محمد عبده، مفتي مصر الأسبق. يذكر الكاتب المصري محمد عمارة في كتابه "الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده" أن مفتي مصر الأسبق أهتم كثيراً بفكرة التقارب بين الأديان، ولا سيما الإسلام والمسيحية. قام عبده بتأسيس جمعية سرية للتقريب بين الأديان أثناء اقامته في بيروت في سنة 1885م. شارك في تلك الجمعية عدد من رجال الدين المستنيرين ممن ينتمون إلى الأديان السماوية الثلاثة. ومنهم القسيس الإنجليزي إسحاق تايلور بالإضافة إلى عدد من المسلمين والمسيحيين الإيرانيين.  تظهر علامات التقارب بين الدينين في إحدى الرسائل التي بعث بها عبده إلى تايلور. جاء فيها: "...وإنا نرى التوراة والإنجيل والقرآن ستصبح كتباً متوافقة، وصحفاً متصادقة، يدرسها أبناء الملتين ويوقرها أرباب الدينين، فيتم نور الله في أرضه... وإنني- على عجزي - مستعد لمساعدتك فيما تقصد من تقريب ما بين الملتين بكل ما يمكنني...".

من جهة أخرى، أقام محمد عبده جسوراً للتقارب مع المسيحية الأرثوذكسية في روسيا القيصرية. تمثلت تلك الجسور في مجموعة من الرسائل المتبادلة بين مفتي مصر الأسبق والمفكر الروسي الشهير ليو تولستوي. كان تولستوي قد أظهر إشادته بالإسلام وبالنبي في كتابه "حكم النبي محمد". الأمر الذي دفع عبده لمراسلته عندما كتب له "...هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووقفك على الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل... نظرت نظرة في الدين مزقت حجب التقاليد ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد، ورفعت صوتك تدعو إلى ما هداك الله إليه وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه...". رد المفكر الروسي على مفتي مصر برد مقتضب جاء فيه "...أنا أبادر بالجواب عليه مؤكداً لك ما أدخله على نفسي من عظيم السرور حين جعلني على تواصل مع رجل مستنير، وإن يكن من أهل ملة غير الملة التي ولدت عليها وربيت في أحضانها، فإن دينه وديني سواء لأن المعتقدات مختلفة وهي كثيرة. ولكن ليس يوجد إلا دين واحد هو الصحيح، وأملي ألا أكون مخطئاً إذا افترضت، استناداً إلى ما ورد في خطابك، أن الدين الذي أؤمن به هو دينك أنت، ذلك الدين الذي قوامه الإقرار بالله وشريعته والذي يدعو الإنسان إلى أن يرعى حق جاره، وأن يحب لغيره ما يحب لنفسه. وأود أن تصدر عن هذا المبدأ جميع المبادئ الصحيحة...".

المجمع الفاتيكاني الثاني

قامت الكنيسة الكاثوليكية بمجموعة من المراجعات المهمة في النصف الثاني من القرن العشرين. في هذا السياق، يظهر قرار المجمع الفاتيكاني الثاني في سنة 1965م بإمكانية خلاص غير المسيحي كواحد من أهم المحطات في طريق التقارب الإسلامي المسيحي في العصر الحديث.

في كتابه "عقيدة خلاص غير المؤمنين: بين الجذور والثمار"، يسلط المؤلف حلمي القمص يعقوب الضوء على انعقاد ذلك المجمع، فيذكر أنه قد شهد حضور 2400 أسقف كاثوليكي، مع بعض المراقبين من الكنائس الأخرى الأرثوذكسية والروم الأرثوذكس والإنجليكان والبروتستانت، وأن البابا يوحنا الثالث والعشرين افتتح أعمال المجمع في أكتوبر1962م، بينما اختتم فعالياته البابا بولس السادس في ديسمبر 1965م. بحسب يعقوب، فإن المجمع  قرّر "عقيدة خلاص غير المؤمنين" في جلسته الرابعة في أكتوبر 1965م. جاء فيما صدر عنه من تقرير وتوصيات التأكيد على أن "تدبير الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين يؤمنون بالخالق، وأولهم المسلمون الذين يُعلنون أنهم على إيمان ابراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمن الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر…". كما ورد أنه "بإمكان الله أن يقود إلى الإيمان الذي يستحيل إرضاء الله بدونه، بطرق يعرفها هو، أناسًا يجهلون الإنجيل عن غير خطأ منهم".

تبع ذلك القرار الاعلان عن بعض الخطوات العملية المهمة في سبيل العمل على تحقيق التقارب بين الإسلام والمسيحية. من تلك الخطوات الاعتذار عن بعض الأحداث التاريخية التي شاركت فيها الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى. ومنها الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في شبه الجزيرة الأيبيرية. في سنة 1986م، تسارعت وتيرة التفاهم بين الجانبين عندما دعا البابا يوحنا بولس الثاني إلى صلاة مشتركة بين أتباع مختلف الأديان في بلدة إسيزي الإيطالية من أجل تحقق السلام في العالم. لا تزال هذه الصلاة تُقام في سبتمبر من كل سنة إلى اليوم.

 

وثيقة الأخوة الإنسانية

بدورها، عملت المؤسسات الإسلامية الرسمية على المشاركة في الحوار الإسلامي المسيحي منذ فترة مبكرة من القرن العشرين. نستطيع أن نرصد عدداً من الخطوات المهمة التي تمت في هذا السياق. على سبيل المثال، في سنة 1935م، وجهت الدعوة للأزهر للمشاركة في مؤتمر "تاريخ الأديان الدولي السادس" المنعقد بمدينة بروكسل. لبى شيخ الأزهر الأسبق محمد مصطـفى المــراغــي الدعوة وقتها وأوفد كلاً مـن الشيخين مصطــفى عبد الرازق، وأمين الخولي. أما في سنة 1941م، فقد قام المستشرق الكاثوليكي الفرنسي لويس ماسينيون، والأب الكاثوليكي المصري جورج قنواتي بتأسيس "جمعية الإخاء الديني"، والتي ضمت في عضويتها بعض علماء الأزهر.

في سنة١٩٧٠م، تتابعت الجهود الإسلامية المسيحية عندما تم الإعلان عن تنظيم سلسلة من اللقاءات بين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، وأمانة السر الفاتيكانية للعلاقات بغير المسيحيين. في سنة 1974م شارك علماء المملكة العربية السعودية في عملية التقارب الإسلامي المسيحي عندما قام وفد مكون من تسعة علماء شريعة سعوديين، يرأسهم وزير العدل السعودي آنذاك الشيخ محمد بن علي الحركان بالسفر إلى روما لزيارة بابا الفاتيكان بولس السادس.

توّجت تلك الجهود المشتركة في سنة ٢٠١٩م عندما قام كل من شيخ الأزهر أحمد الطيب وبابا الفاتيكان فرانسيس الأول بالتوقيع على ما عُرف باسم "وثيقة الأخوة الإنسانية" في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة. جاء في تلك الوثيقة "...إنَّنا نحن –المُؤمِنون باللهِ وبلِقائِه وبحِسابِه– ومن مُنطَلَقِ مَسؤُوليَّتِنا الدِّينيَّةِ والأدَبيَّةِ، وعَبْرَ هذه الوثيقة ِ، نُطالِبُ أنفُسَنا وقادَةَ العالَمِ، وصُنَّاعَ السِّياساتِ الدَّولِيَّةِ والاقتصادِ العالَمِيِّ، بالعمَلِ جدِّيًّا على نَشْرِ ثقافةِ التَّسامُحِ والتعايُشِ والسَّلامِ، والتدخُّلِ فَوْرًا لإيقافِ سَيْلِ الدِّماءِ البَرِيئةِ، ووَقْفِ ما يَشهَدُه العالَمُ حاليًّا من حُرُوبٍ وصِراعاتٍ وتَراجُعٍ مناخِيٍّ وانحِدارٍ ثقافيٍّ وأخلاقيٍّ...". بعد أربع سنوات من توقيع تلك الوثيقة، تم افتتاح "بيت العائلة الإبراهيمية" في جزيرة السعديات في أبو ظبي. ويُعدّ هذا المشروع من أهم المؤسسات العاملة على فكرة التقارب بين الأديان الإبراهيمية، ولا سيما الإسلام والمسيحية.

زيارة البابا التاريخية للعراق

في سنة 2021م، خطت العلاقات الإسلامية المسيحية خطوة جديدة إلى الأمام تزامناً مع زيارة البابا فرنسيس الأول إلى العراق. كانت تلك الزيارة هي الرحلة الأولى للبابا خارج الفاتيكان منذ تفشي وباء كورونا، كما كانت الزيارة الأولى في التاريخ لأي بابا كاثوليكي إلى بلاد الرافدين. في تلك الزيارة تفقد البابا المسيحيين العراقيين المنكوبين على يد داعش في أربيل وقرقوش والموصل. كما التقى بالعديد من الشخصيات الإسلامية المهمة في العراق.

كانت مقابلة البابا بالمرجع الشيعي الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني في مدينة النجف الاشرف هي أبرز ما ميز تلك الزيارة. كانت المرة الاولى التي يلتقي فيها بابا كاثوليكي بواحد من كبار مراجع العالم الشيعي على الإطلاق. أشاد البابا كثيراً بالسيستاني، ووصفه بأنه "رجل الله العظيم الحكيم". كما وصف هذه المقابلة بأنها كانت "مفيدة لروحه" و"خطوة أولى" نحو توثيق العلاقة مع المسلمين الشيعة. بعد مرور سنتين على هذا اللقاء، أرسل البابا في مارس الماضي رسالة إلى السيستاني موضحاً الأهمية التي مثلها اللقاء في طريق التقارب بين الإسلام والمسيحية. جاء في تلك الرسالة "...كان -اللقاء- علامة فارقة في مسيرة الحوار بين الأديان والتّفاهم بين الشّعوب. أتذكر شاكراً الحديث الأخوي والمشاركة الرّوحية في مواضيع سامية مثل التّضامن والسّلام والدفاع عن الأشدَّ ضعفاً، وأيضاً التزامكم لصالح الذين تعرّضوا للاضطهاد... أتمنّى أن نتمكّن معاً، مسيحيّين ومسلمين، من أن نكون دائمًا شهوداً للحقيقة والمحبّة والرّجاء، في عالم مطبوع بالصّراعات العديدة، ويحتاج بالتّالي إلى الرّأفة والشّفاء. أرفع صلاتي إلى الله العلِيِّ القدير، من أجل سماحتكم ومن أجل جماعتكم ومن أجل أرض العراق الحبيبة".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني
صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني

في العصور الوسطى، عرف المسلمون بعض الفنون التي تضمنت التمثيل بشكل أو بآخر، منها مسرح "خيال الظل" الذي ظهر في قصور أمراء العصر الفاطمي في القرن السادس الهجري، وفن "الأراجوز" الذي عُرف خلال العصرين الأيوبي والمملوكي وانتشر على نطاق واسع في العصر العثماني.

في القرن التاسع عشر الميلادي، بدأ التمثيل يأخذ مكانة مهمة في المجتمعات الإسلامية، باعتباره أحد الفنون المعروفة التي تمكنت من حصد إعجاب الجماهير.

في هذا السياق، اشتهرت أعمال السوري أبو خليل القباني، الذي يُعدّ أول من أسّس مسرحاً عربياً في دمشق، واللبناني مارون النقاش الذي مثّل أول رواية عربية عام 1848، والمصري عبد الله النديم الذي مثّل روايتي "الوطن" و"العرب" في مسرح "زيزينيا" بمدينة الإسكندرية وحضرها الخديوي إسماعيل.

على الرغم من كثرة الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية التي قدمها الفنانون في العالم العربي، إلا أن النظرة العامة للتمثيل أُحيطت بالعديد من علامات الشك والارتياب من قبل علماء مسلمين ورجال دين عارضوا هذا الفن حتى أنهم أفتى بحُرمته.

في المقابل، كانت هناك فتاوى إسلامية أباحت التمثيل، والغناء أيضاً كما أسلفنا في مقال سابق نُشر على موقع "ارفع صوتك". 

 

الرفض: الرأي التقليدي

في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية"، عمل الأديب اللبناني جرجي زيدان على تفسير الرفض التقليدي لفن التمثيل في الأوساط الإسلامية، فقال إن "فن التمثيل من الفنون القديمة في قارة أوروبا منذ عهد اليونان، ونقل العرب في صدر الدولة العباسية علوم اليونان الطبيعية والفلسفية والرياضية، وتجاهلوا نقل أكثر آدابهم الأخلاقية، أو الشعرية والتاريخية، ومن جملتها التمثيل".

يفسر ذلك التجاهل بقوله "لعل السبب، تجافي المسلمين عن ظهور المرأة المسلمة على المسرح، فأزهر التمدن الإسلامي وأثمر وليس فيه ثمة تمثيل...".

بشكل عام، تعرض الممثلون والفنانون العرب للتجاهل والرفض بشكل واسع من قِبل المؤسسات الدينية الإسلامية لفترات طويلة من القرن العشرين. حيث أصدر بعض رجال الدين فتاواهم الرافضة لممارسة التمثيل، وعدّوه من "خوارم المروءة"، ومن أسباب سقوط الشهادة في المحاكم الشرعية.

يُعبر الشيخ السعودي بكر أبو زيد عن تلك الرؤية في كتابه "حكم التمثيل"، فيذكر أن التمثيل نوع من أنواع الكذب، ويستشهد بالحديث المنسوب للصحابي عبد الله بن مسعود "الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا يَعد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا يُنجزه"، يتابع بعدها "...وعليه فلا يمتري عاقل، أن (التمثيل) من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مُسقِطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يُقرّه في جملته. ومن المسلمات أن التمثيل لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين...".

الرأي نفسه، ذهب إليه المفتي الأسبق للمملكة العربية السعودية عبد العزيز بن باز. جاء في إحدى فتاواه: "...الذي يظهر لنا أن التمثيل من باب الكذب، التمثيل أنه يمثل عمر، أو يمثل أبا جهل، أو يمثل فرعون، أو يمثل النبي، كلها في ما نعلم وفي ما نفتي به أنها من الكذب، يكفي الآخرين ما كفى الأولين...".

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
من محمد عبده إلى كمال الحيدري.. فتاوى أباحت الرسم والنحت
عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وتماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية، على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية.

 

تصاعد الجدل بين الممثلين ورجال الدين

شهدت العقود السابقة اشتعال الجدل بين الممثلين ورجال الدين بسبب عدد من الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية. وكانت ظاهرة تمثيل الأنبياء والصحابة أحد أهم الأسباب المثيرة للجدل والنقاش بين الطرفين>

وفيما حاول الممثلون تجسيد الشخصيات الدينية الروحية الأكثر تأثيراً في أعمالهم، فإن رجال الدين المسلمين -على الجانب الآخر- رفضوا ذلك بشكل كامل، وأصروّا أن تبقى الشخصيات بعيدة عن أي تجسيد أو تمثيل للحفاظ على القداسة المرتبطة بها في الوجدان المسلم.

بشكل عام، تعود فكرة تجسيد الأنبياء بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. ففي عام 1926، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية الرسول محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية- تركية.

وافق وهبي في البداية وانتشر الخبر في الصحف، حتى خرج الأزهر وهاجم المشروع. كتب وهبي في مذكراته أنه اعتذر عن بطولة العمل بعدما تلقى تهديداً من جانب الملك فؤاد ملك مصر -آنذاك- بالنفي والحرمان من الجنسية المصرية.

لا ننسى أن تلك الأحداث وقعت بعد سنتين فحسب من سقوط الدولة العثمانية، كان الملك فؤاد وقتها يسعى للحصول على لقب "الخليفة"، وكان من المهم بالنسبة له أن يظهر في صورة "المدافع عن الإسلام والنبي" ضد أي تشويه محتمل.

في خمسينيات القرن العشرين، جُسدت شخصيات بعض الصحابة درامياً. على سبيل المثال قدمت السينما المصرية فيلم "بلال مؤذن الرسول" سنة 1953، وفيلم "خالد بن الوليد" سنة 1958 من بطولة وإنتاج وإخراج الممثل المصري حسين صدقي. عُرف صدقي بتوجهاته الإسلامية في الفترة الأخيرة من حياته، وكان اختيار شخصية خالد بن الوليد تحديداً لتجسيدها في عمل سينمائي أمراً مفهوماً لما لتلك الشخصية من حضور طاغٍ في الثقافة الإسلامية السنيّة التقليدية.

تفجر الجدل مرة أخرى حول تجسيد شخصيات الصحابة في سبعينيات القرن العشرين. في تلك الفترة أُعلن الاتفاق على تصوير فيلم "الرسالة" بنسختيه العربية والإنجليزية للمخرج السوري مصطفى العقاد، واختيرت نخبة من الفنانين العرب والأجانب للمشاركة في تقديم هذا المشروع الضخم.

شاع حينها أن صناع العمل حصلوا على موافقة الأزهر، مما أثار رفضاً من جانب الكثير من رجال الدين. مثلاً، أرسل الشيخ السعودي عبد العزيز بن باز إلى شيخ الأزهر رسالة يستهجن فيها الموافقة على الفيلم، جاء فيها "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المُكرم صاحب السماحة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر… فإني أستغرب إقرار الأزهر لإخراج الفيلم المذكور؛ فإن كان ما نُسب إليه صحيحاً فإني أطلب من فضيلتكم العمل على سحب الفتوى الصادرة من الأزهر في هذا الشأن إن أمكن ذلك، أو إبداء رأيكم في الموضوع براءةً للذمة، وخروجاً من التبعة، وتعظيماً للنبي وأصحابه –رضي الله عنهم– وصيانةً لهم عن كل ما قد يؤدي إلى تنقصهم بوجه من الوجوه…".

تسببت ردود الأفعال الغاضبة في إعلان الأزهر رفضه مشروع الفيلم، فأصدر الشيخ عبد الحليم محمود بياناً وقعه معه مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، ورد في نصّه: "نعلن عدم الموافقة على إنتاج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) أو أي فيلم يتناول بالتمثيل-على أي وضع كان- شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو شخصيات الصحابة- رضي الله عنهم".

علل البيان الرفض بأن تلك الأفلام "تحط من قدر هذه الشخصيات المقدسة في نظر المسلم".

استجاب الملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل لنداء الشيخ محمود ومنع تصوير الفيلم في المغرب، وتم استكمال التصوير بعدها في ليبيا بدعم من نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

لم ينته الصدام بين الممثلين ورجال الدين عند هذا الحد. فعلى مدار السنوات الماضية، شهدت أروقة المحاكم وصفحات الجرائد وقائع الجدل المتصاعد حول العديد من الأعمال الفنية التي لم تحصل على موافقة الرقابة الأزهرية، منها فيلم "القادسية"، من إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية سنة 1981، الذي جسد شخصية الصحابي سعد بن أبي وقاص، وفيلم "المهاجر" 1994، الذي قيل إنه "يصور سيرة حياة النبي يوسف".

من جهة أخرى، اُتهم العديد من الممثلين بالدعوة لـ"إشاعة الفحشاء والإباحية والعُري" من قِبل بعض رجال الدين، وارتبطت تلك الاتهامات بظاهرة "حجاب واعتزال الفنانات" التي تصاعدت في حقبة الثمانينيات.

وقيل وقتها إن "وراء تلك الظاهرة جماعات إسلامية تدفع أموالاً طائلة للفنانات المحجبات مقابل حجابهن وابتعادهنّ عن الوسط الفني".

 

فتاوى أجازت التمثيل

شهدت السنوات الأخيرة حالة من الهدوء النسبي بين رجال الدين والممثلين، وصدرت العديد من الفتاوى التي أباحت العمل بالتمثيل. من تلك الفتاوى، التي أصدرها الشيخ السعودي ابن عثيمين اعتماداً على أن هذا النوع من الفن من الأمور الخارجة عن العبادات الشرعية "...والأصل في غير العبادات الحل والإباحة، وهذا من فضل الله عز وجل: أن يسر على العباد ما لم يحرمه عليهم، فإذا كان الأصل الحل، فإنه لا بد من إقامة الدليل على التحريم..."، وفق تعبيره.

نشر الشيخ المصري يوسف القرضاوي مضمون الحكم نفسه على موقعه الإلكتروني، وذلك عندما أجاب على سؤال من إحدى شركات الإنتاج الفني حول حكم تقديم مسلسل عن الصحابي خالد بن الوليد، فقال "...قد أصبح التمثيل في عصرنا من مميزات الحياة المعاصرة، وأصبحت له معاهده وكلياته وخريجوه، وصار له عشاقه ومريدوه، وغدت له صور شتّى في المسرح وفي الأفلام وفي المسلسلات وغيرها. كما غدا يطرق أبواب الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية والدولية وغيرها. وأمسى له تأثيراته الهائلة في حياة الناس إيجاباً وسلباً... واستقر الأمر على جواز التمثيل بصفة عامة، إذا كان من ورائه عظة وعبرة للناس، ولم يشتمل على منكر يُحرمه الشرع، من قول أو فعل، أو مشهد...".

في السياق ذاته، أفتى علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق بأن التمثيل في حد ذاته ودراسته واستعماله من أجل إيصال الخير للناس "لا بأس به". ك

ما قال الداعية الإسلامي المصري خالد الجندي، إن "الفن بشكل عام، ومهنة التمثيل خاصة، ليست حراماً، إذا كان في النطاق المقبول والمحترم والهادف، لأن الفن رسالة قيّمة، إذا تم استخدامها بشكل صحيح".

وتابع أن التمثيل "جزء وأداة من أدوات الفن، وتعريف التمثيل، هو ضرب المثل، وهذا الضرب مذكور في القرآن، حيث قال الله تعالى "ويضرب الله الأمثال للناس"، وعندما وصف الله نوره، ضرب مثلاً أيضاً عندما قال في كتابه "مثل نوره كمشكاة"، وأن "الله عندما كان يرسل الملائكة إلى الرسل، كانت تتجسد في شكل البشر، مثل سيدنا جبريل، عندما نزل على سيدنا محمد".

يبدو موقف رجال الدين من التمثيل أكثر قبولاً في الأوساط الشيعية. على سبيل المثال، أجاب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني على سؤال حول حكم التمثيل الفني في المسرح أو التلفزيون بكونه "حلالاً".

كما أباح تمثيل دور المرأة بواسطة الرجل ولم ير أن ذلك التمثيل يدخل في باب التشبيه المنهي عنه في الحديث "لَعنَ رسُولُ اللَّهِ المُتَشبِّهين مِن الرِّجالِ بِالنساءِ، والمُتَشبِّهَات مِن النِّسَاءِ بِالرِّجالِ".

من جهة أخرى، أفتى السيستاني بجواز تجسيد الأنبياء على الشاشة بشرط مراعاة "مستلزمات التعظيم والتبجيل"، وعدم اشتماله "على ما يسيء إلى صورهم المقدسة في النفوس".