مرّت العلاقات الإسلامية المسيحية بالكثير من المنعطفات التاريخية المهمة. في القرن السابع الهجري، اصطدم المسلمون الفاتحون بالمجتمعات المسيحية الشرقية في كل من سوريا ومصر والعراق. بعد قرون، تجدد الصدام مع المسيحية الغربية الممثلة في جيوش الحملات الصليبية، التي قدمت إلى بلاد الشام معلنة عن نيتها تحرير "مدينة الرب"/ أورشليم من العرب. ومع ذلك، كانت هناك العديد من المحطات التي حظيت فيها العلاقات الإسلامية المسيحية بفرصة للتسامح والتفاهم. نرصد في هذا المقال مجموعة من أهم المحطات في تاريخ التقارب الإسلامي المسيحي.
في عصر النبوة
تميزت العلاقات الإسلامية المسيحية بالهدوء والدبلوماسية في الحقبة النبوية في بدايات القرن السابع الميلادي. وتوجد العديد من النماذج المعبرة عن حالة التفاهم التي سادت -في اغلب الاوقات- بين أتباع الدينين.
كانت مملكة اكسوم المسيحية في الحبشة هي المكان الذي رشحه النبي لأصحابه للهجرة إليه عندما زاد اضطهادهم في مكة. يذكر ابن كثير الدمشقي في كتابه "البداية والنهاية"، أن النبي قال لهم ناصحاً: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة؟ فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه". في هذا السياق نجد في القرآن وصفاً للمسيحيين/ النصارى في الآية رقم 82 من سورة المائدة بأنهم أقرب أهل الكتاب مودة للمسلمين.
في السنة التاسعة من الهجرة، جرى التأكيد على الطابع الدبلوماسي للعلاقات الإسلامية المسيحية. في تلك السنة، قدم وفد نجران المسيحي إلى المدينة المنورة وكان هذا الوفد مكونا من مجموعة من الرهبان والقساوسة. بحسب ما يذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" فإن الرهبان لما زاروا الرسول "دخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية... يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي يومئذ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله يصلون، فقال رسول الله: دعوهم، فصلوا إلى المشرق".
على الرغم من أن كثيراً من العلماء والمحدثين حكموا بضعف هذه الرواية بسبب ما فيها من إرسال، إلا أن بعضهم صحّحها، وبنى عليها حكمًا فقهيًا يجيز صلاة المسيحي في المسجد. من هؤلاء ابن القيم الجوزية في كتابه أحكام أهل الذمة، إذ يقول: "وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَصَلوا فِيهِ وَذَلِكَ عَامَ الْوُفُودِ". لم يكتف النبي بالسماح للرهبان بالصلاة في مسجده، بل كفل لهم حرية العبادة. وكتب لهم كتاباً بذلك، وكان مما ورد في هذا الكتاب "ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبيعهم، وصلواتهم لا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته، ولا راهبًا عن رهبانيته، ولا واقفًا عن وقفانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل، أو كثير وليس ربا، ولا دم جاهلية..."، وذلك بحسب ما يذكر ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى".
في العصور الوسطى
رغم الطابع العدائي الذي غلب على العلاقات الإسلامية المسيحية في العصور الوسطى. إلا أن جزيرة صقلية شهدت على بعض محطات التقارب والود بين أصحاب الدينين.
في القرن الثاني عشر الميلادي، وصل الملك روجر الثاني للحكم. وعرف بتعامله بعدل ورحمة مع المسلمين الموجودين في مملكته، كما أنه أسس لهم ديواناً خاصاً لرفع المظالم والشكاوى. تحدث أبو عبد الله الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" عن عدل روجر الثاني مع المسلمين فقال: "ولما صار أمرها، أي صقلية، إليه واستقرَّ بها سريرُ ملكه، نشرَ العدل في أهلها، وأقرّهم على أديانهم وشرائعهم، وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، ثم أقام على ذلك مدة حياته إلى أن وافاه الأجل المحتوم".
في القرن الثالث عشر الميلادي، قام فريدريك الثاني، ملك صقلية وحاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة بإحياء ارث جده روجر الثاني. عُرف فريدريك برعايته للمسلمين وبصداقته القوية بالملك الكامل الأيوبي في مصر. في سنة 1229م حصد فريدريك ثمار سياساته المتسامحة مع المسلمين عندما تسلم بيت المقدس من السلطان الكامل من دون قتال، فيما عُرف تاريخياً بالحملة الصليبية السادسة.
محمد عبده ودعوة التقريب بين الأديان
تجدد الطابع العدائي بين الإسلام والمسيحية بدايةً من القرن الثامن عشر الميلادي. لعبت الحركة الاستعمارية الأوروبية دوراً مهماً في تعميق حالة الصراع بين الدول الاستعمارية الكولونيالية المسيحية مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا من جهة، والدول الإسلامية التي وقعت فريسة للاستعمار مثل مصر وسوريا والمغرب والهند من جهة أخرى.
رغم ذلك، حاول بعض المفكرين ورجال الدين من الفريقين أن يبنوا جسوراً للتفاهم والود والتسامح. في هذا السياق يظهر اسم محمد عبده، مفتي مصر الأسبق. يذكر الكاتب المصري محمد عمارة في كتابه "الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده" أن مفتي مصر الأسبق أهتم كثيراً بفكرة التقارب بين الأديان، ولا سيما الإسلام والمسيحية. قام عبده بتأسيس جمعية سرية للتقريب بين الأديان أثناء اقامته في بيروت في سنة 1885م. شارك في تلك الجمعية عدد من رجال الدين المستنيرين ممن ينتمون إلى الأديان السماوية الثلاثة. ومنهم القسيس الإنجليزي إسحاق تايلور بالإضافة إلى عدد من المسلمين والمسيحيين الإيرانيين. تظهر علامات التقارب بين الدينين في إحدى الرسائل التي بعث بها عبده إلى تايلور. جاء فيها: "...وإنا نرى التوراة والإنجيل والقرآن ستصبح كتباً متوافقة، وصحفاً متصادقة، يدرسها أبناء الملتين ويوقرها أرباب الدينين، فيتم نور الله في أرضه... وإنني- على عجزي - مستعد لمساعدتك فيما تقصد من تقريب ما بين الملتين بكل ما يمكنني...".
من جهة أخرى، أقام محمد عبده جسوراً للتقارب مع المسيحية الأرثوذكسية في روسيا القيصرية. تمثلت تلك الجسور في مجموعة من الرسائل المتبادلة بين مفتي مصر الأسبق والمفكر الروسي الشهير ليو تولستوي. كان تولستوي قد أظهر إشادته بالإسلام وبالنبي في كتابه "حكم النبي محمد". الأمر الذي دفع عبده لمراسلته عندما كتب له "...هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووقفك على الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل... نظرت نظرة في الدين مزقت حجب التقاليد ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد، ورفعت صوتك تدعو إلى ما هداك الله إليه وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه...". رد المفكر الروسي على مفتي مصر برد مقتضب جاء فيه "...أنا أبادر بالجواب عليه مؤكداً لك ما أدخله على نفسي من عظيم السرور حين جعلني على تواصل مع رجل مستنير، وإن يكن من أهل ملة غير الملة التي ولدت عليها وربيت في أحضانها، فإن دينه وديني سواء لأن المعتقدات مختلفة وهي كثيرة. ولكن ليس يوجد إلا دين واحد هو الصحيح، وأملي ألا أكون مخطئاً إذا افترضت، استناداً إلى ما ورد في خطابك، أن الدين الذي أؤمن به هو دينك أنت، ذلك الدين الذي قوامه الإقرار بالله وشريعته والذي يدعو الإنسان إلى أن يرعى حق جاره، وأن يحب لغيره ما يحب لنفسه. وأود أن تصدر عن هذا المبدأ جميع المبادئ الصحيحة...".
المجمع الفاتيكاني الثاني
قامت الكنيسة الكاثوليكية بمجموعة من المراجعات المهمة في النصف الثاني من القرن العشرين. في هذا السياق، يظهر قرار المجمع الفاتيكاني الثاني في سنة 1965م بإمكانية خلاص غير المسيحي كواحد من أهم المحطات في طريق التقارب الإسلامي المسيحي في العصر الحديث.
في كتابه "عقيدة خلاص غير المؤمنين: بين الجذور والثمار"، يسلط المؤلف حلمي القمص يعقوب الضوء على انعقاد ذلك المجمع، فيذكر أنه قد شهد حضور 2400 أسقف كاثوليكي، مع بعض المراقبين من الكنائس الأخرى الأرثوذكسية والروم الأرثوذكس والإنجليكان والبروتستانت، وأن البابا يوحنا الثالث والعشرين افتتح أعمال المجمع في أكتوبر1962م، بينما اختتم فعالياته البابا بولس السادس في ديسمبر 1965م. بحسب يعقوب، فإن المجمع قرّر "عقيدة خلاص غير المؤمنين" في جلسته الرابعة في أكتوبر 1965م. جاء فيما صدر عنه من تقرير وتوصيات التأكيد على أن "تدبير الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين يؤمنون بالخالق، وأولهم المسلمون الذين يُعلنون أنهم على إيمان ابراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمن الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر…". كما ورد أنه "بإمكان الله أن يقود إلى الإيمان الذي يستحيل إرضاء الله بدونه، بطرق يعرفها هو، أناسًا يجهلون الإنجيل عن غير خطأ منهم".
تبع ذلك القرار الاعلان عن بعض الخطوات العملية المهمة في سبيل العمل على تحقيق التقارب بين الإسلام والمسيحية. من تلك الخطوات الاعتذار عن بعض الأحداث التاريخية التي شاركت فيها الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى. ومنها الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في شبه الجزيرة الأيبيرية. في سنة 1986م، تسارعت وتيرة التفاهم بين الجانبين عندما دعا البابا يوحنا بولس الثاني إلى صلاة مشتركة بين أتباع مختلف الأديان في بلدة إسيزي الإيطالية من أجل تحقق السلام في العالم. لا تزال هذه الصلاة تُقام في سبتمبر من كل سنة إلى اليوم.
وثيقة الأخوة الإنسانية
بدورها، عملت المؤسسات الإسلامية الرسمية على المشاركة في الحوار الإسلامي المسيحي منذ فترة مبكرة من القرن العشرين. نستطيع أن نرصد عدداً من الخطوات المهمة التي تمت في هذا السياق. على سبيل المثال، في سنة 1935م، وجهت الدعوة للأزهر للمشاركة في مؤتمر "تاريخ الأديان الدولي السادس" المنعقد بمدينة بروكسل. لبى شيخ الأزهر الأسبق محمد مصطـفى المــراغــي الدعوة وقتها وأوفد كلاً مـن الشيخين مصطــفى عبد الرازق، وأمين الخولي. أما في سنة 1941م، فقد قام المستشرق الكاثوليكي الفرنسي لويس ماسينيون، والأب الكاثوليكي المصري جورج قنواتي بتأسيس "جمعية الإخاء الديني"، والتي ضمت في عضويتها بعض علماء الأزهر.
في سنة١٩٧٠م، تتابعت الجهود الإسلامية المسيحية عندما تم الإعلان عن تنظيم سلسلة من اللقاءات بين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، وأمانة السر الفاتيكانية للعلاقات بغير المسيحيين. في سنة 1974م شارك علماء المملكة العربية السعودية في عملية التقارب الإسلامي المسيحي عندما قام وفد مكون من تسعة علماء شريعة سعوديين، يرأسهم وزير العدل السعودي آنذاك الشيخ محمد بن علي الحركان بالسفر إلى روما لزيارة بابا الفاتيكان بولس السادس.
توّجت تلك الجهود المشتركة في سنة ٢٠١٩م عندما قام كل من شيخ الأزهر أحمد الطيب وبابا الفاتيكان فرانسيس الأول بالتوقيع على ما عُرف باسم "وثيقة الأخوة الإنسانية" في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة. جاء في تلك الوثيقة "...إنَّنا نحن –المُؤمِنون باللهِ وبلِقائِه وبحِسابِه– ومن مُنطَلَقِ مَسؤُوليَّتِنا الدِّينيَّةِ والأدَبيَّةِ، وعَبْرَ هذه الوثيقة ِ، نُطالِبُ أنفُسَنا وقادَةَ العالَمِ، وصُنَّاعَ السِّياساتِ الدَّولِيَّةِ والاقتصادِ العالَمِيِّ، بالعمَلِ جدِّيًّا على نَشْرِ ثقافةِ التَّسامُحِ والتعايُشِ والسَّلامِ، والتدخُّلِ فَوْرًا لإيقافِ سَيْلِ الدِّماءِ البَرِيئةِ، ووَقْفِ ما يَشهَدُه العالَمُ حاليًّا من حُرُوبٍ وصِراعاتٍ وتَراجُعٍ مناخِيٍّ وانحِدارٍ ثقافيٍّ وأخلاقيٍّ...". بعد أربع سنوات من توقيع تلك الوثيقة، تم افتتاح "بيت العائلة الإبراهيمية" في جزيرة السعديات في أبو ظبي. ويُعدّ هذا المشروع من أهم المؤسسات العاملة على فكرة التقارب بين الأديان الإبراهيمية، ولا سيما الإسلام والمسيحية.
زيارة البابا التاريخية للعراق
في سنة 2021م، خطت العلاقات الإسلامية المسيحية خطوة جديدة إلى الأمام تزامناً مع زيارة البابا فرنسيس الأول إلى العراق. كانت تلك الزيارة هي الرحلة الأولى للبابا خارج الفاتيكان منذ تفشي وباء كورونا، كما كانت الزيارة الأولى في التاريخ لأي بابا كاثوليكي إلى بلاد الرافدين. في تلك الزيارة تفقد البابا المسيحيين العراقيين المنكوبين على يد داعش في أربيل وقرقوش والموصل. كما التقى بالعديد من الشخصيات الإسلامية المهمة في العراق.
كانت مقابلة البابا بالمرجع الشيعي الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني في مدينة النجف الاشرف هي أبرز ما ميز تلك الزيارة. كانت المرة الاولى التي يلتقي فيها بابا كاثوليكي بواحد من كبار مراجع العالم الشيعي على الإطلاق. أشاد البابا كثيراً بالسيستاني، ووصفه بأنه "رجل الله العظيم الحكيم". كما وصف هذه المقابلة بأنها كانت "مفيدة لروحه" و"خطوة أولى" نحو توثيق العلاقة مع المسلمين الشيعة. بعد مرور سنتين على هذا اللقاء، أرسل البابا في مارس الماضي رسالة إلى السيستاني موضحاً الأهمية التي مثلها اللقاء في طريق التقارب بين الإسلام والمسيحية. جاء في تلك الرسالة "...كان -اللقاء- علامة فارقة في مسيرة الحوار بين الأديان والتّفاهم بين الشّعوب. أتذكر شاكراً الحديث الأخوي والمشاركة الرّوحية في مواضيع سامية مثل التّضامن والسّلام والدفاع عن الأشدَّ ضعفاً، وأيضاً التزامكم لصالح الذين تعرّضوا للاضطهاد... أتمنّى أن نتمكّن معاً، مسيحيّين ومسلمين، من أن نكون دائمًا شهوداً للحقيقة والمحبّة والرّجاء، في عالم مطبوع بالصّراعات العديدة، ويحتاج بالتّالي إلى الرّأفة والشّفاء. أرفع صلاتي إلى الله العلِيِّ القدير، من أجل سماحتكم ومن أجل جماعتكم ومن أجل أرض العراق الحبيبة".
