عازف في فرقة مغربية تقليدية خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي في مدينة سلا (غرب).
عازف في فرقة مغربية تقليدية خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي في مدينة سلا (غرب).

اعتاد المسلمون السنة على الاحتفال بميلاد النبي محمد في الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام. وكما هي العادة، يُثار النقاش حول حكم الاحتفال بهذا العيد مع اقترابه. تُجيز الكثير من المؤسسات الدينية هذا الاحتفال وتعتبره نوعاً من أنواع الخير والتقوى وإظهار الحب للنبي. في المقابل، يرفض تيار آخر، خاصة السلفيون، هذا الاحتفال ويعدّه بدعة خارجة عن صحيح الدين. وما بين الرأيين، يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة. والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

 

العراق

ترجع بدايات الاحتفال بالمولد النبوي في العراق إلى القرن الثالث عشر ميلادي. وتحديداً إلى زمن مظفر الدين كوكبوري، حاكم أربيل. التمس كوكبوري في الاحتفال بالمولد النبوي وسيلة لتثبيت شرعيته السياسية. فطلب من العالم الأندلسي أبي الخطاب بن دحية الكلبي أن يكتب له كتاباً عن المولد النبوي، فكتب كتابه المعروف باسم "التنوير في مولد السراج المنير". بعدها، أقام كوكبوري احتفالات ضخمة بالمولد في أربيل وما حولها. وصف شمس الدين الذهبي هذه الاحتفالات في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" فقال: "أما احتفاله بالمولد، فيقصر التعبير عنه. كان الخلق يقصدونه من العراق والجزيرة، وتنصب قباب خشب له ولأمرائه وتزين، وفيها جوق المغاني واللعب، وينزل كل يوم العصر، فيقف على كل قبة ويتفرج، ويعمل ذلك أياماً، ويخرج من البقر والإبل والغنم شيئاً كثيراً، فتنحر، وتطبخ الألوان، ويعمل عدة خلع للصوفية، ويتكلم الوعاظ في الميدان، فينفق أموالاً جزيلة".  يذكر ابن خلكان، في كتابه "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان"، أن المحتفلين كانوا يقدمون إلى أربيل من نواحي بغداد والجزيرة وسنجار والموصل ونصيبين وبلاد العجم في كل سنة للاحتفال بالمولد.

حالياً، يحتفل العراقيون بالمولد النبوي في موعدين مختلفين خلال شهر ربيع الأول. يوضح الباحث العراقي حيدر الأسدي أهم مظاهر الاحتفال العراقي بتلك المناسبة. يقول الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن "العراقيين الشيعة يحتفلون بمولد النبي في مدينة النجف الأشرف في اليوم السابع عشر من ربيع الأول؛ وذلك بحسب الروايات المعتمدة والمنقولة عن أئمة أهل البيت". في هذا السياق، "تجري الاستعدادات للاحتفال بوقت ليس بالقصير. ويتجلى ذلك بتزيين مرقد الامام علي بالزهور والورود الفاخرة. وكذلك بنشر مختلف المطرزات المكتوب عليها آيات من القرآن الكريم أو ما روي عن شخصية النبي محمد أو بعض الروايات التي قال بها الأئمة في وصف النبي". أيضاً، يتابع الأسدي، "يتم توزيع الحلوى ومختلف صنوف الطعام. ويتم ايقاد الشمع ليلاً ابتهاجاً بتلك المناسبة السعيدة. وتسود حالة من الفرح والسرور بين الناس مع تبادل التهاني". يضيف الأسدي: "أما العراقيون الذين يعتنقون المذهب السني فهم يحتفلون بذكرى المولد النبوي في الثاني عشر من ربيع الأول. وتتركز احتفالاتهم في المناطق المعروفة بأغلبيتها السنية، مثل منطقة الأعظمية في بغداد على سبيل المثال. ويجري العراقيون السنة استعدادات كبيرة قبل حلول ذكرى المولد النبوي بأيام عدة. ويشتهرون بغناء العديد من القصائد الممتدحة للنبي وأهل البيت مع ضرب الدفوف وفق المقامات العراقية المعروفة في الاحتفالات الدينية.

سوريا

يعتبر المولد النبوي أحد أهم الاحتفالات الدينية الإسلامية في سوريا. ويأتي مباشرةً خلف الاحتفالات التي تُقام في شهر رمضان. يظهر الاهتمام السوري بالمولد النبوي في عدة مستويات. على المستوى الرسمي، تقوم الدولة بمنح هذا اليوم عطلة رسمية لجميع الموظفين والعمال. كما تقوم وزارة الأوقاف السورية بتنظيم الاحتفال بالمولد في الجامع الأموي بدمشق، والذي يُعد المسجد الرسمي للدولة.

على المستوى الشعبي، يأخذ الاحتفال بالمولد صوراً عدة. يلقي الباحث توماس بيريه الضوء على كيفية احتفال السوريين بتلك المناسبة فيقول في دراسته "عرض سلطة العلماء: الاحتفال بالمولد النبوي في مدن سوريا" إن "الاحتفال بالمولد لا يقتصر على يوم واحد، بل يستمر الاحتفال لحوالي ستة أسابيع". وبحسب بيريه، "تُنظّم الموالد كل مساء في مساجد مختلفة، تُزيّن في هذه المناسبة بأضواء، ولافتات وأعلام خضراء. وهذه الاحتفالات هي تجمع شعبي كبير، إذ تستقبل بعض من أكبر المساجد أكثر من 5000 شخص في تلك المناسبة". يضيف بيريه أن "كل احتفال يمتد لبضع ساعات بدايةً من صلاة العشاء. ويوزع فيه المتطوعون الماء، والقهوة على الحضور. كما يوزعون بعض الأعلام التي دونت عليها بعض العبارات الدينية على الأطفال أيضاً".

من جهة أخرى، تُعدّ حلوى "الملبّس" أشهر أنواع الحلوى التي يقبل السوريون على شرائها في ذكرى المولد النبوي. تُباع تلك الحلوى بشكل رئيسي في سوق البزورية القابع في قلب العاصمة دمشق. وبدأت عادة تناول السوريين لـ"الملبّس" في المولد في عشرينيات القرن العشرين. يتكون "الملبّس" من اللوز المُحمص المُغطى بالسكّر. ويتم تغليفه في أوراق من السولوفان. في السياق نفسه، تطهو السوريات نوعاً آخر من الحلوى يُعرف باسم "المحلاية". وهو نوع من أطباق الحلويات الباردة، يُصنع من الحليب المطبوخ، ثم يُترك حتى يبرد، ويُزيّن بالفستق الحلبي واللوز والقشطة.

مصر

بدأ الاحتفال بالمولد النبوي مع دخول الفاطميين مصر. وأقيم أول احتفال بالمولد الشريف فى عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي. رغم إلغاء مراسم الاحتفال في العصر الأيوبي إلا أن مظاهر الاحتفال بالمولد الشريف ظلت راسخة في الوجدان المصري الجمعي عبر القرون. وبوسعنا أن نلاحظ حضور العديد من تلك المظاهر حتى الآن.

يُقام الاحتفال الرسمي بالمولد النبوي في مصر في الليلة السابقة له. وتُشارك فيه جميع المؤسسات الدينية المصرية، وعلى رأسها كل من الأزهر، ودار الإفتاء المصرية، ووزارة الأوقاف. من جهتها، تقوم مشيخة الطرق الصوفية بالاحتفال بتلك المناسبة من خلال إحياء مجالس الذكر والحضرات. والتي تُقام في المساجد الكبرى وعند مراقد الأولياء وآل البيت في جميع أنحاء البلاد. وتُردد فيها الأدعية والابتهالات لساعات طويلة.

من جهة أخرى، يُعرف يوم المولد النبوي عند المصريين باعتباره أحد أيام "المواسم". وهي الأيام التي تناسب ذكريات مهمة في الوجدان الديني الشعبي. تطبخ النساء العديد من الأطباق الدسمة يوم المولد. ولا سيما البط، والحمام المحشي، والأرانب بالملوخية. هذا فضلاً عن أطباق الطعام المصري التقليدي مثل المحشي، والأرز المعمر. كذلك تنتشر حلويات المولد في الأسواق، وتُباع على نطاق واسع في الكثير من المحال. من أشهر تلك الحلويات حلوى "الحصان" وحلوى "عروس المولد"، اللذان ظهرا في العصر الفاطمي وكانا يرمزان إلى الخليفة الفاطمي وإحدى زوجاته عندما خرجا معاً أمام العامة في إحدى المرات. كذلك يقبل المصريون على شراء أنواع أخرى من الحلوى تُعرف باسم "الحلاوة العلف"، ومنها الحمصية، والسودانية، والفولية، والسمسمية، واللديدة، وجوز الهند، والملبن. توجد أيضاً بعض المظاهر الاحتفالية التي تميز بعض المدن المصرية على وجه الخصوص. على سبيل المثال يقوم العديد من الرجال في الأحياء الشعبية في مدينة الإسكندرية بإعداد شراب الموز وتوزيعه مجاناً على المارة، وذلك للتعبير عن السعادة بذكرى هذا اليوم.

تونس

يتميز احتفال المولد النبوي في تونس بالعديد من المظاهر المميزة. تذكر صابرين الجلاصي، أستاذة علم اجتماع الأديان والأنثروبولوجيا الدينية لـ"ارفع صوتك" بعضاً من تلك المظاهر، فتقول: "يقوم التونسيون بالإكثار من الصلاة على النبي في الليلة التي تسبق المولد النبوي. كما يقوم المتدينون بالتهليل والتكبير في أغلب الجوامع، ولا سيما الجوامع المعروفة بطابعها التقليدي في وسط العاصمة التونسية. كذلك توجد بعض الأطباق المميزة الذي يتناولها التونسيون على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الاجتماعية يوم المولد. من أشهر تلك الأطباق "عصيدة الزقوقو" المُستخرج من الصنوبر الحلبي، ويكون لونه أسود، غير أنه يُغطى بطبقة من كريمة الفانيليا وطبقة من المكسرات. بحسب الجلاصي فإن المجتمع التونسي عرف ذلك النوع من العصيدة للمرة الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ألجئت المجاعة التي ضربت تونس في تلك الفترة قطاعاً كبيراً من الناس لتناول ذلك الطبق بعد أن شح القمح والشعير. وفي سبعينيات القرن العشرين، عاد هذا الطبق مرة أخرى ليزين الموائد التونسية أثناء الاحتفال بالمولد النبوي في كل سنة، وذلك رغم الارتفاع الكبير في تكاليفه. تذكر الجلاصي أن هناك أطباقاً أخرى مميزة في يوم المولد. على سبيل المثال، في مناطق الساحل، خاصة منطقة الوطن القبلي تطبخ النساء يوم المولد طبق الكسكسي بالقديد ويُزين بالبيض المسلوق والحلوى. أما في الريف التونسي، فتأخذ الشعائر بعداً تشاركياً واضحاً. يقوم الميسورون بابتياع الخراف وذبحها وتوزيع اللحم على الفقراء للتعبير عن حبهم وسعادتهم بذكرى المولد النبوي.

المغرب

يُطلق أهل المغرب اسم "الميلودية" على الاحتفال بالمولد النبوي. ويرجع تاريخ الاحتفال بتلك المناسبة في المغرب إلى زمن الدولة الموحدية الكبرى التي قامت في القرن الثاني عشر الميلادي. يذكر الكاتب المغربي علال ركوك في دراسته "المولد النبوي بالمغرب طقوس واحتفال" أن الاحتفالات بالمولد تبدأ مع بداية شهر ربيع الأول وتستمر حتى تبلغ ذروتها في اليوم الثاني عشر من الشهر. في كل يوم من تلك الأيام تُلقى دروس في السيرة وفضائل النبي. وتُنشد المدائح والتواشيح. وفي ليلة المولد "يُقام حفل كبير في المسجد الأعظم بكل مدينة برعاية ممثلي سلطات الدولة والمنتخبين والعلماء ورجال الطرق الصوفية وعامة الناس". يضيف ركوك: "في يوم الاحتفال بالعيد يلبس الناس ثياباً جديدة، وفي الإفطار تكون هناك حلويات وعجائن خاصة بالمناسبة. كما أن ذكرى المولد تستدعي حراكاً تجارياً غير عادي في الأسواق، إذ تكثر تجارة لعب الأطفال وكذلك تجارة الحلويات والعجائن والفواكه الجافة".

في السياق نفسه، تتحدث نزهة بوعزة، الباحثة في الفلسفة والفكر الإسلامي لـ"ارفع صوتك" عن بعض العادات والطقوس الشعبية المغربية المرتبطة بالمولد في البوادي والمناطق شبه الريفية في المغرب، من ذلك "قيام النساء بطبخ أنواع مختلفة من الطعام، ولا سيما الكسكسي. وقيام الرجال بالإفطار الجماعي في المساجد صبيحة يوم المولد. وقيام الفتيات الصغيرات بإنشاد الأناشيد وإطلاق الزغاريد أثناء تجوالهن بين الأزقة. وتعليق الأعلام البيضاء فوق أسطح المنازل. فضلاً عن زيارة الأضرحة والمقابر والدعاء للموتى".

مواضيع ذات صلة:

أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.

اعترف الدين الإسلامي بالمسيحية بوصفها إحدى الديانات الكتابية ذات الأصل الإلهي. واتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بشكل من التسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين رعاياها المسيحيين هادئة دائماً. تعرض المسيحيون للعديد من حملات التضييق والاضطهاد.

 نلقي الضوء في هذا المقال على النظام الملّي الذي وضعته الدولة العثمانية للتعامل مع الأقليات المسيحية. ما هو هذا النظام؟ وكيف سمح بالتدخل الأوروبي في الدولة العثمانية؟ وما هي الإصلاحات التي أجراها العثمانيون على النظام في الفترة الأخيرة من حكمهم؟

 

محمد الفاتح وتأسيس النظام الملّي

ظهرت الدولة العثمانية في الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي. وسرعان ما تمددت في نواحي متفرقة من الأراضي ذات الأغلبية المسيحية في آسيا الصغرى والبلقان وتراقيا.

في أثناء ذلك التمدد، مارس العثمانيون ما يسمى بـ "الدفشرمة"، بموجب تلك الممارسة تم الاستيلاء على الآلاف من الأطفال المسيحيين الذين عاشوا في صربيا وبلغاريا وأرمينيا. وتم تحويلهم للإسلام تمهيداً لانضمامهم للجيش العثماني في الفرقة المعروفة باسم "الإنكشارية".

في سنة 1453 للميلاد، ضرب العثمانيون ضربتهم الكبرى عندما أسقطوا مدينة القسطنطينية معقل الإمبراطورية البيزنطية. يذكر المؤرخ الإنجليزي فيليب مانسيل، في كتابه "القسطنطينية: المدينة التي اشتهاها العالم"، أن السلطان العثماني محمد الفاتح التفت إلى أهمية المركز الديني للقسطنطينية على مستوى العالم المسيحي، فقام بتعيين جورج جناديوس إسكولاريوس كبطريرك لكنيسة القسطنطينية ومنحه العديد من الامتيازات. وبتلك الخطوة أصبح البطريرك خادماً للإمبراطورية العثمانية، وساعد السلطان في جباية الضرائب من رعاياه المسيحيين، كما أنه منعهم من مساندة أعدائه من المسيحيين الكاثوليكيين من أمثال البندقية والبابوية.

 في السياق نفسه، عقد محمد الفاتح اتفاقاً مع المسيحيين الأرثوذكس. بموجب هذا الاتفاق، سُمح للأقلية المسيحية بممارسة طقوسها وإدارة مراكزها الدينية كما كانت عليه في العهد البيزنطي.

في تلك الفترة، عمل السلطان العثماني على وضع مجموعة من النُظم القانونية التي ستسير عليها الدولة من بعده، وعُرفت تلك القوانين باسم "قوانين نامة".

بحسب ما يذكر الباحث عارف خليل أبو عيد في دراسته "قوانين نامة في الدولة العثمانية"، فإن محمد الفاتح استفاد كثيراً من القواعد القانونية النافذة في زمن آبائه، والتي لم تكن مدونة من قبل، فأكمل نواقصها ودونها، كما سن القوانين بشأن المؤسسات الإدارية، استناداً إلى المصلحة العامة وقواعد العرف والعادة وغيرها من المصادر المتبعة.  

بشكل عام، اُقتبست تلك القوانين من الشريعة الإسلامية، ومما عُمل به في الدولة العباسية من جهة، ومن الأعراف التركية غير المخالفة للإسلام، وقوانين الدولة الإيليخانية، والدولة السلجوقية من جهة أخرى.

كان النظام الملّي أحد تلك القوانين التي وضعها محمد الفاتح. و يُعرف الباحث حنا سعيد كلداني هذا النظام في كتابه "المسيحية المعاصرة في الأردن وفلسطين"، قائلا: "الملّة جماعة تتألف من المواطنين المحليين لا من الأجانب خاضعة للباب العالي، لها ديانة محددة، ولا تنتمي إلى أصل عرقي واحد، وتكوّن وحدة سياسية اجتماعية مستقلة". 

بموجب ذلك النظام، قُسم المسيحيون المنتشرون في الدولة العثمانية إلى ملل متفرقة. استوعبت كل ملة مجموعة دينية مذهبية محددة في جزء من أجزاء الدولة. وكانت "ملة الروم" التي ضمت المسيحيين الأرثوذكس في اليونان وصربيا هي أولى "الملل" التي أقرها العثمانيون.  وبموجب النظام الملّي، عُدّ البطاركة رؤساء الملل المسيحية دينياً ومدنياً. وكانوا يمثّلون جماعاتهم لدى الحكومة. لقرون طويلة.

قامت مؤسسة الملة بتنظيم شؤون الأقليات المسيحية في الدولة العثمانية، من خلال منحهم حق الاستقلال بانتخاب قادتهم الدينيين، وحق ممارسة شؤونهم الخاصة في التعليم والقضاء، ودفع الضرائب تحت إشراف قادتهم.

بمعنى آخر، كانت مؤسسة الملة هي الوسيط بين الدولة وأبناء الطوائف الدينية الأخرى، إذ يتلقى رئيس كل طائفة المراسيم والأوامر السلطانية، ويبلغ جماعته بها، ويشرف على اتباعها.

بالمقابل يبلغ أتباع الطائفة زعماءهم الدينيين بالمطالب التي يرفعها للسلطان لبحثها. أيضاً، سُمح لأصحاب كل ملّة بتطبيق شرائعهم في الأمور التي لا يكون المسلمون طرفاً فيها.

 

الامتيازات والتدخل الأجنبي

 

بقي النظام الملّي قائماً بعد محمد الفاتح لمدة قرن كامل دون أي يشهد أي تغيير.

لكن، في زمن السلطان سليمان القانوني وقعت بعض الأحداث السياسية الدولية المهمة التي بدّلت من شكل هذا النظام. 

كانت الحرب في أوروبا في تلك الفترة مستعرة بين ملك فرنسا فرنسوا وغريمه الإمبراطور شارل الخامس. هُزم فرنسوا في سنة 1526 للميلاد، وطلب المساعدة من السلطان العثماني سليمان القانوني. سارع القانوني إلى قبول التحالف مع ملك فرنسا رغبةً في شق الصف الأوروبي المسيحي. ولضمان عدم تكوين تحالف أوروبي ضد العثمانيين. في تلك الأجواء، وافق القانوني على منح فرنسا مجموعة كبيرة من الامتيازات في أراضيه. من تلك الامتيازات حصول ملك فرنسا على حق حماية المسيحيين الكاثوليك من رعايا الدولة العثمانية.

فتح هذا الامتياز الباب واسعاً أمام باقي الدول الأوروبية القوية. ولا سيما روسيا وإنجلترا. يذكر الباحث مشعل الشمري، في دراسته "حركة التبشير الروسية الارثوذكسية في القدس"، أن التدخل الروسي في الشؤون الداخلية العثمانية تحت غطاء حماية الرعايا الأرثوذكس حظي بالصفة القانونية عقب توقيع معاهدة الصلح كوجك كينا رجي في سنة 1774 للميلاد.

أقرت المعاهدة في بنودها حق روسيا التحدث باسم رعايا السلطان من المسيحيين الأرثوذكس. كما أقرت حق روسيا في إقامة كنيسة  أرثوذكسية في الأستانة على رأسها أساقفة روس.

بعد أقل من عشرين سنة، ضاعفت روسيا مكاسبها بعدما حصلت على حق إدارة العديد من الأماكن المسيحية المقدسة من خلال شروط معاهدة ياسي سنة 1792 للميلاد. وتسببت تلك الاتفاقات التي أقرتها الدولة العثمانية في تبديل شكل النظام الملّي.

 في دراسته "المسيحيون من نظام الملل إلى الدولة المحدثة"، شرح المفكر اللبناني وجيه كوثراني الآثار التي خلفتها تلك المعاهدات على النظام المُتبع مع الأقليات المسيحية، فقال: "بدأت الامتيازات تخترق تدريجاً نظام الملّة عبر توسعها كصيغة قانونية دولية تستجيب لتوسيع نطاق التجارة الغربية وزبائنها ووكلائها. وذلك من خلال تحويل الملّة غير الإسلامية إلى وجود يرتكز على مفهوم الأقلية القائمة على الحماية الخارجية".

 بهذه الطريقة، عُدّت فرنسا حامية للكاثوليك، وروسيا القيصرية حامية للأرثوذكس، وإنجلترا حامية للبروتستانت. الأمر الذي منح القوى الأوربية أسباباً للتدخل في الشؤون الداخلية العثمانية. مما تسبب في ضعف العثمانيين وتحولهم إلى "رجل أوروبا المريض".

 

الإصلاح و"الخط الهمايوني"

 

مع تزايد الضغط الأوروبي على العثمانيين بخصوص الحقوق التي تحظى بها الأقليات المسيحية، قرر بعض السلاطين العثمانيين إقرار مجموعة من الإصلاحات القانونية الخاصة بالمجموعات الملّية في الدولة، عُرفت تلك الإصلاحات باسم "التنظيمات العثمانية"، وكان الخط الهمايوني/ الفرمان الذي أصدره السلطان العثماني عبد المجيد الأول في سنة 1856 للميلاد واحداً من أهم تلك القرارات.

نص الخط الهمايوني الذي أصدره السلطان عبد المجيد الأول على إقرار المساواة بين كل مواطني الدولة العثمانية في كل الحقوق والواجبات، وأكد على انتخاب رؤساء الكنائس من قِبل طوائفهم، وأنه لا يحق لأي سلطة أن تعزل هؤلاء الرؤساء، كما نص القرار على إنشاء المجالس الملّية العامة، والتي تتكون من رجال الكنيسة -من الكهنة أو الرهبان- ورجال من خارج الكنيسة -المسيحيين العلمانيين-لإدارة الشؤون العامة للملة. 

في السياق نفسه، تم إعفاء الكنائس من الضرائب، ولكنه -أي القرار- أبقى حق ترخيص بناء وترميم الكنائس والمقابر الخاصة لغير المسلمين بيد السلطان العثماني وحده.

على الرغم من المزايا العديدة التي منحها القرار للأقليات المسيحية، فإن سهام النقد وجهت له من كل صوب.  استهجنت الأقليات المسيحية القانون الخاص بحصر إصدار ترخيص بناء الكنائس بالسلطان وحده، ورأت فيه إجحافاً لا يتسق مع مبدأ المساواة المبنية على مفهوم المواطنة. من جهتها، لم تلق القوى الأوروبية بالاً بتلك التنظيمات بسبب ضعف الدولة العثمانية.

أيضاً، أثارت تلك التنظيمات غضباً واسعاً لدى الأغلبية المسلمة في بعض مناطق الدولة العثمانية.

في سنة 1860 للميلاد، وقعت العديد من المذابح الدموية التي راح ضحيتها الآلاف من المسيحيين في بلاد الشام. من أشهر تلك المذابح ما وقع في لبنان بين المسلمين والموارنة، وما وقع في دمشق في حي باب توما، عندما قُتل ما يقرب من 5000 مسيحي في أحداث العنف الطائفي.

 في كتابه"نكبة نصارى الشام" بين المؤرخ السوري سامي مروان مبيّض العلاقة بين التنظيمات العثمانية من جهة، والمذابح التي وقعت في بلاد الشام من جهة أخرى، فقال : "كان الوضع الأمني في المدينة -دمشق- حرجاً بسبب سلسلة من الإصلاحات العثمانية، المعروفة بـ"التنظيمات"، والتي بدأت في إسطنبول وفرضت التساوي التام أمام القانون بين المسلمين والمسيحيين "الذميين".. ألغيت كلمة نصراني أو "ذمي" من السجلات الحكومية في دمشق، واستبدلت بها كلمة "كريستياني (مسيحي) من رعايا الدولة العثمانية".