صورة مركبة للمفكر السوري منذر الحايك وبعض عناوين كتبه من سلسلة "نصوص مقدسة"
صورة مركبة للمفكر السوري منذر الحايك وبعض عناوين كتبه من سلسلة "نصوص مقدسة"

يُعدّ الباحث السوري منذر الحايك واحداً من أهم المؤرخين العرب الحاليين. ولد في مدينة حمص السورية عام 1944. درس علم التاريخ في جامعة دمشق، ثم حصل على درجتي الماجيستير والدكتوراة، ليعمل بعدها فترة طويلة في جامعة حمص. قبل أن يترك سوريا مطلع 2012، ويقيم حالياً في قبرص.

ألف الحايك العديد من الكتب المختصة بعلم مقارنة الأديان. من أهمها سلسلة "نصوص مقدسة"، وسلسلة "كتب مقدسة". وحصدت أعماله إعجاب الآلاف من القراء في مختلف أنحاء العالم العربي.

وأسهمت كتاباته في إزالة الغموض واللبس عن العديد من المناطق المعتمة في تاريخ الأديان.

"ارفع صوتك" أجرى هذا الحوار مع الحايك، يحدثنا من خلاله عن مشروعه الفكري الذي عكف عليه طيلة ثلاثة عشر عاماً. 

 

ما أبرز سمات مشروعك الفكري حول دراسة الأديان؟

كان المشروع يهدف لسد ثغرة في مواجهة مظاهر التعصب الديني التي تعم العالم، عن طريق نشر ملفات التراث الديني لكل الأديان والطوائف في الشرق والغرب، ليتم التعرف الواعي على حقيقتها، فعندما ننشر الواقع الحقيقي للمعتقدات الدينية نزيل عنها الغموض الذي أكسبها العداء، لأن الإنسان عدو ما يجهل، والعديد من تلك الأديان والمذاهب انتشرت حولها شائعات كاذبة تحط منها وتدعو لمحاربتها. وكثير من الناس ينساق بعدائه للآخر نتيجة الجهل بحقيقة معتقداته، ولذلك بدأت هذا المشروع آملاً تصحيح الأفكار المسبقة المغلوطة، والتعريف الصحيح بالآخر ومعتقداته.

تمكنت حتى الآن من إصدار ثلاث مجموعات ضمن هذا المشروع، الأولى سلسلة "كتب مقدّسة"، وتتناول أديان العالم، وقد صدر منها 16 جزءاً، والثانية سلسلة "نصوص مقدسة"، وتتناول المذاهب الإسلامية، وقد صدر منها 6 أجزاء، والثالثة سلسلة "منطلقات الفكر الديني"، وتتناول المعتقدات الدينية القديمة للإنسان، وقد صدر منها ثلاثة أجزاء.

وأهمية هذا المشروع في رأيي أنه تمكّن من احتواء معظم الديانات القديمة والجديدة، الشرقية والغربية، من خلال دراسات نقدية مقارنة.

لقد شكّلت هذه السلسلة منذ إصداراتها الأولى فارقا مهما في الثقافة الدينية كان غالباً ما يختفي بسبب الابتعاد عن فكر الآخر، بالتالي استمرار الجهل به، ممّا يسمح بوجود معتقدات خاطئة عن الأديان الأخرى تؤدّي إلى التنافر والعداء.

لذلك كان من أهمّ أهداف هذا المشروع التعريف بعدد كبير من الأديان، على أمل أن يكون مساهمة في التقريب والتعاون بدل العداء والتنافر. وأن أتمكن من خلاله من تشكيل نواة أو أساس لعلم أديان مقارن بعيداً عن التعصب والآراء المسبقة.

 

ما المدة التي استغرقتها لإنجاز هذا المشروع؟ هل تلقيت دعما مادياً من جهة معينة للعمل عليه؟ 

أنا أرى بأن المشروع لم يُنجز بعد بالكامل، وطالما يَمنّ الله عليّ بالصحة وبفسحة من العمر فالعمل مستمر في المشروع، لكن ما أستطيع أن أقوله أنه قد استغرق حتى الآن أكثر من ثلاثة عشر عاماً.

أما عن تلقي الدعم المادي، فلك الحق أن تسأل لأن هكذا مشروع يتطلب التفرغ والجهد، ومن الطبيعي أن تلتفت جهة ما لدعمه حتى يتمكن من الاستمرار، لكن، أقول بكل وضوح، إنني لم أتلق أي مساعدة أو دعم مادي بأي شكل كان، وربما هذا فيه خير لي.

لكن المحزن في الأمر أنني أيضاً لم أتلق أي تشجيع معنوي من أي جهة لا رسمية ولا خاصة. لكن ما يعوض ذلك، بل يفوقه، هو تقدير القراء واهتمامهم وتواصلهم المستمر، بالتالي رواج الكتب وانتشارها هو مؤشر مفرح لنجاح المشروع.

 

حدثنا قليلاً عن الصعوبات التي واجهتها أثناء العمل على هذا المشروع؟

من الغريب في الأمر أنني كنت أتوقع الكثير من الاعتراضات وربما أكثر من ذلك من أتباع الأديان التي تناولت كتبها المقدسة بالبحث عند إصدار السلسلة الأولى "كتب مقدسة"، ولكن على العكس مما توقعت فقد وصلتني كلمات شكر كثيرة، مثلاً من البهائيين، ومراسلات وتوضيحات كما في حال الأحمدية، وشكر حار مع دعوة لزيارة المندائيين في ميسان في العراق.

كما تواصل معي بعض أتباع الأديان التي لم أتعرض لها يذكرونني بنشر كتبهم، وبالفعل تم ذلك. ولما بدأت بإصدار سلسلة "نصوص مقدسة" وهي تتعلق بالمذاهب الإسلامية توجست جداً، فبعض هذه المذاهب ما زالت تمتنع عن نشر تراثها، ولكن على العكس تماماً لم أسمع إلا كل ثناء ومباركة وإشادة بالتعريف بها.

وما لم أكن أتوقعه أبداً هو أنني سأواجه بعض الأصدقاء والزملاء وهم الذين أحبهم، ولهم أسماء كبيرة ومعروفة، فقد بدأوا بعد إصدار أول كتاب من سلسلة كتب مقدسة بنصحي بترك هذا الاتجاه وعدم الاقتراب منه، ثم أخذ النصح يتحول إلى طلب مباشر للابتعاد عن موضوع الأديان، ولما تابعت وفق قناعاتي اقتصر بعضهم وتابع بعضهم الآخر الاعتراض بوسائل مختلفة. علماً بأن هذا الميدان رحب، ولا أحد ينافس أحداً إلا بجودة عمله وأهمية بحوثه.

 

كيف تعاملت مع النصوص الخاصة بالأديان الباطنية، التي من الصعب على العامة الاطلاع عليها؟

مع أن هذه النصوص لها إشكالية خاصة حيث تُعدّ سرية، وصحيح أن أتباعها لا ينشرون ولا يسمحون بنشر أي شيء من كتبهم، ولكن الطريف بالأمر أننا في زمن أصبحت تجد كل ما تريده من تلك النصوص منشوراً على الإنترنت.

يبقى أن يتعامل الدارس معها بشكل علمي غير مستفز ومحايد تماماً، وهذا ما قمت به خلال دراسة تلك النصوص، وذلك وفقاً لمنهج عمل علم الأديان المقارن، الذي يحض على النظر إلى أي نص من أي دين كان باحترام، لأن هناك من يجله ويقدسه من إخواننا البشر، وهذا ما يجنب الباحث كثيرا من المتاعب. 

 

كيف تفسر وجود العديد من الأديان في العراق؟ وكيف تمكنت تلك الأديان من البقاء على مدار قرون طويلة؟

لا تنفرد العراق بهذه الميزة لوحدها، فسوريا فيها التعدد ذاته للأديان والمذاهب الدينية، أما سبب هذا التعدد الديني والمذهبي، وهو في الوقت نفسه سبب بقاء تلك الأديان والمذاهب منذ قرون طويلة وحتى الآن، هو الطبيعة الجغرافية للعراق وسوريا، حيث تنعزل كثير من المجتمعات في بيئة جغرافية مختلفة، وذلك على عكس كثير من البلدان التي تغلب فيها بيئة جغرافية واحدة مثل مصر.

كذلك فإن الأقليات الدينية تجد ملاذاً بيئياً غالباً ما يكون جبلياً، يحميها من الذوبان في محيطها المغاير لمعتقداتها، فعلى سبيل المثال: الأيزيدية كانوا يتمركزون في جبل سنجار، والآشوريون في جبال شمال العراق قبل أن يوقع الإنجليز بينهم وبين الأكراد فأجلوهم إلى الجزيرة السورية، والمندائيون كانوا يقيمون في أهوار دجلة والفرات التي هي متاهة مائية.  

هناك شيء أخير هو التسامح الإسلامي الذي يجب ألا ينكر فضله في وجود هذا التعدد الديني، بالمقابل نتساءل عن مصير الكثير من مسلمي الأندلس، ومسلمي إيطاليا وصقلية رغم لجوئهم للجبال، والأكثر من ذلك إبادة الكثير من الفرنسيين المخالفين للعقيدة الكاثوليكية في العصور الوسطى.

 

ما أهم نقاط التلاقي بين الأديان الإبراهيمية من جهة والأديان الأخرى المنتشرة في المنطقة كالزرادشتية والمندائية والأيزيدية من جهة أخرى، بحسب ما توصل إليه بحثك؟

الأديان الإبراهيمية أو السماوية عند دراستها وتحليلها علمياً تجد أنها من منبع واحد مع بقية الأديان، ولها أهداف أخلاقية وتربوية واحدة. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في أكثر من موضع، حيث أعلمنا أنه ما من أمة إلا وكان لها نبي "إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ" (سورة فاطر، 24).

وأكد أن الله سبحانه أرسل كثيراً من الأنبياء، منهم من ذكر أخبارهم في القرآن الكريم ومنهم من لم يذكر: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ" (سورة غافر، 78). فهل يستطيع أحد أن يجزم مثلاً بأن بوذا ليس بنبي من الذين لم تُقَص أخبارهم؟.

كما أن فكرة وحدة الأديان كافة قال بها فلاسفة المتصوفة المسلمون مثل الشيخ محيي الدين بن عربي، وقد تولدت لديهم فكرة وحدة الأديان من فكرة أكبر هي وحدة الوجود.

 

من واقع دراستك المعمقة في علم الأديان المقارنة، ما هو الحل الأمثل للحد من خطورة التطرف الديني؟

هذا الأمر لا يمكن أن يكون إلا من خلال مواجهة سلمية تخاطب العقل، مما يستدعي سعياً جمعياً لتأسيس وعي صادق بحقيقة الأديان وتسامحها وقيمها السامية، وأنها جاءت لتحقيق سلام روحي لا لتخلق فتناً وحروباً. فواجبنا جميعاً اليوم نشر هذه التوعية لتفويت الفرصة على المتاجرين بالأديان، وأن نؤكد على حقيقة وحدة الهدف السامي لكل الأديان وأنها كلها من مصدر واحد، وأنها تهدف لخير الإنسان وسعادته الروحية، وتنظيم علاقته بمجتمعه. 

 

أخيرًا، ما رأيك في مناهج علم الأديان المقارنة في الجامعات العربية؟ وكيف يمكن تطوير تلك المناهج لتوازي مثيلتها التي تدرس في الجامعات الغربية؟

حتى الآن علم الأديان المقارن هو علم بعيد بعض الشيء عن جامعاتنا العربية، فقلة قليلة جداً منها تضم أقسام لهذا العلم بمفهومه المعاصر، لدينا الكثير من أقسام تاريخ الأديان، ولدينا أقسام يطلق عليها خطأ اسم مقارنة الأديان، فهي إما أنها تدرس تاريخ الأديان، أو الأسوأ من ذلك أنها تدرس الأديان بغية الرد على بعضها وإثبات بطلانه مقابل تأكيد حقيقة دين ما. 

يمكن تطوير مناهج جامعاتنا لتدرس علم الأديان المقارن وفق منهجه العلمي، عندما لا تهتم الدراسات بحقيقة الأديان، أو بصدق معتقداتها أو تحريفها، بل تبحث فقط في التأثيرات المتبادلة بين الأديان، وما أخذ كل منها من الآخر وما أعطى له. وألا تفضل ديناً من الأديان أو تنتقص من آخر.

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع.

 يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام. يعترف الدستور العراقي في مادته الثانية بالمسيحية باعتبارها أحد الأديان التي يضمن لأفرادها "حقهم الكامل في حرية العقيدة والممارسة الدينية".

رغم ذلك، يعاني المسيحيون العراقيون من العديد من المشكلات في السنوات الأخيرة. كيف انتشرت المسيحية في العراق؟ وما هي أهم الدول المسيحية التي قامت في بلاد الرافدين؟ وكيف حافظ المسيحيون العراقيون على وجودهم في بلادهم رغم حملات الاضطهاد والعنف التي استهدفتهم على مر القرون؟

من توما إلى نسطوريوس

عرف العراق المسيحية في وقت مبكر. كان القديس توما الرسول أول من بشر بالدين المسيحي في العراق في القرن الأول الميلادي.

بعدها، انتشرت المسيحية في نواحي مختلفة من بلاد الرافدين، ولا سيما في المناطق الشمالية المتاخمة لتركيا الحالية. في هذا السياق، لعب الرهبان دوراً مهماً في نشر المسيحية. وبحسب ما ورد في كتاب السنكسار القبطي -وهو الكتاب الذي يضم سيّر القديسين والشهداء والآباء في الكنيسة القبطية المصرية- فإن القديس الراهب أوكين المصري سافر إلى العراق واصطحب معه في تلك الرحلة سبعين تلميذاً له، واختار بعد فترة من الترحال منطقة نصيبين ليقيم فيها، وسكن هناك في إحدى المغارات الجبلية، ومن حوله سكن تلاميذه. عاش أوكين في تلك المغارة لمدة ثلاثين سنة، وقصده الكثير من المسيحيين ليدرسوا عليه أصول الرهبنة، بعد فترة، انتشر المنهج الرهباني في شمالي العراق.

ولد منصور بن سرجون في عام 676م على وجه التقريب، في زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في دمشق.
يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

يذكر الباحث عماد توماس في دراسته "تاريخ الرهبنة السريانية" أن الكنيسة السريانية اهتمت في تلك الفترة بشأن الرهبنة، فأسست مئات الأديرة التي انضم إليها ألوف من الرجال والنساء. "ففي القرن الخامس، وجد في جبل الرها وحده ثلاثمئة دير، يقيم فيه تسعون ألف راهب، وفي دير مار متى شرقي الموصل اثنا عشر ألف راهب"!، يقول توماس.

تحتفظ لنا الكتابات السريانية بأسماء العديد من الرهبان العراقيين الذين اشتهر أمرهم بين الناس. وذاع صيتهم بسبب ما نُسب إليهم من كرامات وخوارق. يحكي ثيودوريتوس أسقف قورش في كتابه "تاريخ أصفياء الله" قصص العديد من هؤلاء الرهبان، ومنهم الراهب إبراهيم الكشكري الكبير الذي ولد في أواخر القرن الخامس الميلادي، ويُنسب إلى مدينة كشكر الواقعة في منطقة الكوت. قام إبراهيم بالتبشير بالمسيحية في مملكة الحيرة. وبنى ديراً كبيراً في منطقة نصيبين.

كان العراق على موعد مهم في تاريخ علاقته بالمسيحية في القرن الخامس الميلادي، في تلك الفترة، تم عقد مجمع أفسس في سنة 431م، ورُفضت فيه أفكار نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية بخصوص طبيعة المسيح. على إثر ذلك، انتقلت أفكار نسطوريوس إلى العراق وبلاد فارس.

وتم تأسيس الكنيسة المعروفة باسم كنيسة المشرق، وقد ظلت تلك الكنيسة قائمة في العراق لقرون متوالية حتى انقسمت في وقت متأخر إلى كنيستين كبيرتين، وهما كنيسة المشرق الآشورية التي ظلت محافظة على أفكار نسطوريوس، وكنيسة الكلدان الكاثوليك التي تتبع بابا الفاتيكان. وبحسب بعض الآراء، فإن هذا الانقسام وقع في القرن السادس عشر الميلادي.

في سنة 1552م، قدم رسل الفاتيكان لنشر الكاثوليكية في العراق، ونجحوا في نشر مذهبهم فيما يدعى اليوم بسهل نينوى،  فيما حالت صعوبة المواصلات في تلك الفترة دون نشر أفكارهم في المناطق الجبلية الوعرة. تسبب ذلك في اعتناق أهل السهول للكاثوليكية، وعرفوا باسم الكلدان/ البابليين. فيما بقي أهل الجبال على مذهبهم القديم، وعُرفوا باسم الأشوريين. 

مملكة الحيرة المسيحية

ارتبطت المسيحية في العراق بواحدة من الممالك المهمة، وهي مملكة الحيرة القديمة. نشأت تلك المملكة في نهايات القرن الثاني الميلادي، وعُرفت باسم مملكة الحيرة نسبةً إلى عاصمتها، بينما اُطلق اسم المناذرة على ملوك تلك المملكة لأن العديد منهم سُمي باسم المنذر.

تمتعت مملكة الحيرة بقدر كبير من الحرية الدينية. لم ير أكاسرة فارس بأساً من انتشار المسيحية في بلاد الحيرة المتاخمة لهم. يفسر الباحث العراقي جواد علي هذا الأمر في كتابه "المُفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" بكون المجوسية -التي اعتنقها الفرس- لم تكن ديناً تبشيرياً، من هنا لم يقع الصدام بين الفرس والمناذرة.

وعلى النقيض من ذلك، حدث في الكثير من الأحيان أن توافق الطرفان دينياً وسياسياً. اعتنق العديد من ملوك المناذرة المسيحية وفق المذهب النسطوري، ولمّا كان هذا المذهب معادياً للمذهب الملكاني الذي أقرته الإمبراطورية البيزنطية فقد أيده العديد من ملوك فارس نكايةً في عدوهم اللدود، وذلك بحسب ما يذكر الباحث محمد مبروك نافع في كتابه "عصر ما قبل الإسلام".

قطعة أثرية قديمة عثر عليها منقبون في موقع مدينة الحيرة القديمة قرب النجف.
مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

يشرح جواد علي الدور المهم الذي لعبته مملكة الحيرة في نشر المسيحية النسطورية بين القبائل العربية القريبة، فيقول: "تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران، فدخلت إلى "قطر" وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى... ومن الحيرة انتقلت النسطورية إلى اليمامة، فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران واليمن، وصلت إليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجارية، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها، وقد قوي هذا المذهب ولا شك بعد دخول الفرس إلى اليمن".

 

 مسيحيو العراق تحت الحكم الإسلامي

ظلت المسيحية غالبة على أهل العراق حتى بدايات القرن السابع الميلادي. في تلك الفترة، خرجت الجيوش العربية من شبه الجزيرة العربية وعملت على التوسع في بلاد العراق والشام، ولم تمر سنوات معدودة حتى أضحى العراق جزءاً من دولة الخلافة الإسلامية.

بشكل عام، حظي المسيحيون العراقيون بمعاملة متسامحة من قِبل العرب القادمين من شبه الجزيرة. ويمكن تفسير ذلك بأن الدين الإسلامي اعترف بالمسيحية بوصفها إحدى الديانات الكتابية ذات الأصل الإلهي.

وتذكر المصادر التاريخية أن الكثير من المسيحيين العراقيين لاقوا التقدير والاحترام من قِبل السلطات السياسية الحاكمة.

يقول الجاحظ في إحدى رسائله: "إن النصارى، متكلمين وأطباء ومنجمين، وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء... وإن منهم كتّاب السلاطين وفرّاشي الملوك وأطباء الأشراف والعطّارين والصيارفة... وأنهم اتخذوا البراذين والخيل واتخذوا الشاكرية والخدم والمستخدمين وامتنع كثير من كبرائهم من عطاء الجزية".

من هنا، لم يكن من الغريب أن يبزغ نجم العديد من المسيحيين العراقيين، ومنهم كل من الشاعر الأخطل، والمترجم يوحنا بن البطريق، والطبيب حنين بن إسحاق، والفيلسوف يحيى بن عدي.

رغم ذلك، وقعت العديد من حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين. فعلى سبيل المثال تعرض المسيحيون للاضطهاد زمن حكم الخليفة المتوكل على الله العباسي في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، فقد أصدر المتوكل مجموعة من القرارات المقيدة لحرية المسيحيين.

يذكر المؤرخ ابن جرير الطبري تفاصيل تلك القرارات في كتابه المعروف "تاريخ الرسل والملوك". يقول: "أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب... وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعاً صير مسجداً، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجداً صير فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يُستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليباً، وأن يشمّلوا -يمشوا ناحية اليسار- في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين".

تتابعت حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين في العصر الحديث أيضاً. و من ذلك، الحملات المعروفة باسم "مذابح سيفو"، والتي شنها العثمانيون على الآشوريين المسيحيين في شمالي العراق في الفترة من 1914- 1920م، وما وقع في سنة 1933م، عندما وجه رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني بعض فرق الجيش لتدمير العشرات من القرى الآشورية المسيحية في الموصل، وذلك على إثر مطالبة الآشوريين المسيحيين بالحكم الذاتي لمناطقهم، فيما عُرف باسم "مذبحة سميل"، وذلك بحسب ما يذكر الكاتب محمد عادل داود في كتابه "تاريخ الدماء".

تزامنت آخر حملات الاضطهاد ضد المسيحيين مع سيطرة تنظيم  "داعش" على المناطق الشمالية والغربية من العراق في الفترة بين 2014 و2017م.

تعرض المسيحيون القاطنون خلال تلك الفترة للعديد من المخاطر. تم تدمير العشرات من الكنائس والأديرة، كما هُجرت المئات من العائلات المسيحية. وبحسب بعض التقارير لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م.

في مارس سنة 2021م، زار البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، الأراضي العراقية في رحلة تاريخية حظيت باهتمام واسع من قِبل ملايين المسيحيين المنتشرين حول العالم. وأكد البابا في زيارته أن "التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضرر جسيم لا يمكن تقديره".

ورحب في كلمته التي ألقاها في الموصل "بعودة الجالية المسيحية إلى الموصل لتقوم بدورها الحيوي في عملية الشفاء والتجديد". وكذلك صلى "من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة"، مؤكداً أن "الرجاء أقوى من الموت، والسلام أقوى من الحرب".