إنصاف المرأة في مسائل الميراث قضية مثيرة للجدل في العالم الإسلامي.
يُعدّ حق الكد والسعاية واحداً من ضمن الاجتهادات الفقهية التي اهتمت بإنصاف المرأة في مسائل الإرث.

قام الفقه الإسلامي في القرون الأولى على أساس ذكوري واضح، وتماشى ذلك مع ظروف المجتمعات الإسلامية المبكرة والتي حظي الرجل فيها بالسلطة والقوة فيما تراجعت منزلة المرأة لتكتفي بالمرتبة الثانية.

نلقي الضوء في هذا المقال على "حق الكد والسعاية"، وهو أحد الفتاوى التي عملت على إنصاف المرأة في مسائل الميراث، واحتكمت في ذلك إلى روح الدين الإسلامي الداعية للمساواة. ما هي فتوى الكد والسعاية؟ ولماذا عاد الحديث عنها في الآونة الأخيرة؟ وما صدى تلك الفتوى في الأوساط الحقوقية والقانونية؟

 

السياق التاريخي للفتوى

 

يُعدّ حق الكد والسعاية واحداً من ضمن الاجتهادات الفقهية التي اهتمت بإنصاف المرأة في مسائل الإرث.

ترجع البدايات الأولى لهذا الاجتهاد للقرن الأول الهجري، وفي زمن خلافة عمر بن الخطاب على وجه التحديد. وقد ذكرت بعض المصادر المالكية المتأخرة أن إحدى السيدات المسلمات، واسمها حبيبة بنت زريق أتت للخليفة تشتكي من أقارب زوجها المتوفى لأنهم  أخذوا الحصة الأكبر من ميراث الزوج ولم يتركوا لها إلا القليل، واحتجت حبيبة أمام الخليفة بأنها كانت تعمل في الغزل وحياكة الملابس طوال فترة زواجها، وأنها كانت تعطي الأموال التي كسبتها لزوجها، ولهذا فإن لها حقاً في تركة الزوج.

بحسب القصة، فإن عمر بن الخطاب تأكد من صدق حديث السيدة، ثم حكم بأن تحصل على نصف الميراث نظيراً لها على الأموال التي أعطتها للزوج في حياته، كما قضي لها بربع ما تبقى من الثروة لأن الزوج لم يترك ولداً من بعده.

مرت مئات الأعوام بعد وقوع تلك الحادثة، ثم تجدد النقاش حولها مرة أخرى في المغرب الأقصى، بدايةً من القرن الثامن الهجري.

وقد  اعتمد بعض الفقهاء المالكية المغاربة قصة حبيبة بنت زريق مع الخليفة عمر بن الخطاب. وبنوا عليها فتوى فقهية تعطي للزوجة نصف ميراث الزوج المتوفى.

وعلى سبيل المثال، فإن الفقيه المكناسي الحافظ أبا عبد الله القوري- في القرن التاسع الهجري- قال: "لا شيء على الزوجة من غزل ونسج وغيره، فإن قامت بذلك متطوّعة فإن للزوج حقّ الانتفاع بذلك وبثمنه، وإن صرّحت بالامتناع عن الخدمة إلا على وجه الشركة في الغزل والنسج أو فيهما معاً وأباح لها زوجها ذلك فلا إشكال في اشتراكهما في ذلك المعمول. أما إذا سكتت وقامت بالعمل دون أن تصرّح بأي وجه من الوجهين قامت به، لا على وجه التطوع أم على وجه الشركة، ثم طالبت بعد ذلك بنصيبها في ما أنجزته على أساس أنها قامت بذلك على وجه الشركة أو الرجوع بقيمة العمل، وأنكر الزوج ذلك، حلفت أنها ما غزلت ولا نسجت إلا لتكون على حظها في المعمول. وإذا حلفت، قُوِّم عملها في الكتان والصوف فيكون الثوب بينهما مشتركاً، وكذلك الغزل".

تكررت الفتوى أيضاً في القرن العاشر الهجري على لسان الفقيه ابن عرضون المالكي المغربي الذي قال إن المرأة إذا مات زوجها تأخذ نصف التركة ثمّ الباقي يقسّم إرثاً، وذلك بحكم مشاركتها وسعيها وكدّها في تحصيل هذه الثروة.

 من الجدير بالذكر، أن تلك الفتاوى اتسقت مع أسس المذهب المالكي، والذي يأخذ باعتبارية العُرف والعادة، كما أن تلك الفتاوى تماشت مع الأمر الواقع، لأن الكثير من الأراضي الزراعية في مناطق السوس الأقصى كانت تُزرع من جانب النساء. الأمر الذي جعل المرأة شريكة حقيقية في صنع ثروة الأسرة.

 

إحياء الفتوى من جديد

 

في فبراير سنة 2022، عاد الحديث حول حق الكد والسعاية إلى الواجهة من جديد عندما قال أحمد الطيب، شيخ الأزهر، إنه من الضروري العمل على إحياء فتوى "حق الكد والسعاية" لحفظ حقوق المرأة العاملة التي بذلت جهداً في تنمية ثروة زوجها.

تسببت تلك الدعوة في وقوع الجدل في المجتمع المصري، فانقسم رجال الدين والناشطون الحقوقيون بين مؤيد لدعوة شيخ الأزهر من جهة، وبين رافض لها من جهة أخرى.

على سبيل المثال، لاقت الدعوة ترحيباً شديداً من جانب الجهات المهتمة بالدفاع عن حقوق المرأة المصرية.

وجهت مايا مرسي، رئيسة المجلس القومي للمرأة في مصر، الشكر للشيخ الطيب. وقالت على حسابها في فيسبوك: "خالص الشكر والتقدير إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر على تأكيده ضرورة إحياء فتوى (حق الكد والسعاية) من تراثنا الإسلامي، حفظ حقوق المرأة العاملة التي بذلت جهداً في تنمية ثروة زوجها، خاصة في ظل المستجدات العصرية التي أوجبت على المرأة النزول إلى سوق العمل ومشاركة زوجها أعباء الحياة".

من جهته، أعرب سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر عن ترحيبه بالدعوة لإحياء فتوى الكد والسعاية، فقال: "نحن لسنا بدعة، فهناك دول قد سبقتنا فيها، افتحوا باب حق الكد والسعاية للشباب، وأعتقد أنه خلال عدة سنوات سيظهر التفاني فى الحق وكتابة حق السعاية، فهناك بعض الأعمال لم يكن لها راتب مثل الإمامة وقراءة القرآن فلماذا لا يكون للمرأة حق مقابل ما تقوم به، لذلك اتركوا باب حق السعاية مفتوحاً".

في السياق نفسه، امتدح أسامة الأزهري، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية دعوة شيخ الأزهر لإحياء فتوى الكد والسعاية. ووصفها بأنها "شديدة التميز، وتمثل ضمان وحماية مادية واقتصادية واجتماعية للمرأة، وتمثل دعم للمرأة في كل أحوال الأزمات المتمثلة في وفاة الزوج أو الانفصال".

على الجانب الآخر، هوجمت الدعوة من قِبل بعض التيارات الدينية الأكثر تشدداً، فعلّق الشيخ السلفي خالد الحويني على حسابه على منصة إكس -تويتر سابقاً- قائلاً: "لا يوجد في الإسلام ما يسمى بحق الكد والسعاية، وقصة حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لزوجة بنصف تركة زوجها المتوفى واقعة عين، كانت الزوجة شريكة لزوجها في تجارته، فهو من باب الديون يستحقه صاحبه رجلاً كان أم امرأة قبل تقسيم تركة الميت".

كذلك، قال الشيخ أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: "في المعاملات المالية يمكن للزوجة أن تحصل على نصيبها كأي شخص أجنبي، وهذا لا خلاف عليه، لكن هذا الأمر لا يجب أن يتعدَّى إلى الأعمال المنزلية.. السيدة فاطمة الزهراء كانت تكد داخل المنزل وكان سيدنا علي بن أبي طالب يكد خارج المنزل، لكن لا يجب أن نقول إن للمرأة حقاً في زوجها إذا مسحت وكنست وأدت الأعمال المنزلية لأن هذا الأمر سينزل بها من مرتبة الزوجة إلى خادمة".

في أغسطس من العام الماضي، تجدد النقاش مرة أخرى حول الفتوى في جلسات "الحوار الوطني" التي شارك فيها العديد من الباحثين والمتخصصين. رفض البعض الصياغة القانونية للفتوى.

على سبيل المثال، قالت المحامية المتخصصة في قضايا الأسرة، رشا صبري إن عدم الصياغة المثالية للفتوى قد تتسبب في فتح أبواب تحايل كثيرة جداً، فقد لايكون للسيدة أي دور في ثروة زوجها وشريرة ومؤذية جدًا وبعد الانفصال تحصل على نصف ثروته، فهناك من يتزوج طمعاً في الأموال.

 

في قوانين الدول العربية

 

بالتزامن مع الجدل الفقهي- الحقوقي الذي أُثير حول فتوى الكد والسعاية، قُدمت بعض المواد القانونية المُقترحة في مسودة القانون الجديد للأحوال الشخصية في مصر. تضمنت بعض المواد اقتراحاً لمناصفة الثروة بين الزوجين في حالة الطلاق أو وفاة أحدهما.

نص مشروع القانون على أنه "يجوز الاتفاق في وثيقة الزواج بين الزوجين على اقتسام ما تم تكوينه من عائد مادي في شكل ادخار أو ممتلكات أثناء رابطة الزوجية لكل من الزوجين وذلك في حالة الطلاق والذي من الممكن أن يكون مناصفةً أو في شكل نسبة يتم تحديدها بالاتفاق المسبق بين الزوجين".

رغم مرور فترة طويلة على الانتهاء من المسودة، لم يتم تمرير القانون الجديد حتى الآن، ولا زال مشروعه حبيس الأدراج.

يختلف الوضع في بعض الدول العربية، فقد عرف حق الكد والسعاية طريقه للعديد من المدونات القانونية المعمول بها. في سنة 1998م، اعتمدت تونس حق الكد والسعاية بشكله القانوني، وذلك عندما أقرت ما عُرف باسم "نظام الاشتراك في الملكية بين الزوجين".

بموجب هذا النظام منح القانون التونسي الزوجين الحرية في اختيار النظام المالي الذي يرغبان به. فصار بوسع الأسرة أن تحدد موقفها من فكرة حصول الزوجة على نصف الثروة في حالة وفاة الزوج أو الطلاق.

وفي المغرب أيضاً، تم تقنين حق الكد والسعاية في مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004.

نصت المادة رقم 49 أن "لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما فى إطار تدبير الأموال، التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها، و يضمن هذا الاتفاق فى وثيقة مستقلة عن عقد الزواج. يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام سالفة الذكر".

ووضعت المادة بعض الضوابط المنظمة لاقتسام الثروة، فذكرت "إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدّمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة".

كذلك اعترفت بعض المدونات القانونية الخليجية بمبدأ الكد والسعاية، فعلى سبيل المثال جاء في المادة رقم 62 من قانون الأحوال الشخصية الإماراتي "المرأة الراشدة حرة فى التصرف فى أموالها، ولا يجوز للزوج التصرف فى أموالها دون رضاها، فلكل منهما ذمة مالية مستقلة. فإذا شارك أحدهما الآخر فى تنمية مال أو بناء مسكن ونحوه كان له الرجوع على الآخر بنصيبه فيه عند الطلاق أو الوفاة".

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع.

 يُعدّ الدين المسيحي ثاني أكبر الأديان في العراق من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام. يعترف الدستور العراقي في مادته الثانية بالمسيحية باعتبارها أحد الأديان التي يضمن لأفرادها "حقهم الكامل في حرية العقيدة والممارسة الدينية".

رغم ذلك، يعاني المسيحيون العراقيون من العديد من المشكلات في السنوات الأخيرة. كيف انتشرت المسيحية في العراق؟ وما هي أهم الدول المسيحية التي قامت في بلاد الرافدين؟ وكيف حافظ المسيحيون العراقيون على وجودهم في بلادهم رغم حملات الاضطهاد والعنف التي استهدفتهم على مر القرون؟

من توما إلى نسطوريوس

عرف العراق المسيحية في وقت مبكر. كان القديس توما الرسول أول من بشر بالدين المسيحي في العراق في القرن الأول الميلادي.

بعدها، انتشرت المسيحية في نواحي مختلفة من بلاد الرافدين، ولا سيما في المناطق الشمالية المتاخمة لتركيا الحالية. في هذا السياق، لعب الرهبان دوراً مهماً في نشر المسيحية. وبحسب ما ورد في كتاب السنكسار القبطي -وهو الكتاب الذي يضم سيّر القديسين والشهداء والآباء في الكنيسة القبطية المصرية- فإن القديس الراهب أوكين المصري سافر إلى العراق واصطحب معه في تلك الرحلة سبعين تلميذاً له، واختار بعد فترة من الترحال منطقة نصيبين ليقيم فيها، وسكن هناك في إحدى المغارات الجبلية، ومن حوله سكن تلاميذه. عاش أوكين في تلك المغارة لمدة ثلاثين سنة، وقصده الكثير من المسيحيين ليدرسوا عليه أصول الرهبنة، بعد فترة، انتشر المنهج الرهباني في شمالي العراق.

يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

يذكر الباحث عماد توماس في دراسته "تاريخ الرهبنة السريانية" أن الكنيسة السريانية اهتمت في تلك الفترة بشأن الرهبنة، فأسست مئات الأديرة التي انضم إليها ألوف من الرجال والنساء. "ففي القرن الخامس، وجد في جبل الرها وحده ثلاثمئة دير، يقيم فيه تسعون ألف راهب، وفي دير مار متى شرقي الموصل اثنا عشر ألف راهب"!، يقول توماس.

تحتفظ لنا الكتابات السريانية بأسماء العديد من الرهبان العراقيين الذين اشتهر أمرهم بين الناس. وذاع صيتهم بسبب ما نُسب إليهم من كرامات وخوارق. يحكي ثيودوريتوس أسقف قورش في كتابه "تاريخ أصفياء الله" قصص العديد من هؤلاء الرهبان، ومنهم الراهب إبراهيم الكشكري الكبير الذي ولد في أواخر القرن الخامس الميلادي، ويُنسب إلى مدينة كشكر الواقعة في منطقة الكوت. قام إبراهيم بالتبشير بالمسيحية في مملكة الحيرة. وبنى ديراً كبيراً في منطقة نصيبين.

كان العراق على موعد مهم في تاريخ علاقته بالمسيحية في القرن الخامس الميلادي، في تلك الفترة، تم عقد مجمع أفسس في سنة 431م، ورُفضت فيه أفكار نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية بخصوص طبيعة المسيح. على إثر ذلك، انتقلت أفكار نسطوريوس إلى العراق وبلاد فارس.

وتم تأسيس الكنيسة المعروفة باسم كنيسة المشرق، وقد ظلت تلك الكنيسة قائمة في العراق لقرون متوالية حتى انقسمت في وقت متأخر إلى كنيستين كبيرتين، وهما كنيسة المشرق الآشورية التي ظلت محافظة على أفكار نسطوريوس، وكنيسة الكلدان الكاثوليك التي تتبع بابا الفاتيكان. وبحسب بعض الآراء، فإن هذا الانقسام وقع في القرن السادس عشر الميلادي.

في سنة 1552م، قدم رسل الفاتيكان لنشر الكاثوليكية في العراق، ونجحوا في نشر مذهبهم فيما يدعى اليوم بسهل نينوى،  فيما حالت صعوبة المواصلات في تلك الفترة دون نشر أفكارهم في المناطق الجبلية الوعرة. تسبب ذلك في اعتناق أهل السهول للكاثوليكية، وعرفوا باسم الكلدان/ البابليين. فيما بقي أهل الجبال على مذهبهم القديم، وعُرفوا باسم الأشوريين. 

مملكة الحيرة المسيحية

ارتبطت المسيحية في العراق بواحدة من الممالك المهمة، وهي مملكة الحيرة القديمة. نشأت تلك المملكة في نهايات القرن الثاني الميلادي، وعُرفت باسم مملكة الحيرة نسبةً إلى عاصمتها، بينما اُطلق اسم المناذرة على ملوك تلك المملكة لأن العديد منهم سُمي باسم المنذر.

تمتعت مملكة الحيرة بقدر كبير من الحرية الدينية. لم ير أكاسرة فارس بأساً من انتشار المسيحية في بلاد الحيرة المتاخمة لهم. يفسر الباحث العراقي جواد علي هذا الأمر في كتابه "المُفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" بكون المجوسية -التي اعتنقها الفرس- لم تكن ديناً تبشيرياً، من هنا لم يقع الصدام بين الفرس والمناذرة.

وعلى النقيض من ذلك، حدث في الكثير من الأحيان أن توافق الطرفان دينياً وسياسياً. اعتنق العديد من ملوك المناذرة المسيحية وفق المذهب النسطوري، ولمّا كان هذا المذهب معادياً للمذهب الملكاني الذي أقرته الإمبراطورية البيزنطية فقد أيده العديد من ملوك فارس نكايةً في عدوهم اللدود، وذلك بحسب ما يذكر الباحث محمد مبروك نافع في كتابه "عصر ما قبل الإسلام".

مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

يشرح جواد علي الدور المهم الذي لعبته مملكة الحيرة في نشر المسيحية النسطورية بين القبائل العربية القريبة، فيقول: "تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران، فدخلت إلى "قطر" وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى... ومن الحيرة انتقلت النسطورية إلى اليمامة، فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران واليمن، وصلت إليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجارية، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها، وقد قوي هذا المذهب ولا شك بعد دخول الفرس إلى اليمن".

 

 مسيحيو العراق تحت الحكم الإسلامي

ظلت المسيحية غالبة على أهل العراق حتى بدايات القرن السابع الميلادي. في تلك الفترة، خرجت الجيوش العربية من شبه الجزيرة العربية وعملت على التوسع في بلاد العراق والشام، ولم تمر سنوات معدودة حتى أضحى العراق جزءاً من دولة الخلافة الإسلامية.

بشكل عام، حظي المسيحيون العراقيون بمعاملة متسامحة من قِبل العرب القادمين من شبه الجزيرة. ويمكن تفسير ذلك بأن الدين الإسلامي اعترف بالمسيحية بوصفها إحدى الديانات الكتابية ذات الأصل الإلهي.

وتذكر المصادر التاريخية أن الكثير من المسيحيين العراقيين لاقوا التقدير والاحترام من قِبل السلطات السياسية الحاكمة.

يقول الجاحظ في إحدى رسائله: "إن النصارى، متكلمين وأطباء ومنجمين، وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء... وإن منهم كتّاب السلاطين وفرّاشي الملوك وأطباء الأشراف والعطّارين والصيارفة... وأنهم اتخذوا البراذين والخيل واتخذوا الشاكرية والخدم والمستخدمين وامتنع كثير من كبرائهم من عطاء الجزية".

من هنا، لم يكن من الغريب أن يبزغ نجم العديد من المسيحيين العراقيين، ومنهم كل من الشاعر الأخطل، والمترجم يوحنا بن البطريق، والطبيب حنين بن إسحاق، والفيلسوف يحيى بن عدي.

رغم ذلك، وقعت العديد من حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين. فعلى سبيل المثال تعرض المسيحيون للاضطهاد زمن حكم الخليفة المتوكل على الله العباسي في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، فقد أصدر المتوكل مجموعة من القرارات المقيدة لحرية المسيحيين.

يذكر المؤرخ ابن جرير الطبري تفاصيل تلك القرارات في كتابه المعروف "تاريخ الرسل والملوك". يقول: "أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب... وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعاً صير مسجداً، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجداً صير فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يُستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليباً، وأن يشمّلوا -يمشوا ناحية اليسار- في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين".

تتابعت حملات الاضطهاد ضد المسيحيين العراقيين في العصر الحديث أيضاً. و من ذلك، الحملات المعروفة باسم "مذابح سيفو"، والتي شنها العثمانيون على الآشوريين المسيحيين في شمالي العراق في الفترة من 1914- 1920م، وما وقع في سنة 1933م، عندما وجه رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني بعض فرق الجيش لتدمير العشرات من القرى الآشورية المسيحية في الموصل، وذلك على إثر مطالبة الآشوريين المسيحيين بالحكم الذاتي لمناطقهم، فيما عُرف باسم "مذبحة سميل"، وذلك بحسب ما يذكر الكاتب محمد عادل داود في كتابه "تاريخ الدماء".

تزامنت آخر حملات الاضطهاد ضد المسيحيين مع سيطرة تنظيم  "داعش" على المناطق الشمالية والغربية من العراق في الفترة بين 2014 و2017م.

تعرض المسيحيون القاطنون خلال تلك الفترة للعديد من المخاطر. تم تدمير العشرات من الكنائس والأديرة، كما هُجرت المئات من العائلات المسيحية. وبحسب بعض التقارير لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م.

في مارس سنة 2021م، زار البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، الأراضي العراقية في رحلة تاريخية حظيت باهتمام واسع من قِبل ملايين المسيحيين المنتشرين حول العالم. وأكد البابا في زيارته أن "التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضرر جسيم لا يمكن تقديره".

ورحب في كلمته التي ألقاها في الموصل "بعودة الجالية المسيحية إلى الموصل لتقوم بدورها الحيوي في عملية الشفاء والتجديد". وكذلك صلى "من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة"، مؤكداً أن "الرجاء أقوى من الموت، والسلام أقوى من الحرب".