إنصاف المرأة في مسائل الميراث قضية مثيرة للجدل في العالم الإسلامي.
يُعدّ حق الكد والسعاية واحداً من ضمن الاجتهادات الفقهية التي اهتمت بإنصاف المرأة في مسائل الإرث.

قام الفقه الإسلامي في القرون الأولى على أساس ذكوري واضح، وتماشى ذلك مع ظروف المجتمعات الإسلامية المبكرة والتي حظي الرجل فيها بالسلطة والقوة فيما تراجعت منزلة المرأة لتكتفي بالمرتبة الثانية.

نلقي الضوء في هذا المقال على "حق الكد والسعاية"، وهو أحد الفتاوى التي عملت على إنصاف المرأة في مسائل الميراث، واحتكمت في ذلك إلى روح الدين الإسلامي الداعية للمساواة. ما هي فتوى الكد والسعاية؟ ولماذا عاد الحديث عنها في الآونة الأخيرة؟ وما صدى تلك الفتوى في الأوساط الحقوقية والقانونية؟

 

السياق التاريخي للفتوى

 

يُعدّ حق الكد والسعاية واحداً من ضمن الاجتهادات الفقهية التي اهتمت بإنصاف المرأة في مسائل الإرث.

ترجع البدايات الأولى لهذا الاجتهاد للقرن الأول الهجري، وفي زمن خلافة عمر بن الخطاب على وجه التحديد. وقد ذكرت بعض المصادر المالكية المتأخرة أن إحدى السيدات المسلمات، واسمها حبيبة بنت زريق أتت للخليفة تشتكي من أقارب زوجها المتوفى لأنهم  أخذوا الحصة الأكبر من ميراث الزوج ولم يتركوا لها إلا القليل، واحتجت حبيبة أمام الخليفة بأنها كانت تعمل في الغزل وحياكة الملابس طوال فترة زواجها، وأنها كانت تعطي الأموال التي كسبتها لزوجها، ولهذا فإن لها حقاً في تركة الزوج.

بحسب القصة، فإن عمر بن الخطاب تأكد من صدق حديث السيدة، ثم حكم بأن تحصل على نصف الميراث نظيراً لها على الأموال التي أعطتها للزوج في حياته، كما قضي لها بربع ما تبقى من الثروة لأن الزوج لم يترك ولداً من بعده.

مرت مئات الأعوام بعد وقوع تلك الحادثة، ثم تجدد النقاش حولها مرة أخرى في المغرب الأقصى، بدايةً من القرن الثامن الهجري.

وقد  اعتمد بعض الفقهاء المالكية المغاربة قصة حبيبة بنت زريق مع الخليفة عمر بن الخطاب. وبنوا عليها فتوى فقهية تعطي للزوجة نصف ميراث الزوج المتوفى.

وعلى سبيل المثال، فإن الفقيه المكناسي الحافظ أبا عبد الله القوري- في القرن التاسع الهجري- قال: "لا شيء على الزوجة من غزل ونسج وغيره، فإن قامت بذلك متطوّعة فإن للزوج حقّ الانتفاع بذلك وبثمنه، وإن صرّحت بالامتناع عن الخدمة إلا على وجه الشركة في الغزل والنسج أو فيهما معاً وأباح لها زوجها ذلك فلا إشكال في اشتراكهما في ذلك المعمول. أما إذا سكتت وقامت بالعمل دون أن تصرّح بأي وجه من الوجهين قامت به، لا على وجه التطوع أم على وجه الشركة، ثم طالبت بعد ذلك بنصيبها في ما أنجزته على أساس أنها قامت بذلك على وجه الشركة أو الرجوع بقيمة العمل، وأنكر الزوج ذلك، حلفت أنها ما غزلت ولا نسجت إلا لتكون على حظها في المعمول. وإذا حلفت، قُوِّم عملها في الكتان والصوف فيكون الثوب بينهما مشتركاً، وكذلك الغزل".

تكررت الفتوى أيضاً في القرن العاشر الهجري على لسان الفقيه ابن عرضون المالكي المغربي الذي قال إن المرأة إذا مات زوجها تأخذ نصف التركة ثمّ الباقي يقسّم إرثاً، وذلك بحكم مشاركتها وسعيها وكدّها في تحصيل هذه الثروة.

 من الجدير بالذكر، أن تلك الفتاوى اتسقت مع أسس المذهب المالكي، والذي يأخذ باعتبارية العُرف والعادة، كما أن تلك الفتاوى تماشت مع الأمر الواقع، لأن الكثير من الأراضي الزراعية في مناطق السوس الأقصى كانت تُزرع من جانب النساء. الأمر الذي جعل المرأة شريكة حقيقية في صنع ثروة الأسرة.

 

إحياء الفتوى من جديد

 

في فبراير سنة 2022، عاد الحديث حول حق الكد والسعاية إلى الواجهة من جديد عندما قال أحمد الطيب، شيخ الأزهر، إنه من الضروري العمل على إحياء فتوى "حق الكد والسعاية" لحفظ حقوق المرأة العاملة التي بذلت جهداً في تنمية ثروة زوجها.

تسببت تلك الدعوة في وقوع الجدل في المجتمع المصري، فانقسم رجال الدين والناشطون الحقوقيون بين مؤيد لدعوة شيخ الأزهر من جهة، وبين رافض لها من جهة أخرى.

على سبيل المثال، لاقت الدعوة ترحيباً شديداً من جانب الجهات المهتمة بالدفاع عن حقوق المرأة المصرية.

وجهت مايا مرسي، رئيسة المجلس القومي للمرأة في مصر، الشكر للشيخ الطيب. وقالت على حسابها في فيسبوك: "خالص الشكر والتقدير إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر على تأكيده ضرورة إحياء فتوى (حق الكد والسعاية) من تراثنا الإسلامي، حفظ حقوق المرأة العاملة التي بذلت جهداً في تنمية ثروة زوجها، خاصة في ظل المستجدات العصرية التي أوجبت على المرأة النزول إلى سوق العمل ومشاركة زوجها أعباء الحياة".

من جهته، أعرب سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر عن ترحيبه بالدعوة لإحياء فتوى الكد والسعاية، فقال: "نحن لسنا بدعة، فهناك دول قد سبقتنا فيها، افتحوا باب حق الكد والسعاية للشباب، وأعتقد أنه خلال عدة سنوات سيظهر التفاني فى الحق وكتابة حق السعاية، فهناك بعض الأعمال لم يكن لها راتب مثل الإمامة وقراءة القرآن فلماذا لا يكون للمرأة حق مقابل ما تقوم به، لذلك اتركوا باب حق السعاية مفتوحاً".

في السياق نفسه، امتدح أسامة الأزهري، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية دعوة شيخ الأزهر لإحياء فتوى الكد والسعاية. ووصفها بأنها "شديدة التميز، وتمثل ضمان وحماية مادية واقتصادية واجتماعية للمرأة، وتمثل دعم للمرأة في كل أحوال الأزمات المتمثلة في وفاة الزوج أو الانفصال".

على الجانب الآخر، هوجمت الدعوة من قِبل بعض التيارات الدينية الأكثر تشدداً، فعلّق الشيخ السلفي خالد الحويني على حسابه على منصة إكس -تويتر سابقاً- قائلاً: "لا يوجد في الإسلام ما يسمى بحق الكد والسعاية، وقصة حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لزوجة بنصف تركة زوجها المتوفى واقعة عين، كانت الزوجة شريكة لزوجها في تجارته، فهو من باب الديون يستحقه صاحبه رجلاً كان أم امرأة قبل تقسيم تركة الميت".

كذلك، قال الشيخ أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: "في المعاملات المالية يمكن للزوجة أن تحصل على نصيبها كأي شخص أجنبي، وهذا لا خلاف عليه، لكن هذا الأمر لا يجب أن يتعدَّى إلى الأعمال المنزلية.. السيدة فاطمة الزهراء كانت تكد داخل المنزل وكان سيدنا علي بن أبي طالب يكد خارج المنزل، لكن لا يجب أن نقول إن للمرأة حقاً في زوجها إذا مسحت وكنست وأدت الأعمال المنزلية لأن هذا الأمر سينزل بها من مرتبة الزوجة إلى خادمة".

في أغسطس من العام الماضي، تجدد النقاش مرة أخرى حول الفتوى في جلسات "الحوار الوطني" التي شارك فيها العديد من الباحثين والمتخصصين. رفض البعض الصياغة القانونية للفتوى.

على سبيل المثال، قالت المحامية المتخصصة في قضايا الأسرة، رشا صبري إن عدم الصياغة المثالية للفتوى قد تتسبب في فتح أبواب تحايل كثيرة جداً، فقد لايكون للسيدة أي دور في ثروة زوجها وشريرة ومؤذية جدًا وبعد الانفصال تحصل على نصف ثروته، فهناك من يتزوج طمعاً في الأموال.

 

في قوانين الدول العربية

 

بالتزامن مع الجدل الفقهي- الحقوقي الذي أُثير حول فتوى الكد والسعاية، قُدمت بعض المواد القانونية المُقترحة في مسودة القانون الجديد للأحوال الشخصية في مصر. تضمنت بعض المواد اقتراحاً لمناصفة الثروة بين الزوجين في حالة الطلاق أو وفاة أحدهما.

نص مشروع القانون على أنه "يجوز الاتفاق في وثيقة الزواج بين الزوجين على اقتسام ما تم تكوينه من عائد مادي في شكل ادخار أو ممتلكات أثناء رابطة الزوجية لكل من الزوجين وذلك في حالة الطلاق والذي من الممكن أن يكون مناصفةً أو في شكل نسبة يتم تحديدها بالاتفاق المسبق بين الزوجين".

رغم مرور فترة طويلة على الانتهاء من المسودة، لم يتم تمرير القانون الجديد حتى الآن، ولا زال مشروعه حبيس الأدراج.

يختلف الوضع في بعض الدول العربية، فقد عرف حق الكد والسعاية طريقه للعديد من المدونات القانونية المعمول بها. في سنة 1998م، اعتمدت تونس حق الكد والسعاية بشكله القانوني، وذلك عندما أقرت ما عُرف باسم "نظام الاشتراك في الملكية بين الزوجين".

بموجب هذا النظام منح القانون التونسي الزوجين الحرية في اختيار النظام المالي الذي يرغبان به. فصار بوسع الأسرة أن تحدد موقفها من فكرة حصول الزوجة على نصف الثروة في حالة وفاة الزوج أو الطلاق.

وفي المغرب أيضاً، تم تقنين حق الكد والسعاية في مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004.

نصت المادة رقم 49 أن "لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما فى إطار تدبير الأموال، التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها، و يضمن هذا الاتفاق فى وثيقة مستقلة عن عقد الزواج. يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام سالفة الذكر".

ووضعت المادة بعض الضوابط المنظمة لاقتسام الثروة، فذكرت "إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدّمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة".

كذلك اعترفت بعض المدونات القانونية الخليجية بمبدأ الكد والسعاية، فعلى سبيل المثال جاء في المادة رقم 62 من قانون الأحوال الشخصية الإماراتي "المرأة الراشدة حرة فى التصرف فى أموالها، ولا يجوز للزوج التصرف فى أموالها دون رضاها، فلكل منهما ذمة مالية مستقلة. فإذا شارك أحدهما الآخر فى تنمية مال أو بناء مسكن ونحوه كان له الرجوع على الآخر بنصيبه فيه عند الطلاق أو الوفاة".

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- ا ف ب
صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- تعبيرية

عرفت الحضارة العربية الإسلامية تنوعاً فريداً من نوعه، إذ حظي معظم الفنون برعاية السلاطين والأمراء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وأثبتت الموسيقى حضورها كأحد الفنون المهمة في بلاطات الحكام والأوساط الشعبية على السواء.

وتمكن الموسيقيون -رغم النظرة الفقهية السائدة المحرمة للموسيقى- من ممارسة فنهم أغلب الأحيان. فعلى ماذا استند الفقهاء في تحريمهم للموسيقى والغناء؟ وكيف انتشرت الموسيقى رغم ذلك؟ وما أبرز الفتاوى التي أباحت الموسيقى قديماً وحديثاً؟

 

التحريم والمنع

وقف أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً متشدداً من الموسيقى والغناء، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والشواهد، منها "الآية السادسة من سورة لقمان" ونصها "...وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...".

قال بعض الصحابة -منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن العباس- إن "لهو الحديث الوارد في الآية هو الغناء" كما ذكر محمد بن جرير الطبري في تفسيره.

أيضاً، استند الفقهاء لبعض الأحاديث والآثار التي رفضت إجازة الغناء والألحان، من ذلك ما ورد في "صحيح البخاري" منسوباً للرسول محمد "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف"، و"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عن مصيبة". فضلاً عن الأثر المنسوب لعبد الله بن مسعود "الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقل".

اعتماداً على تلك الأدلة، ذهب عدد كبير من الفقهاء إلى تحريم الموسيقى والغناء بشكل قاطع، أمثال شمس الدين القرطبي، وابن الصلاح، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

كما ذكر محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة "اتفقت على تحريم آلات الطرب كلها".

لم يقتصر هذا التحريم على علماء أهل السنة والجماعة وحدهم، بل شاركهم فيه أغلب الفقهاء المنتمين إلى المذهب الشيعي الإمامي. على سبيل المثال، أجاب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق على سؤال حول حكم الغناء بأن "...الغناء حرام كله وهو الكلام اللهوي الذي يؤدي بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، بل يحرم أيضاً علي الأحوط الكلام غير اللهوي الذي يؤدي بتلك الألحان...".

 

أسباب الانتشار

عرفت الموسيقى والأغاني طريقها إلى مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، وتمكنت من الانتشار بين العامة والخاصة على السواء، كما وثق المؤرخون.

بدأ هذا الانتشار في بدايات الحضارة الإسلامية. يذكر الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "الفتح الرباني" أن المؤرخين نقلوا العديد من الروايات التي تثبت أن بعض الصحابة سمعوا الغناء والموسيقى ولم يجدوا فيهما بأساً على الإطلاق. من هؤلاء  عبد الله بن الزبير الذي "كان له جوار عوادات".

وأورد الشوكاني أن "عبد الله بن عمر بن الخطاب دخل على ابن الزبير وكان بجواره عود، فقال له (ما هذا يا صاحب رسول الله؟) فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، وقال (هذا ميزان شامي)، فرد ابن الزبير (توزن به العقول)".

وأضاف أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كان من المشهورين بسماع الموسيقى، وأن عبد الله بن عمر لما وجد رجلاً يريد أن يبيع جارية تضرب على العود، نصح الرجل بعرضها على ابن جعفر، فنفذ الرجل مشورته، وباع الجارية.

في السياق نفسه، أكد الشوكاني أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص سمعا الغناء، وأن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان معتاداً على سماع الموسيقى قبل أن يصل لكرسي الخلافة.

بشكل عام، تتعدد الأمثلة على انتشار الموسيقى والغناء في الدولة الإسلامية، وكثيراً ما عُرف الموسيقيون بممارسة العلوم الشرعية. في أواخر القرن الثاني الهجري اشتهر آمر مفتي المدينة، يوسف بن الماجشون، ويذكر المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أنه "كان مولعاً بسماع الغناء ارتجالاً وغير ارتجال..."، كما يُنقل عن المحدث المشهور يحي بن معين أنه كان يذهب ليوسف ليسمع منه الحديث "وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة، يقصد آلة العزف...".

في القرن الثالث الهجري، وبالتزامن مع حالة الترف التي عرفها المسلمون تحت لواء الدولة العباسية، ظهر الموسيقي الشهير أبو إسحاق الموصلي الذي كان مقرباً بشكل كبير من الخليفة هارون الرشيد. وقد وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر اعلام النبلاء" بأنه "ذو الفنون... صاحب الموسيقى، والشعر الرائق...".

كما ظهر تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المعروف باسم زرياب. بذل زرياب جهوداً كبيرة لنقل الموسيقى المشرقية للغرب بعدما غادر بغداد وسافر إلى الأندلس، لينضوي تحت لواء الدولة الأموية في قرطبة.

من جهة أخرى، لعب زرياب دوراً مؤثراً في تطوير التقنيات الموسيقية عندما أضاف وتراً خامساً للعود، وأدخل على الموسيقى مقامات لم تكن معروفة قبله، أما أعظم أعماله فكان إشرافه على "دار المدنيات" التي اُفتتحت زمن الخليفة عبد الرحمن الأوسط وضمت العشرات من المغنيات البارعات في فنون الغناء والعزف.

في القرن الرابع الهجري، ازداد انتشار فن الموسيقى في جنبات العالم الإسلامي حتى قام أبو الفرج الأصفهاني بتأليف كتابه الشهير "الأغاني"، وهو موسوعة أدبية، جمع فيها الاصفهاني الأغاني والألحان المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكر الطرق المختلفة للغناء.

 

إباحة الموسيقى

بدأ الاتجاه الفقهي المُجيز للموسيقى يزداد قوة في الأندلس في القرن الخامس الهجري على يد الفقيه الظاهري الشهير أبو محمد علي بن حزم القرطبي.

في كتابه "المُحلى"، شكك ابن حزم في جميع الأحاديث التي ذكرت تحريم الغناء والموسيقى، وقال "لا يصح في هذا الباب -يقصد باب تحريم الموسيقى والغناء- شيء أبداً، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددنا في الأخذ به...".

في الوقت نفسه تقريباً، كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقود حملة روحانية صوفية لتذكية النفس في المشرق الإسلامي، فأباح الغناء والسماع باعتباره وسيلة لخلاص الروح وتحريرها.

مما قاله الغزالي في ذلك "مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج".

في العصر الحديث، تزايدت الفتاوى المُجيزة للغناء والموسيقى بشكل ملحوظ، ففي كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" تعرض الشيخ المصري محمد الغزالي لتلك المسألة الجدلية، قائلاً "النبي مدح صوت الصحابي أبي موسى الأشعري عندما سمعه يتغنى بالقرآن. وقال له (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)". يعلق الغزالي على تلك القصة "لو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى ونفر في سماعها؟".

ذهب رجل العالم السنّي يوسف القرضاوي إلى المعنى نفسه، عندما ناقش حكم الغناء في بحث منشور على موقعه الإلكتروني، قال في خاتمته "...والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح...".

هذا التوجه المُجيز للغناء، سيزداد قوة عندما يرتبط ببعض المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، فضلاً عن بعض المرجعيات الشيعية القوية في العالم الإسلامي. على سبيل المثال، قال مفتي مصر الأسبق علي جمعة في فتوى رسمية "الأغاني والموسيقى منها ما هو مُبَاحٌ سماعه ومنها ما هو مُحَرَّمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح... فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينياً أو وطنياً أو كان إظهاراً للسرور والفرح في الأعياد والمناسبات...".

المعنى نفسه، ذهب إليه شيخ الازهر السابق محمد سيد طنطاوي، عندما أجاب على سؤال حول حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورد رزق، حيث قال "سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أياً كانت آلاتها من المباحات، ما لم تكن محركةً للغرائز باعثةً على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنةً بالخمر والرقص والفسق والفجور واتُّخِذَت وسيلةً للمحرمات...".

الأمر ذاته، قال به المرجع الشيعي اللبناني السابق محمد حسين فضل الله، عندما اعتبر أنّ الأغاني "لا تدخل في باب المحرّمات، إذا ما لامست القيم الإنسانيّة والفكرية العميقة في مضمونها، وترافقت مع موسيقى راقية".

في السنوات الأخيرة، بدأ الموقف الفقهي المتسامح مع الموسيقى والغناء يكسب أرضاً جديدة في السعودية وباقي دول الخليج العربي، تزامن ذلك التغيير الفقهي مع تغير سياسة النظام الحاكم في السعودية عقب وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في سنة 2017.

وتُعدّ فتوى الشيخ السعودي عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، التي أباح فيها الغناء، من أشهر الحالات المبينة لتغير وجهة نظر بعض الفقهاء بخصوص الحكم في تلك المسألة.

أكد الكلباني في فتواه أن الغناء مباح "شريطة ألا يصحبه مجون أو سكر أو تلفظٌ بكلامٍ ماجن"، وأنه "لا يوجد نص صريح في الكتاب أو السنة ينص على تحريم الغناء"، كما ذكر أنه "يمكن تعليم الموسيقى في مدارس السعودية".

أثارت الفتوى الكثير من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها، خصوصاً بعدما تبعتها فتوى مشابهة من الداعية الإماراتي وسيم يوسف، إذ تراجع في فتواه عن رأيه السابق في تحريم الموسيقى، وقال في برنامجه "من رحيق الإيمان"، الذي تبثه قناة "أبو ظبي" إن أدلة تحريم الموسيقى "ضعيفة. ولا يمكن التعويل عليها".

اُنتقدت  تلك الفتاوى من قِبل العديد من علماء السعودية المحافظين على النهج الوهابي السلفي. في هذا السياق، قال مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، إن "الدعاة الذين غيروا مواقفهم تجاه الغناء وسماع الموسيقى منتكسون عن الحق"، واستبعد أن تكون خطوة تغيير آرائهم نابعة من مراجعات فكرية حقيقية.