رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف، 12 أغسطس 2017
رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف- تعبيرية

تأسست الحوزة العلمية في النجف على يد الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في نهاية العهد البويهي وبداية السلجوقي (1056 ميلادي)، وكان تدريس العلم فيها بحسب المؤرخ العربي ابن الأثير، بدأ منذ القرن الثالث الهجري وازدهر في عهد عضد الدولة البويهي، وعلا شأن الحوزة بعد هجرة الطوسي إليها.

استمرت على هذه الحال مقصداً لطلاب العلم من سائر الأقطار الإسلامية، حتى بلغ عدد طلابها قبل الاحتلال الإنجليزي (1914) عشرة آلاف طالب.

أدت حوزة النجف إلى جانب دورها الديني التعليمي دوراً سياسياً كبيراً في حياة العراق والشيعة أينما وجدوا، حيث قادت "ثورة العشرين" ضد الانتداب البريطاني، وكان أحد علمائها ومراجعها الكبار السيد الشيرازي وراء "فتوى تحريم التنباك" الشهيرة أواخر القرن التاسع عشر، وأدت إلى ما يطلق عليه "ثورة التنباك".

وكانت حوزة النجف المكان شبه الوحيد الذي يستطيع المتخرج منه أن يكتسب شرعية العالم، ويصبح مبلّغاً أو مفتياً أو مجتهداً. وعلى الرغم من أن مدارس شيعية دينية عديدة فتحت أبوابها للطلاب في فترات مختلفة في إيران ولبنان والجزيرة العربية وأفغانستان وباكستان وسواها من أماكن الانتشار الشيعي، إلا أن النجف حافظت طوال عقود على دورها المركزي في إضفاء شرعية على رجال الدين الذين يتخرجون منها.

ويعود ذلك لحضور كبار فقهاء الشيعة في مقدمهم المرجع الأعلى (حاليا علي السيستاني)، الحوزة، بالإضافة للقدسية التي تحظى بها النجف بسبب وجود مقام الإمام علي فيها، وعلى مقربة منها مدينة كربلاء حيث قتل ابنه الإمام الحسين في الموقعة الشهيرة.

أثّرت حوزة النجف وأثْرَت العديد من تجارب رجال الدين الشيعة اللبنانيين الذين تخرجوا منها، ونقلوا إلى مجتمعهم ثقافة دينية منفتحة وعكسوا ما تعلموه هناك على تجاربهم السياسية، كما أسهموا بشكل غير مباشر في خلق تنوّع سياسي في الطائفة الشيعية داخل لبنان. من بين هؤلاء: محمد مهدي شمس الدين وموسى الصدر ومحمد حسين فضل الله وهاني فحص ومحمد حسن الأمين وغيرهم.

 

لماذا النجف؟

يروي رجل الدين اللبناني الراحل هاني فحص في كتابه "ماض لا يمضي- مذكرات ومكوّنات عراقية" كيف كانت المدارس في النجف منفتحة على قبول الثقافات المتعددة الواردة إليها من مختلف أصقاع العالم العربي والإسلامي، إلى درجة أن اللبنانيين في النجف، كما يكتب فحص، قاموا بـ"رقص الدبكة في المدرسة (الدينية) ما عرّضهم للمضايقة في أوساط الطلبة والعلماء والأسواق".

وكان هناك شيء من الامتعاض من اللبنانيين بسبب "لبسهم لساعات اليد وانتعالهم أحذية حديثة وهجرهم (المداس) مبكراً وارتداء بعضهم البنطلون تحت جبّته، أو قميصاً ملوناً أو ذا ياقة حديثة"، بحسب فحص.

ويتحدث عن الدور الذي لعبه نظام صدام حسين في بروز حوزة قم على حساب النجف، وتحوّلها إلى بديل عنها: "أصبحت حوزة قم موازية للنجف إيرانياً وجزئياً، إذ إن قلة من الطلاب وفدوا إليها من باكستان والهند وأفغانستان، ثم أخذت حوزة قم تتحول تدريجياً إلى بديل للنجف بعد الثورة الإسلامية وتأسيس الدولة باستقطاباتها الكثيرة وشديدة التركيز، وبعد مضيّ النظام العراقي في عملية تفكيك النجف حوزة وموقعاً ودوراً وتراثاً علمياً وأدبياً وجهادياً".  

أثر النجف في فحص كبير جداً، كما قال نجله الصحافي والمحلل السياسي مصطفى فحص، وهو ليس أثراً دينياً او عقائدياً بقدر ما هو أثر "معرفي واجتماعي وثقافي وتعدّدي".

وأكد أن "النجف شكلت التكوين الأساسي لتكوينه المعرفي. وقد بقي هذا الأثر في السيد هاني فحص طوال عمره، في لهجته ولغته ومفرداته، بطربه وذائقته الشعرية، وحتى في حزنه".

هناك نماذج كثيرة لشخصيات درست في النجف لكن اتجهت لاحقاً إلى المنحى اليساري في التفكير والتنظير، يشرح الصحافي علي الأمين، وهو نجل رجل الدين الشيعي اللبناني الراحل محمد حسن الأمين، الذي درس الفقه في حوزة النجف.

من هذه النماذج يسمّي الأمين المفكر اليساري حسين مروة، صاحب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية"، الذي اغتيل بمسدس كاتم للصوت وهو طريح الفراش عام ١٩٨٧.

يضيف "كانت هناك حالات مماثلة في النجف الذي كان مؤسسة دينية لكنه أيضاً مؤسسة تعليمية أكاديمية. وقد تعرف الكثير من طلاب الحوزة في النجف على الأدب العالمي والفلسفة والترجمات في أروقة النجف وهو ما فتح أمامهم آفاقاً ثقافية رحبة".

وذهب محمد حسن الأمين للدراسة في العراق عام ١٩٦٠  حين كان بعمر ١٤ سنة، وعاد إلى لبنان عام ١٩٧٢، أي انه أمضى ١٢ عاماً من مراهقته وشبابه في النجف، وهذه السنوات كما يصفها علي "لعبت دوراً أساسياً في تكوين شخصيته على المستوى الفكري والثقافي والديني".

وظلّ والده يتردد إلى العراق حتى اغتيال المرجع محمد باقر الصدر عام 1980، إذ انقطع عن زيارة العراق لأسباب أمنية، وبقيت علاقاته قائمة بجميع من ارتبط بهم في العراق بصداقات وزمالات في الحوزة، خصوصاً مع خروج عدد منهم من العراق في فترة حكم حزب البعث ولجوء بعضهم إلى لبنان وسوريا والأردن وإيران.

 

بين المحافظة والاعتدال

الباحث والكاتب أحمد محسن في صدد مناقشة رسالة دكتوراة حول العائلات الدينية الشيعية في لبنان في كلية العلوم الدينية بجامعة القديس يوسف في بيروت، وهو درس أثر حوزة النجف في المشهدية الشيعية، ويميّز بين ثلاثة أنواع أكثر بروزاً من التديّن الشيعي في لبنان: الأول محافظ وراديكالي الذي يشكّل حزب الله أحد وجوهه الأساسية، والثاني ليبيرالي من أبرز وجوهه موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وآخرون، وتيار ثالث وسطي تزعمه محمد حسين فضل الله.

يبين محسن: "تواجد العديد من رجال الدين المذكورين في فترة متقاربة في النجف وكانوا جزءاً من النقاشات التي تخاض على هامش التعليم الديني، وكانت تتمحور حول العداء للأنظمة العربية القمعية، والخوف والقلق من تمدّد اليسار".

ويتابع أن ما يُرى اليوم على أنه "اعتدال" في طبيعة الحوزة النجفية، لم يكن في الواقع في زمنه اعتدالاً، إذ اعتبرت الحوزة مؤسسة محافظة، وقد خرج منها مثلاً "حزب الدعوة" وكان هناك عداء شديد لليسار، لكن بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران باتت معتدلة مقارنةً مع الأفكار التي نتجت عن الثورة الخمينية وتعدّ اليوم بالنسبة للمحافظين القدامى، راديكلية.

حول هذه النقطة يقول مصطفى فحص إن النجف مدرسة فقهية مركزية، و"تقليديتها تتأتى من مواجهة المدارس الفقهية الشيعية الفرعية الأخرى".

قد توحي حوزة النجف، بحسب فحص، أنها "اكليروس يميني تقليدي"، لكنها في شأنها الاجتماعي "أقرب إلى اليسار في تعاطيها مع الفقراء".

من هنا يفسّر محسن تقاطع بعض رجال الدين الذين عادوا من النجف مع اليسار اللبناني، ولكنه يعتقد أن هذا التقاطع في بعض جوانبه بقي شكلياً.

في هذا السياق، يلاحظ الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية قاسم قصير أن هناك شخصيات شيعية لبنانية "تأثرت باليسار وكذلك بالقومية والبعث ولاحقا بالثورة الفلسطينية". لكن هذا التاثير تراجع مع تراجع دور الاتحاد السوفياتي وتقدم الفكر الإسلامي.

من جهته، يرى علي الأمين أن حوزة النجف "شهدت صراعين بين وجهتين، الأولى تقليدية والثانية تجديدية"، لكن هذا لا يعني دائماً أن التجديد يكون أفضل من التقليد.

"فولاية الفقيه يمكن اعتبارها وجهة تجديدية حينما نظّر لها الإمام الخيميني في النجف قبل انتقاله إلى باريس ومنها إلى طهران مع انتصار الثورة الاسلامية في إيران. وجاء مفهوم ولاية الفقيه كانقلاب على مسار تاريخي حوزوي، ولم تكن أجواء المؤسسة الدينية الشيعية التقليدية مؤيدة لولاية الفقيه، لأن هناك فكرة راسخة في الثقافة الشيعية أن الدولة الدينية لا تقوم إلا مع ظهور الإمام المهدي المنتظر (محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية)"، يتابع الأمين.

هذا الأمر خلق انقساماً طابعه سياسي بين حوزتيّ النجف وقم، ولكن قصير يرفض الحديث عن خلاف بين حوزتيّ النجف وقم، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن النجف شهدت تنوعاً دينياً وفكرياً سمح بوجود أفكار متعددة ومتنوعة مثل التجديد في الفكر والفقه الشيعي، وهذه طبيعة الحوزات الدينية الشيعية.

الأمر نفسه ينطبق على قم، يضيف قصير "لكن انتصار الثورة الإسلامية في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية جعل هناك انطباعاً كأن حوزة قم غير حوزة النجف، مع أن الإمام الخميني أقام في النجف".

كذلك، فقد عاش قائد الثورة الإسلامية في إيران روح الله الخميني، بالفعل في النجف ونظّر منه لولاية الفقيه وألقى محاضرات حول "الحكومة الإسلامية".

لكن هذا لا يعني، بحسب مصطفى فحص، أن هناك صراعاً بين قم والنجف، بل "وجود مدارس دينية وفقهية وأحيانا تخرج من قم أفكار فقهية تنويرية أهم من النجف. ولهذا يجب إنصاف قم كإحدى المدارس الدينية التي تحاول أن يكون لها موقع على الخارطة الفقهية الشيعية لكنها ليست في تصادم مع النجف، فالتصادم يحدث بين النجف وما تمثله وبين طهران وما تمثله من سياسات لمحاولة إنتاج رجل دين شيعي ينتمي إلى فكرة الإسلام السياسي الشيعي المأخوذ من مدرسة الإخوان المسلمين، وممارسة السياسة من باب ولاية الفقيه، التي يعارضها النجف وهي غير موجودة في مدارسه".

يتابع فحص: "هناك صراع بين طهران مركز إدارة ولاية الفقيه وما بين النجف الذي يرفع شعار ولاية الأمة على نفسها".

في هذا السياق يذكر الأمين أن "الشيخ محمد مهدي شمس الدين كان في بداياته في حوزة النجف، يدور في فلك حزب الدعوة، لكنه ترك العمل السياسي مع "الدعوة" مبكراً، وتحوّل لاحقاً إلى أهمّ المراجع في نقد ولاية الفقيه، كما "نظّر لولاية الأمّة على نفسها في مقابل ولاية الفقيه العامة"، وهو عنوان الكتاب الذي صدر بعد وفاة شمس الدين وحمل خلاصة فكره الفقهي.

 

كيف انعكس كل هذا على شيعة لبنان؟

يقول الصحافي اللبناني علي الأمين، إن "الولاء في لبنان لحزب الله سياسي وطائفي وليس فقهياً، كما أن مقلدي مرجعية السيد علي السيستاني في العراق من اللبنانيين أكثر بكثير من مقلدي السيد علي خمنئي في إيران".

ويرى أن المحزّبين والكوادر في حزب الله هم الذين يتبعون ولاية الفقيه فقهياً وفي الممارسة الدينية اليومية، وهؤلاء أقلية في المجتمع الشيعي. فجمهور حركة أمل مثلاً في غالبيته الساحقة لا يقلّد خمنئي وولاية الفقيه، بل يقلد معظمهم السيستاني أو محمد حسين فضل الله، وأبناءه ومؤسسته من بعده.

من جهته، يقول قاسم قصير، إن "دور النجف الأشرف موجود في لبنان عبر وكلاء المراجع ومن خلال العلاقة بين جهات سياسية كحركة أمل مع مرجعية السيستاني، لكن دور إيران أقوى لأنها دولة كبرى وإسلامية وأصبح لها تاثير مباشر على الصعيد الشعبي".

يضيف الأمين، أن "حزب الله" اليوم يركز على العصب الطائفي وليس على ولاية الفقيه، التي لا تشكّل رافعة لمؤيديه. وقد أشهر منذ بداياته ولاية الفقيه والتسويق لها كمرجعية فقهية في وجه مرجعية النجف، وكان الحزب يهاجم السيد الخوئي في الثمانينات وبداية التسعينات، كجزء من الهجوم على النجف".

كذلك، فإن خرّيجي حوزة النجف في لبنان، ووالد الأمين أحدهم "لم يكونوا متطابقين ولا يجمعهم سياق تنظيمي أو مؤسساتي ولا ينتمون إلى حزب واحد أو يشكلون فئة بعينها، بل كانوا يحملون فكراً متنوعاً وحيوياً فيه اختلافات متعددة ويشبه المجتمع اللبناني"، على حدّ تعبيره.

ويعتقد أنه "لم يكن للنجف أي دور في خلق بعد أيديولوجي أو سياسي يتعلق بالخلافة الإسلامية أو دولة اسلامية، ولم تطرح أبداً فكرة فصل الشيعة عن أوطانهم، أو جعلهم جزءاً من أمة كبرى عابرة للبلدان، وهو ما جاءت به ولاية الفقيه".

مواضيع ذات صلة:

بُني الجامع الأزهر على يد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله سنة 972 للميلاد.

بُني الجامع الأزهر في مصر سنة 362هـ/ 972م على يد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله. لم يمر وقت طويل على تأسيسه حتى أضحى جامعة دينية إسلامية مهمة، وهو بتلك الصفة، يُعدّ ثالث أقدم جامعة في العالم بعد جامعتي الزيتونة والقرويين.

حالياً، يحظى الأزهر بنفوذ قوي في شتى جنبات العالم الإسلامي، ويراه الكثيرون المرجعية الأهم في العالم السني.

 كيف تحوّل الأزهر من التشيع إلى المذهب السني؟ وكيف رسخ أقدامه في مختلف القارات عبر السنين؟ وما هي أبرز التصريحات التي صدرت عن مشيخته في الفترة الأخيرة؟.

 

من التشيّع إلى المذهب السنيّ

في سنة 362 للهجرة، وصل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر، واتخذ من القاهرة عاصمة جديدة للدولة، ولم يمر وقت طويل، حتى أمر بتشييد جامع جديد في القاهرة، وأراد أن يكون هذا الجامع منبراً للدعوة الإسماعيلية الفاطمية.

عُرف هذا الجامع في بداية الأمر باسم "جامع القاهرة"، ثم تغير اسمه بعد فترة للجامع الأزهر، وذلك بحسب ما يذكر الباحث المصري، الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه "تاريخ مصر الإسلامية".

يرى البعض أن هذا الجامع عُرف بالأزهر نسبةً لقصور الزهراء التي بناها المعز لتكون مقراً لسكن الفاطميين في القاهرة، في ما يرجح آخرون أن التسمية ترجع للقب الزهراء، وهو اللقب الذي اشتهرت به السيدة فاطمة بنت النبي محمد في المصادر الشيعية.

يلقي الباحث المصري محمد عبد الله عنان في كتابه "تاريخ الجامع الأزهر في العصر الفاطمي" الضوء على تلك الفترة، فيقول: "لم يُنشأ –الأزهر- في الأصل ليكون جامعة أو معهداً للدرس، وليس ثمة في ظروف إنشائه ثم في ظروف حياته الأولى ما يدل على أنه أنشئ لمثل هذه الغاية، وإنما أنشئ ليكون مسجداً رسمياً للدولة الفاطمية في حاضرتها الجديدة، ومنبراً لدعوتها الدينية، ورمزاً لسيادتها الروحية".

بعد فترة من إنشائه، تحول الأزهر إلى مدرسة وجامعة كبيرة، ودُرست فيه مختلف المعارف والعلوم الشيعية الإسماعيلية.

في هذا المعنى يقول الباحث المصري محمد عبد المنعم خفاجي، في كتابه "الأزهر في ألف عام": "فلابد أن يكون الأزهر قد أسهم في الحركة العقلية والعلمية في عصر المعز والعزيز بالله، وأن يكون أعلام الدين واللغة والأدب قد اتخذوا منه حلقة علمية منظمة".

في هذا السياق، ارتبط الأزهر بأسماء مجموعة من كبار علماء الشيعة الإسماعيلية، من أمثال القاضي النعمان، ابن حيون المغربي، وأبنائه، ويعقوب بن كلس، وداعي الدعاة الشيرازي، والرحالة ناصر خسرو، وصاحب قلعة ألموت الحسن بن الصباح الحميري.

تأثر الأزهر كثيراً بالمتغيرات السياسية التي وقعت على أرض مصر، وأُغلق بعد سقوط الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي في سنة 567هـ/ 1174م، وظل بعيداً عن المشهد حتى قيام الدولة المملوكية في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي.

في تلك الفترة، أُعيد افتتاح المسجد وتم صبغه بالصبغة السنية، ليتخذ مكانه واحدا من أهم الجامعات السنية المعروفة في الشرق الإسلامي.

وفي العصر العثماني، لم تتراجع مكانته، وبقي المؤسسة الدينية المنافسة لمشيخة الإسلام في إستنبول (إسطنبول)، وبعد سقوط الدولة العثمانية على يد الأتاتوركيين في سنة 1924م، أنفرد الأزهر بالمكانة العظمى، وصار المرجعية السنية الأكثر نفوذاً في العالم الإسلامي.

يظهر ذلك النفوذ من خلال ثلاثة أدلة رئيسية، وهي دوره في التعليم الديني المؤسسي المنتشر بين العديد من المسلمين حول العالم، وتأثيره في المراكز الإسلامية المختلفة، فضلاً عن المشاركة السياسية واسعة النطاق.

 

الأزهر والتعليم الديني

تذكر مرفت فؤاد عبد المعطي، -الباحثة بدار الوثائق القومية المصرية في دراستها "دور الأزهر في نشر الفكر الإسلامي الوسطي من واقع ملفات الخارجية المصرية"- أن الدولة المصرية أدركت دور الأزهر القادر على دعم علاقاتها الدبلوماسية الخارجية بعد ثورة 1952، لذا، عملت الدولة على الاستثمار في التعليم الأزهري، وساعدت في نشر هذا النوع من التعليم في مختلف دول العالم الإسلامي.

وفي هذا السياق، ألقى الباحث المصري صبري محمد حمد في دراسته "النفوذ الجغرافي العالمي لجامعة الأزهر" الضوء على دور جامعة الأزهر في استقطاب الطلبة المسلمين من شتى دول العالم. يذكر حمد أن الجامعة نجحت في استقطاب الطلبة من أكثر من 100 دولة في مختلف قارات العالم.

ويشرح تطور أعداد الدارسين فيذكر أن أعداد ونسب الوافدين من دول الأقليات المسلمة كانت قليلة خلال الستينيات والسبعينيات، وتقل عن 10% في معظم السنوات، وكانت أعلى بين دول قارة آسيا نظراً لارتفاع عدد السكان بها بالمقارنة بالدول الأفريقية.

ويوضح حمد أنه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأت أعداد الطلبة الوافدين في التزايد بشكل متدرج، فوصلت نسبتها إلى ما يزيد على 10% من مجموع الطلبة، وبلغت متوسط الـ 15 % في منتصف الثمانينيات، وظلت تتأرجح بين 15% وأقل من 20% في السنوات الأخيرة، وكانت أعلى الأعداد من قارة آسيا (تايلاند والفلبين وسيرلانكا والصين).

في السنوات السابقة، وضح نفوذ الأزهر في منطقة جنوب شرق آسيا على وجه التحديد في العديد من المواقف المثيرة للجدل، فعلى سبيل المثال في مايو 2023، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لرجل الدين المصري أسامة الأزهري مستشار الرئيس المصري للشؤون الدينية وأحد علماء الأزهر، مرفوعا على كرسي فوق جموع في إندونيسيا، الأمر الذي أثار تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، وبيّن المكانة العظيمة التي يتمتع بها الأزهر في تلك الأنحاء.

ولم يقتصر نفوذ الأزهر التعليمي على أسيا فحسب، بل امتد بأشكال مختلفة إلى قارة أوروبا أيضاً.

وفي سبتمبر 2021م، التقى شيخ الأزهر بسفير البوسنة في مصر، وقرر مضاعفة عدد المنح الدراسية مع تيسير الإجراءات لإلحاق الطلاب الراغبين والمؤهلين للدراسة فيه من البوسنة والهرسك.

من جهته، أعرب السفير البوسني عن شكره وتقديره لمؤسسة الأزهر، مؤكدا أن خريجيها يتبؤون مناصب قيادية في البوسنة ويتولون أمور الدعوة، الأمر الذي يعكس الحضور الأزهري المهم في منطقة البلقان وجنوبي أوروبا.

 

الأزهر والمراكز الإسلامية

نجح الأزهر في العقود الماضية في توطيد نفوذه  بالعديد من دول العالم من خلال دعم وتأسيس المراكز الإسلامية.

تذكر مرفت فؤاد عبد المعطي في دراستها بعض الأمثلة الواضحة على ذلك، ومنها الشيخ محمد عليش، الذي أسهم في نشر الدعوة الإسلامية بدولة تشاد، وأنشأ المعهد العلمي في مدينة أبشة، وأدخل إدارته ومناهجه الدراسية تحت إشراف الأزهر، يالإضافة إلى الشيخ أحمد ماهر إسماعيل مفتي كلونيا بألمانيا، الذي درس في الأزهر لفترة طويلة قبل أن يعود إلى ألمانيا ليتم اختياره في منصب الرئيس الأعلى لقضاة المحاكم الشرعية والإفتاء هناك.

في كتابه "الأزهر ودوره السياسي والحضاري في أفريقيا" ذكر الباحث المصري شوقي الجمل أسماء مجموعة من المراكز الإسلامية التي دعمها الأزهر في الآونة الأخيرة داخل القارة الأفريقية، ومنها كل من المركز الثقافي العربي في سيراليون، ومركز الثقافة العربية في نيجيريا، والمركز الإسلامي في دار السلام بتنزانيا، والمركز الثقافي الإسلامي في ساحل العاج.

لم تكتف مشيخة الأزهر بتقديم الدعم فحسب، بل قامت بإنشاء مجموعة من المراكز التابعة لها بشكل كامل.

على سبيل المثال أسس الأزهر مركزين ثقافيين جديدين في آسيا، أحدهما في إندونيسيا والآخر في باكستان، وتتكون نواتهما من مجموعة من علماء الأزهر الذين يجيدون لغات متعددة، ويساعدهم في أعمالهم عدد كبير من الدعاة الإندونيسيين والباكستانيين.

من جهة أخرى، في يونيو 2015، دعم الأزهر نفوذه خارج المنطقة العربية من خلال افتتاح "مرصد الأزهر لمكافحة التطرف".

يعمل المرصد بـ 12 لغة أجنبية حية، منها الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، واليونانية، والألمانية، والفارسية، والتركية، والأردية، وتتمثل مهمة المرصد في متابعة كل ما ينشر عن الإسلام والمسلمين على مواقع شبكة المعلومات الدولية وصفحات التواصل الاجتماعي.

كما يقدم المرصد دراسات دورية متخصصة في ظواهر التطرف والإسلاموفوبيا.

حظي المرصد باهتمام واسع النطاق من قِبل قطاعات كبيرة من المسلمين غير العرب، وتمكنوا من خلاله من التعرف على العديد من الفتاوى والآراء الفقهية والشرعية.

 

دور المشيخة في الأحداث السياسية

لعب الأزهر أدواراً سياسية مهمة في العقود الأخيرة، ففي خمسينيات القرن العشرين، وبالتزامن مع وصول الضباط الأحرار للحكم في مصر، قدم الأزهر دعمه للحركات الوطنية في الدول الأفريقية كالحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان، وحركة الشيخ عثمان بن فودي، وحركة الشيخ أحمد لوبو، وحركة الحاج عمر التكروري في غربي أفريقيا،

وفي سنة 2014، وبالتزامن مع سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر أعلنت أبو ظبي عن تشكيل تجمع تحت اسم "مجلس حكماء المسلمين"، واختير أحمد الطيب، شيخ الأزهر لرئاسته، وقد نُظر للتجمع وقتها باعتباره مؤسسة دينية منافسة "للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الذي يرأسه يوسف القرضاوي، ويقع مقره في العاصمة القطرية الدوحة، الأمر الذي بيَن التوجه السياسي الأزهري المعادي لأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وتيارات الإسلام السياسي.

من جهة أخرى، عبّر الأزهر في السنوات الأخيرة عن رأيه في العديد من الأحداث السياسية التي تمسّ العالم الإسلامي.

وفي فبراير 2016م قال أحمد الطيب إن: "الحرب في سوريا ليست بين السنة والشيعة بل بين أمريكا وروسيا، وأن الشيعة والسنة إخوة ولم يعرف التاريخ أي خلافات بينهما".

وفي سبتمبر 2017م، شارك الأزهر في مؤتمر "طرق السلام" الذي عقد بمدينة مونستر بألمانيا، والتقى أحمد الطيب المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل، وناقش الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في بورما.

وفي فبراير 2019، شارك الأزهر -ممثلاً بشيخه- في إصدار "وثيقة أبو ظبي التاريخية للأخوة الإنسانية"، والتي وقع عليها أيضا البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان. وقد اشتملت الوثيقة على مجموعة من المبادئ الإنسانية التي تهدف إلى نشر قيم الحوار والتسامح والتعايش المشترك.

وأخذت الوثيقة صيغة دولية بعد أن اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم توقيع الوثيقة يومًا دولياً للأخوة الإنسانية.

 

مؤخراً، عبّر شيخ الأزهر عن رأيه في الحرب الإسرائيلية على غزة، فقال منتقداً إن "ما يحدث في قطاع غزة ليس حرباً لكنها جريمة إبادة جماعية، كما دشن الأزهر حملة (أغيثوا غزة)، والتي قدمت المساعدات الغذائية والطبية للآلاف من المنكوبين الفلسطينيين عبر معبر رفح.