صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني
صورة تعبيرية تجمع بين العالمين المسلمين يوسف القرضاوي وعلي السيستاني

في العصور الوسطى، عرف المسلمون بعض الفنون التي تضمنت التمثيل بشكل أو بآخر، منها مسرح "خيال الظل" الذي ظهر في قصور أمراء العصر الفاطمي في القرن السادس الهجري، وفن "الأراجوز" الذي عُرف خلال العصرين الأيوبي والمملوكي وانتشر على نطاق واسع في العصر العثماني.

في القرن التاسع عشر الميلادي، بدأ التمثيل يأخذ مكانة مهمة في المجتمعات الإسلامية، باعتباره أحد الفنون المعروفة التي تمكنت من حصد إعجاب الجماهير.

في هذا السياق، اشتهرت أعمال السوري أبو خليل القباني، الذي يُعدّ أول من أسّس مسرحاً عربياً في دمشق، واللبناني مارون النقاش الذي مثّل أول رواية عربية عام 1848، والمصري عبد الله النديم الذي مثّل روايتي "الوطن" و"العرب" في مسرح "زيزينيا" بمدينة الإسكندرية وحضرها الخديوي إسماعيل.

على الرغم من كثرة الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية التي قدمها الفنانون في العالم العربي، إلا أن النظرة العامة للتمثيل أُحيطت بالعديد من علامات الشك والارتياب من قبل علماء مسلمين ورجال دين عارضوا هذا الفن حتى أنهم أفتى بحُرمته.

في المقابل، كانت هناك فتاوى إسلامية أباحت التمثيل، والغناء أيضاً كما أسلفنا في مقال سابق نُشر على موقع "ارفع صوتك". 

 

الرفض: الرأي التقليدي

في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية"، عمل الأديب اللبناني جرجي زيدان على تفسير الرفض التقليدي لفن التمثيل في الأوساط الإسلامية، فقال إن "فن التمثيل من الفنون القديمة في قارة أوروبا منذ عهد اليونان، ونقل العرب في صدر الدولة العباسية علوم اليونان الطبيعية والفلسفية والرياضية، وتجاهلوا نقل أكثر آدابهم الأخلاقية، أو الشعرية والتاريخية، ومن جملتها التمثيل".

يفسر ذلك التجاهل بقوله "لعل السبب، تجافي المسلمين عن ظهور المرأة المسلمة على المسرح، فأزهر التمدن الإسلامي وأثمر وليس فيه ثمة تمثيل...".

بشكل عام، تعرض الممثلون والفنانون العرب للتجاهل والرفض بشكل واسع من قِبل المؤسسات الدينية الإسلامية لفترات طويلة من القرن العشرين. حيث أصدر بعض رجال الدين فتاواهم الرافضة لممارسة التمثيل، وعدّوه من "خوارم المروءة"، ومن أسباب سقوط الشهادة في المحاكم الشرعية.

يُعبر الشيخ السعودي بكر أبو زيد عن تلك الرؤية في كتابه "حكم التمثيل"، فيذكر أن التمثيل نوع من أنواع الكذب، ويستشهد بالحديث المنسوب للصحابي عبد الله بن مسعود "الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا يَعد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا يُنجزه"، يتابع بعدها "...وعليه فلا يمتري عاقل، أن (التمثيل) من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مُسقِطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يُقرّه في جملته. ومن المسلمات أن التمثيل لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين...".

الرأي نفسه، ذهب إليه المفتي الأسبق للمملكة العربية السعودية عبد العزيز بن باز. جاء في إحدى فتاواه: "...الذي يظهر لنا أن التمثيل من باب الكذب، التمثيل أنه يمثل عمر، أو يمثل أبا جهل، أو يمثل فرعون، أو يمثل النبي، كلها في ما نعلم وفي ما نفتي به أنها من الكذب، يكفي الآخرين ما كفى الأولين...".

جدارية تصور الشاعر العراقي مظفر النواب بريشة الفنانة العراقية وجدان الماجد على جدار خرساني في العاصمة بغداد.
من محمد عبده إلى كمال الحيدري.. فتاوى أباحت الرسم والنحت
عرفت فنون الرسم والتصوير والنحت حضوراً قوياً في الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، وتماشى هذا الحضور مع غلبة المعتقدات الدينية المسيحية التي لا ترى بأساً في تصوير الإنسان والكائنات الحية، على النقيض من ذلك، ظهرت معارضة قوية لتلك الفنون في البلاد الإسلامية.

 

تصاعد الجدل بين الممثلين ورجال الدين

شهدت العقود السابقة اشتعال الجدل بين الممثلين ورجال الدين بسبب عدد من الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية. وكانت ظاهرة تمثيل الأنبياء والصحابة أحد أهم الأسباب المثيرة للجدل والنقاش بين الطرفين>

وفيما حاول الممثلون تجسيد الشخصيات الدينية الروحية الأكثر تأثيراً في أعمالهم، فإن رجال الدين المسلمين -على الجانب الآخر- رفضوا ذلك بشكل كامل، وأصروّا أن تبقى الشخصيات بعيدة عن أي تجسيد أو تمثيل للحفاظ على القداسة المرتبطة بها في الوجدان المسلم.

بشكل عام، تعود فكرة تجسيد الأنبياء بشكل درامي لفترة مبكرة من عمر الصناعة السينمائية في البلاد العربية. ففي عام 1926، عُرض على الممثل المصري يوسف بك وهبي تمثيل شخصية الرسول محمد من قِبل شركة إنتاج ألمانية- تركية.

وافق وهبي في البداية وانتشر الخبر في الصحف، حتى خرج الأزهر وهاجم المشروع. كتب وهبي في مذكراته أنه اعتذر عن بطولة العمل بعدما تلقى تهديداً من جانب الملك فؤاد ملك مصر -آنذاك- بالنفي والحرمان من الجنسية المصرية.

لا ننسى أن تلك الأحداث وقعت بعد سنتين فحسب من سقوط الدولة العثمانية، كان الملك فؤاد وقتها يسعى للحصول على لقب "الخليفة"، وكان من المهم بالنسبة له أن يظهر في صورة "المدافع عن الإسلام والنبي" ضد أي تشويه محتمل.

في خمسينيات القرن العشرين، جُسدت شخصيات بعض الصحابة درامياً. على سبيل المثال قدمت السينما المصرية فيلم "بلال مؤذن الرسول" سنة 1953، وفيلم "خالد بن الوليد" سنة 1958 من بطولة وإنتاج وإخراج الممثل المصري حسين صدقي. عُرف صدقي بتوجهاته الإسلامية في الفترة الأخيرة من حياته، وكان اختيار شخصية خالد بن الوليد تحديداً لتجسيدها في عمل سينمائي أمراً مفهوماً لما لتلك الشخصية من حضور طاغٍ في الثقافة الإسلامية السنيّة التقليدية.

تفجر الجدل مرة أخرى حول تجسيد شخصيات الصحابة في سبعينيات القرن العشرين. في تلك الفترة أُعلن الاتفاق على تصوير فيلم "الرسالة" بنسختيه العربية والإنجليزية للمخرج السوري مصطفى العقاد، واختيرت نخبة من الفنانين العرب والأجانب للمشاركة في تقديم هذا المشروع الضخم.

شاع حينها أن صناع العمل حصلوا على موافقة الأزهر، مما أثار رفضاً من جانب الكثير من رجال الدين. مثلاً، أرسل الشيخ السعودي عبد العزيز بن باز إلى شيخ الأزهر رسالة يستهجن فيها الموافقة على الفيلم، جاء فيها "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المُكرم صاحب السماحة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر… فإني أستغرب إقرار الأزهر لإخراج الفيلم المذكور؛ فإن كان ما نُسب إليه صحيحاً فإني أطلب من فضيلتكم العمل على سحب الفتوى الصادرة من الأزهر في هذا الشأن إن أمكن ذلك، أو إبداء رأيكم في الموضوع براءةً للذمة، وخروجاً من التبعة، وتعظيماً للنبي وأصحابه –رضي الله عنهم– وصيانةً لهم عن كل ما قد يؤدي إلى تنقصهم بوجه من الوجوه…".

تسببت ردود الأفعال الغاضبة في إعلان الأزهر رفضه مشروع الفيلم، فأصدر الشيخ عبد الحليم محمود بياناً وقعه معه مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، ورد في نصّه: "نعلن عدم الموافقة على إنتاج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) أو أي فيلم يتناول بالتمثيل-على أي وضع كان- شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو شخصيات الصحابة- رضي الله عنهم".

علل البيان الرفض بأن تلك الأفلام "تحط من قدر هذه الشخصيات المقدسة في نظر المسلم".

استجاب الملك الحسن الثاني ملك المغرب الراحل لنداء الشيخ محمود ومنع تصوير الفيلم في المغرب، وتم استكمال التصوير بعدها في ليبيا بدعم من نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

لم ينته الصدام بين الممثلين ورجال الدين عند هذا الحد. فعلى مدار السنوات الماضية، شهدت أروقة المحاكم وصفحات الجرائد وقائع الجدل المتصاعد حول العديد من الأعمال الفنية التي لم تحصل على موافقة الرقابة الأزهرية، منها فيلم "القادسية"، من إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية سنة 1981، الذي جسد شخصية الصحابي سعد بن أبي وقاص، وفيلم "المهاجر" 1994، الذي قيل إنه "يصور سيرة حياة النبي يوسف".

من جهة أخرى، اُتهم العديد من الممثلين بالدعوة لـ"إشاعة الفحشاء والإباحية والعُري" من قِبل بعض رجال الدين، وارتبطت تلك الاتهامات بظاهرة "حجاب واعتزال الفنانات" التي تصاعدت في حقبة الثمانينيات.

وقيل وقتها إن "وراء تلك الظاهرة جماعات إسلامية تدفع أموالاً طائلة للفنانات المحجبات مقابل حجابهن وابتعادهنّ عن الوسط الفني".

 

فتاوى أجازت التمثيل

شهدت السنوات الأخيرة حالة من الهدوء النسبي بين رجال الدين والممثلين، وصدرت العديد من الفتاوى التي أباحت العمل بالتمثيل. من تلك الفتاوى، التي أصدرها الشيخ السعودي ابن عثيمين اعتماداً على أن هذا النوع من الفن من الأمور الخارجة عن العبادات الشرعية "...والأصل في غير العبادات الحل والإباحة، وهذا من فضل الله عز وجل: أن يسر على العباد ما لم يحرمه عليهم، فإذا كان الأصل الحل، فإنه لا بد من إقامة الدليل على التحريم..."، وفق تعبيره.

نشر الشيخ المصري يوسف القرضاوي مضمون الحكم نفسه على موقعه الإلكتروني، وذلك عندما أجاب على سؤال من إحدى شركات الإنتاج الفني حول حكم تقديم مسلسل عن الصحابي خالد بن الوليد، فقال "...قد أصبح التمثيل في عصرنا من مميزات الحياة المعاصرة، وأصبحت له معاهده وكلياته وخريجوه، وصار له عشاقه ومريدوه، وغدت له صور شتّى في المسرح وفي الأفلام وفي المسلسلات وغيرها. كما غدا يطرق أبواب الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية والدولية وغيرها. وأمسى له تأثيراته الهائلة في حياة الناس إيجاباً وسلباً... واستقر الأمر على جواز التمثيل بصفة عامة، إذا كان من ورائه عظة وعبرة للناس، ولم يشتمل على منكر يُحرمه الشرع، من قول أو فعل، أو مشهد...".

في السياق ذاته، أفتى علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق بأن التمثيل في حد ذاته ودراسته واستعماله من أجل إيصال الخير للناس "لا بأس به". ك

ما قال الداعية الإسلامي المصري خالد الجندي، إن "الفن بشكل عام، ومهنة التمثيل خاصة، ليست حراماً، إذا كان في النطاق المقبول والمحترم والهادف، لأن الفن رسالة قيّمة، إذا تم استخدامها بشكل صحيح".

وتابع أن التمثيل "جزء وأداة من أدوات الفن، وتعريف التمثيل، هو ضرب المثل، وهذا الضرب مذكور في القرآن، حيث قال الله تعالى "ويضرب الله الأمثال للناس"، وعندما وصف الله نوره، ضرب مثلاً أيضاً عندما قال في كتابه "مثل نوره كمشكاة"، وأن "الله عندما كان يرسل الملائكة إلى الرسل، كانت تتجسد في شكل البشر، مثل سيدنا جبريل، عندما نزل على سيدنا محمد".

يبدو موقف رجال الدين من التمثيل أكثر قبولاً في الأوساط الشيعية. على سبيل المثال، أجاب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني على سؤال حول حكم التمثيل الفني في المسرح أو التلفزيون بكونه "حلالاً".

كما أباح تمثيل دور المرأة بواسطة الرجل ولم ير أن ذلك التمثيل يدخل في باب التشبيه المنهي عنه في الحديث "لَعنَ رسُولُ اللَّهِ المُتَشبِّهين مِن الرِّجالِ بِالنساءِ، والمُتَشبِّهَات مِن النِّسَاءِ بِالرِّجالِ".

من جهة أخرى، أفتى السيستاني بجواز تجسيد الأنبياء على الشاشة بشرط مراعاة "مستلزمات التعظيم والتبجيل"، وعدم اشتماله "على ما يسيء إلى صورهم المقدسة في النفوس".

مواضيع ذات صلة:

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
هنية وخامنئي في صورة من لقائهما الأخير- تعبيرية

قبل أيام، زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023.

هنية، المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين الطرفين.

حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هي حركة فلسطينية إسلامية الأيديولوجيا، ونابعة من فكر تنظيم الإخوان المسلمين.

تأسست الحركة عام 1987 بدعوة من الهيئة العامة لحركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة، وكان  الشيخ الفلسطيني أحمد ياسين أحد أعضائها، قبل أن يصير الشخصية القيادية الأساسية في تاريخ حركة حماس.

بحسب كتاب "حقائق في تاريخ فلسطين السياسي" لعماد أحمد العالم، تعتبر "حماس" نفسها امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر في العام 1928.

وقبل الإعلان الفعلي عن حماس في العام 1987، كانت الحركة تعمل في الأراضي الفلسطينية تحت اسم "المرابطون على أرض الإسراء"، واسم "حركة الكفاح الإسلامي".

في كتابه "حركة حماس وممارساتها السياسية والديمقراطية"، يشير الباحث عقل محمد أحمد صلاح، إلى التأثر الواضح لحركة حماس بشكل مباشر وغير مباشر بالثورة الإيرانية وبحزب الله في لبنان.

ويستشهد الباحث بتقرير إسرائيلي يبيّن أن "إيران وحزب الله هما أقوى حليفين لحماس، فقد تم تدريب عناصر كتائب عز الدين القسام في سوريا على يد خبراء إيرانيين وخبراء من حزب الله، ما أكسب الكتائب خبرة كبيرة في استخدام السلاح وخطف الجنود وتصنيع الصواريخ في مصانع محلية في غزة".

من جهته، يتحدث الباحث عبد الحكيم عزيز حنيني، في كتابه "منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية"، عن البدايات الأولى للعلاقات المنعقدة بين حركة حماس وطهران.

يذكر حنيني أنه في سنة 1990 بدأت العلاقات بين حماس وإيران بشكل رسمي، عندما سافر وفد من حماس برئاسة إبراهيم غوشة -الذي سيتولى لاحقا منصب الناطق الرسمي للحركة- إلى طهران.

بعد سنة واحدة، سافر غوشة مرة أخرى إلى طهران. وشارك في المؤتمر الثاني لدعم "الانتفاضة الفلسطينية"، والتقى بكل من الرئيس الإيراني  حينها علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ووزير الخارجية علي أكبر ولايتي.

في هذا اللقاء، طلب غوشة من الإيرانيين قبول عماد العلمي -وهو أحد قيادات الحركة- ليصبح الممثل الرسمي لحماس في إيران.

وفي سنة 1992، تم افتتاح مكتب حماس في طهران. وتعامل الإيرانيون مع المكتب مثل تعاملهم مع سفارات باقي الدول.

 

خامنئي "مترجماً" فكر سيد قطب 

 

 العلاقة بين إيران الخمينية وحركة الإخوان المسلمين أبعد من التحالف السياسي والعسكري، بل تحمل مشتركات فكرية، تعود إلى ما قبل انتصار "الثورة الإسلامية" في إيران، ووصول الخميني إلى الحكم.

في العام 1966 ترجم علي خامنئي، الذي سيصبح لاحقاً مرشداً أعلى للجمهورية في إيران، كتاب "المستقبل لهذا الدين" الذي ألفّه سيد قطب، أحد أبرز منظّري جماعة الإخوان المسلمين.

في مقدمة الكتاب، الذي صاغها خامنئي، أثنى على سيد قطب ووصفه بـ"المفكر المجاهد"، وأن كتبه ستشكل خطوة على طريق توضيح معالم الرسالة الإسلامية.

وبحسب الباحث والمفكر العراقي رحيم أبو رغيف، فإن خامنئي لا يزال حتى اليوم "يهتم بإدامة زخم وجود الإخوان".

ويتابع أبو رغيف في مقابلة سابقة مع "ارفع صوتك" أن كتب سيد قطب "لا تزال تطبع حتى اليوم على نفقة المكتب الخاص للسيد خامنئي".

أثناء زيارته إلى طهران في العام 1998، إحدى أهم المحطات في جولة كبرى شملت مجموعة من الدول العربية والإسلامية، سنحت لمؤسس الحركة أحمد ياسين فرصة التعرف على خامنئي.

وقال في تصريحات حينها أنه لم يكن ليأتي إلى إيران "لولا أنني أعلم هذه الجمهورية الإسلامية وموقفها المساند والداعم لقضيتنا".

في تلك السنة، قتلت حركة طالبان عشرة ديبلوماسيين إيرانيين وصحافيا، إثر مهاجمتها القنصلية الإيرانية في مزار شريف في أفغانستان.

حينها، كما يروي زكي شهاب، في كتابه "حماس من الداخل"، وكنوع من الدلالة على قرب حماس من إيران، بعث أحمد ياسين رسالة إلى الرئيس الإيراني مقدماً تعازيه، ووصف طالبان بأنها تقدم فهماً "خاطئاً تماماً ومضللاً" للإسلام.

وتابع قائلا: "كيف يجرؤون على منع النساء من المشاركة في حياتنا، بمعنعهن من العمل أو التعليم؟ لا يمكن لأساليبهم إلا أن تضرّ بالدين الإسلامي"، ونفى أي تقاطع أو صلة بين حركة حماس ونظام طالبان.

وينقل شهاب تشديد ياسين على أنه ليس هناك مصلحة لدى حماس في التخلي عن معركتها مع إسرائيل من أجل القتال في الخارج، والتورط في النزاعات العربية أو الإسلامية أو حتى الدولية.

 

برود العلاقات بفعل "الربيع العربي"

 

شهدت العلاقات بين حماس وإيران فترة برود وصلت إلى حد القطيعة، بعد التغيرات التي أحدثها "الربيع العربي" على المستوى الإقليمي، المتمثلة في فوز الإخوان المسلمين في تونس، ووصول جماعة الاخوان المسلمين في مصر إلى الحكم.

يرى الباحث عقل محمد أحمد صلاح أن حماس اعتبرت هذه التغيرات انتصارا لها ودعما لموقفها.

وعليه، يتابع الباحث، "غيرت من موقفها تجاه مثلث الممانعة، فخرجت من سوريا التي احتضنتها ودعمتها ودربت جناحها العسكري ولحقت بقطار قطر وأموالهم، لتنضم إلى تحالف الإخوان المتمثل بمثلث مصر وتركيا وقطر، بضغط من جماعة الإخوان العالمية وقيادة حماس في الخارج، وهو ما أظهر الحركة غير وفية، وغير حافظة لجميل من احتضنها ودعمها، إضافة إلى دعمها المعارضة السورية ضد النظام، ما شكّل إحراجاً لحماس، ليس على المستوى الخارجي فقط، بل على المستوى الداخلي أيضاً، وبخاصة قيادة غزة المقربة من إيران".

يلاحظ الباحث أن حماس خسرت في تلك الفترة الدعم السياسي والمالي والعسكري الإيراني وقطعت كل من سوريا وحزب الله علاقتهما بالحركة، فـ"أصبحت أمام منزلق خطير، لا يمكنها العودة إلى حلف الممانعة في ظل فقدان الثقة بها، ولا يمكنها الخروج من قطر".

في تلك الفترة أيضاً، رفضت إيران استقبال خالد مشعل، على الرغم من زيارة وفد قيادي من حماس لإيران في ديسمبر 2014، بعد الشكر الذي قدمه الناطق الإعلامي باسم الجناح العسكري للحركة إلى إيران في ذكرى انطلاقة حماس السابعة والعشرين، في محاولة من الحركة لترطيب الأجواء من أجل المصالحة وإعادة العلاقة ما بين الطرفين.

عكس هذا، بحسب صلاح، تبايناً بين الجناح السياسي للحركة الذي ينشط خارج قطاع غزة وتحديداً في قطر وتركيا، وبين جناحها العسكري الذي بقي على "وفائه" لإيران، وظهر ذلك من خلال تصريحات القائد العام لكتائب عز الدين القسام محمد الضيف، الذي قال في أحد تصريحاته في تلك الفترة أن "بندقية المقاومة يجب أن تكون واحدة وهدفها واحد، وأن توجه نحو العدو الإسرائيلي، ويكفي للأمة استنزافاً لطاقاتها وتبديداً لإرادتها".

يرى الباحث في كتابه أن مسيرة حركة حماس أظهرت براغماتية سياسية واضحة، وقدرة على تطويع المبادئ لصالح ما تراه مفيداً لها في لحظة معينة. ومن مظاهر ذلك أن حماس بعد بدء الأعمال العسكرية ضد الحوثيين في اليمن باسم "عاصفة الحزم" من خلال تحالف عسكري بقيادة السعودية في 26 مارس 2015، أصدرت بياناً في 28 مارس أيدت فيه التحالف العربي ضد الحوثيين وأكدت وقوفها مع الشرعية السياسية، وذلك من أجل مواكبة التغيرات السياسية الحاصلة في المنطقة العربية.