البيئة

الصحافة البيئية.. الحياة ثمنا لكشف الحقيقة

غمدان الدقيمي
31 مارس 2020

رغم المخاطر الكبيرة التي تتعرض لها البيئة في البلدان العربية المضطربة نتيجة الحروب والصراعات العسكرية تغيب قضايا البيئة عن الصحافة المحلية تحديدا.

ومع حماية القوانين في المنطقة للصحفيين البيئيين لكن هذا النوع من الصحافة نادرا ما تجدها في وسائل الإعلام.

وتكاد أن تكون الصحافة البيئية منقرضة، وغالبا ما تستمد وسائل الاعلام المحلية تلك المواضيع النادرة المتعلقة بالبيئة من الوكالات الأجنبية والدولية.

ويصطدم الصحفيون البيئيون في أماكن تتلاشى فيها سيادة القانون، بشركات تهتم أولا وأخيرا بمنفعتها، وتكون في معظم الأحيان مملوكة للسلطة أو حلفائها من الأجانب، بالإضافة إلى شبكة واسعة من المصالح المشتركة المهددة للبيئة..

وعندما تنتبه السلطات والشركات لما يفعله الصحفيون تقوم برصدهم وتهديدهم، وأحيانا قد يكلفه الأمر (الصحفي) حياته، كما تقول لجنة حماية الصحفيين حول 13 صحفيا قتلوا أثناء تغطيتهم قصص بيئية مهمة.

منحسر للغاية

يقول أمين عام نقابة الصحفيين اليمنيين محمد شبيطه لـ"ارفع صوتك" إن الصحافة البيئية ليست ذات أولوية في اليمن خاصة خلال سنوات الحرب الأخيرة.

ويضيف "الصحافة البيئية مهملة وفي زمن الحرب أهملت أكثر حيث تغلبت السياسة على كافة القضايا الأخرى، كما أن العائد من الصحافة البيئية ضئيل جدا فلا أحد يهتم بها".

ويوضح شبيطه أن سنوات الحرب الأخيرة دفعت بغالبية الصحفيين إلى الجلوس في منازلهم بعدما توقفت رواتبهم وأغلقت كثير من المواقع والصحف أبوابها نتيجة شحة الموارد.

صحافة البيئة وداعش

وفي العراق حيث كانت البيئة هدفا رئيسا لتنظيم داعش، ورغم ذلك يعد هذا النوع من الصحافة منحسر للغاية.

وتخصص الدولة العراقية 2% للبحث العلمي والصحة والبيئة من إجمالي موازنة الدولة مقارنة بـ35% للدفاع والأمن.

يقول الصحافي العراقي منهل الكلاك، إن "ضعف الصحافة البيئية المتخصصة في العراق تساهم بشكل غير مباشر على تزايد المخاطر البيئية"، مضيفا أن "الصحافي العراقي يشعر بان التغطية الصحافية غير الأمنية والسياسية معيبة، ويرى بأن التخصص في السياسة والأمن هي من تجلب له الشهرة الواسعة".

ويعتبر الكلاك هذا الموضع "مشكلة كبيرة مرتبطة بضعف الصحافة المتخصصة في بلادنا بشكل عام".

وواقعا، غالبا ما تهتم الصحف بالأحداث السياسية والأمنية وتكرس لها المراسلون والمحررون بينما يتم اللجوء إلى الانترنت لتغطية مواضيع بقية الصفحات المتخصصة الداخلية، بحسب الصحفي العراقي.

ويتابع "فضلا عن ذلك، فأن المؤسسات الإعلامية لا تعير اهتمامها لهذه الناحية (البيئة) كونها ليست أولوية بالنسبة للمتلقي، فالفساد وضعف الاقتصاد يأخذ حيز الأخبار الأوفر في كل المؤسسات لأنها مغيبة تماما بالنسبة للشعب من ناحية الحقوق".

اعتداء بالضرب

وفي سوريا لم تكن البيئة أولوية في حالة الحرب المستمرة منذ تسع سنوات، فقد تعرضت مدن وبلدات وأراض زراعية لقصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والارتجالية والبالستية والقنابل الحارقة.

كما طال القصف والمواجهات مجاري الأنهار ومحطات تنقية المياه واستخراج المياه الجوفية.

ومع ذلك لم تتناول الصحافة المحلية هناك هذه القضية إلا من خلال الأخبار السريعة والتقارير السطحية. 

عبير السعدي، وهي صحافية مصرية تعمل منذ 24 عاما في مجال الصحافة وغطت العديد من القصص الكبيرة منها الحرب في العراق والثورة في مصر (2011) والحرب في سوريا، لكنها تعرضت للاعتداء بالضرب من البلطجية أثناء إعدادها تحقيق عن شركات كيماوية تتخلص من النفايات السامة في نهر النيل.

ونقلت منظمة مراسلون بلا حدود في تقرير أعدته عن الصحفيين البيئيين عن عبير قولها: "كان الأمر صعوبة عندما قررت كشف التلوث. قامت المصانع باستئجار بلطجية لضربي".

وكشفت دراسة سورية تعود إلى عام 2008 حول تناول الصحف السورية للشؤون البيئية بأن الصحف السورية أكثر اهتماما بنشر أخبار البيئة من نشر قضايا البيئة، وأنها أهملت مصادر المعلومات البيئية، فضلا عن افتقارها لاستراتيجية بيئية معينة.

جاجيندرا سينغ

ويدفع الصحافي أحيانا حياته ثمنا لكشف الحقيقة، كما حصل مع الصحافي الهندي جاجيندرا سينغ (40 عاما)، بسبب التحقيق الذي نشره حول استخراج المعادن في شمال الهند واتهم فيه مسؤول حكومي رفيع بالتورط في التعدين غير القانوني وفقا لصحيفة الغارديان.

"العصابات والشرطة يطاردونني. كشف الحقيقة يلقي بظلاله الكثيفة على حياتي"، هكذا كتب سينغ، على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أسبوعين من اقتحام منزله من قبل أفراد عصابة، صبوا البنزين على جسده، وأحرقوه حيا، ليموت لاحقا متأثرا بجراحه عام 2015.

وخلصت تحقيقات الشرطة إلى أن جاجيندرا سينغ مات منتحرا! ثم عرضت رشوة على العائلة بقيمة ثلاثة ملايين روبية هندية (39.800 دولار أميركي) للسكوت، لكن العائلة رفضت.

ومنذ وفاة سينغ عام 2015، قتل صحفيان آخران خلال عملهما على تحقيقات حول استخراج المعادن في الهند، وبين عامي 2010 و2015 قتل عشرة صحافيين بيئيين في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وروسيا، وفقا لمنظمة مراسلون بلا حدود.

وبين 2007 و2012، قتل أربعة مراسلين بيئيين في كمبوديا أثناء التحقيق في قطع الأشجار بشكل غير قانوني.

ويعتبر التحقيق في مجال استخراج المعادن وتداعياتها السلبية محظور في عدد من الدول حول العالم.

مئات القتلى

لا يقتصر الخطر على الصحفيين البيئيين بل يشمل المدافعين عن البيئة الذين يعتبرهم البعض إرهابيين، ويتعرضون لتهديدات مفاجئة من المال والسلطة.

وتبدو بعض المناطق جنة بالنسبة للسياح لكنها جحيم بالنسبة للصحفيين والمدافعين عن البيئة.

وبحسب منظمة "جلوبل ويتسن" غير الحكومية قتل عام 2018 نحو 164 شخصا من المدافعين عن البيئة في أنحاء العالم بينما كانوا يعترضون على مشاريع منجمية أو تتعلق بغابات أو في الصناعات الغذائية.

وكان عام 2017 أكثر السنوات دموية إذ سقط فيه أكثر من 200 شخص من المدافعين عن البيئة.

ومع ذلك فالأرقام المرصودة قد تكون أقل من الواقع لأن بعض الحوادث تجري في أماكن نائية جدا، بحسب جلوبل ويتسن.

ويقول الصحافي الكندي ستيفن ليهي، الحاصل على عدة جوائز على مقالاته عن البيئة وكتابه "Your Water Footprint"، إن "الفارق بين المراسل الصحفي العسكري والبيئي، هو أن الأول مستعد دائما".

ورغم اعتماد الأمم المتحدة يوم 6 نوفمبر باعتباره اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية، حيث ترى المنظمة الدولية حماية البيئة البشرية مسألة رئيسية تؤثر في رفاه الشعوب والتنمية الاقتصادية في كل أنحاء العالم، لكن حماية البيئة لا تعتبر أولوية في حالة الحروب حتى اليوم.

اقرأ أيضا:

البيئة والحرب.. سموم فوق الأرض وتحت الأرض

أمراض السرطان تهدد البصرة ... والسبب بيئتها

لا يخدعك اللهب الأزرق.. إنه الكبريت!

 

غمدان الدقيمي

مواضيع ذات صلة:

غزلان الريم في العراق تهلك بسبب الجوع- فرانس برس
غزلان الريم في العراق تهلك بسبب الجوع- فرانس برس

تبحث غزلان الريم المتبقية في محمية ساوة في جنوب العراق، عن شيء لتأكله، بعد هلاك لحق بها وأدى إلى انخفاض أعدادها من 148 إلى 87 راسا في شهر واحد فقط إثر انقطاع موارد الغذاء عن هذه الحيوانات النادرة، والجفاف وغياب الدعم الحكومي. 

ونفق نصف هذه الغزلان منذ 29 أبريل، ولا شيء يمكن فعله، فالأمطار كانت شحيحة هذا العام، وكذلك الدعم الحكومي بالأعلاف الضرورية لبقائها. 

وانخفضت أعدادها في المحمية التي أنشئت عام 2007، من 148 رأساً إلى 87 في شهر واحد، وفق الطبيب البيطري تركي الجياشي، مدير مشروع محمية ساوه الطبيعية في المثنى. 

وقال الجياشي في مقابلة مع فرانس برس "منذ يوم 29 أبريل، بدأ هلاك الحيوانات". 

وفي حين أن "توقّف الإمدادات الغذائية بسبب عدم توافر الاعتمادات المالية"، شكّل سبباً رئيسياً، إلا أن "العوامل المناخية أثّرت بشكل كبير على غزلان الريم" أيضاً. 

وسط الصحراء، في المحمية، تبعثر ما بقي من هذه الغزلان البنية ذات الرأس القرون الرفيعة والوبر الصغير، وسط أرض جرداء تخلو من الخضار، فيما قام البيطري بخلط المياه بدواء للحيوانات التي احتمت في الظلّ. 

الأرض من حولها جافة تماماً، والأعشاب يابسة. لا شيء لتأكله سوى كومة من القشّ، تجمّعت حولها الحيوانات البالغة، وصغير واحد. تظهر بعض الشجيرات في الأفق، خلف السياج المحيط بالمحمية.

تحت سطح من صفيح، وضعت حاويات من المياه لتشربها الحيوانات في الظلّ، فيما تبعثرت أكوام أخرى من القشّ في المكان استعداداً لإطعامها للحيوانات. 

منع شحّ الأمطار هذا أيضاً ظهور نباتات عشبية تستطيع الحيوانات أن تقتات منها، كما يشرح. 

يعدّ العراق واحداً من الدول الخمس الأكثر عرضةً لتغير المناخ والتصحر في العالم، خصوصا بسبب تزايد الجفاف مع ارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز لأيام من فصل الصيف الخمسين درجة مئوية. 

وقد بدأت انعكاسات ذلك تتجلّى في مفاصل عدة، مثل التراجع في زراعة الحنطة وأرز العنبر، وجفاف بعض البحيرات بسبب قلة الإمدادات المائية والأمطار، والعواصف الترابية المتكررة. 

 

تملح وشح في المياه 

يرتبط حيوان غزال الريم تاريخياً بالصحراء العراقية التي هي موطنه الأصلي، فضلاً عن توزعه في مناطق أخرى في العالم مثل ليبيا ومصر والجزائر التي يصنفها الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) على أنها من الأنواع "المهددة بالانقراض". 

على مرّ السنوات، أدّى "التطور التقني وزحف الاستثمارات الزراعية على الصحراء إلى تناقص أعداد الحيوانات بالتدريج"، كما يشرح الجياشي.

وهناك محميات أخرى لغزال الريم في العراق وأبرزها في ديالى وكركوك والمدائن. 

ويقول مسؤول في دائرة الغابات التابعة لوزارة الزراعة، فضّل عدم الكشف عن هويته لفرانس برس. "انخفض عدد غزلان الريم في ثلاث محميات بحوالي 25 بالمئة خلال السنوات الثلاث المنصرمة".

وأضاف أن أعدادها في هذه المحميات الثلاث 224. ويعزو هذا التناقص الكبير في أعداد الحيوانات خصوصاً إلى "قلة التخصيصات المالية خلال السنوات الأخيرة ".

ويؤثر التصحر على نسبة "39% من الأراضي العراقية"، بحسب كلمة لرئيس الجمهورية برهم صالح قبل أيام، أضاف فيها أن "شحة المياه تؤثر الان سلبا على كل انحاء بلدنا وستؤدي الى فقدان خصوبة الاراضي الزراعية بسبب التملح".

وقال صالح إن "من المتوقع أن يصل عجزنا المائي إلى 10,8 مليارات متر مكعب بحلول عام 2035 بحسب دراسات وزارة الموارد المائية بسبب تراجع مناسيب دجلة والفرات والتبخر في مياه السدود وعدم تحديث طرق الري". 

لإخراج المحمية من "واقعها" والحفاظ على ما تبقى من حيوانات، يقول الجياشي إن المحمية تلقت مبلغ "مئة مليون دينار (70 ألف دولار) من رئيس الجمهورية بهدف إنعاشها". ويضيف "ما دامت السيولة المالية تتوافر، فللمحمية خطط وامكانات سوف تنتشلها من هذا الواقع إلى آخر أفضل بكثير".