البيئة

فيروس قاتل وشحّ المياه وراء تناقص إنتاج الأسماك في العراق

ارفع صوتك
08 يونيو 2022

 يقول نائب رئيس جمعية مربي الأسماك في العراق، أكرم المشهداني، إن "أكثر من 75% من مربي الأسماك هجروا هذه المهنة، جراء انتشار فيروس (كوي الهربس) في البحيرات والأنهر، ما تسبب بنفوق أعداد كبيرة من تلك الثروات مع اتساع دائرة الإصابة والخطر كلما تقادم الزمن". 

وكوي الهربس (KHV)، مرض فيروسي ويعرف أيضاً بالتهاب الكلية الخلالي في أسماك الكارب أو فيروس نخر الخياشيم، وهو قاتل  تصل معدلات الإبادة فيه لنحو 100% بين ذلك النوع من الأسماك.

ومنذ عام 2008، ازدهرت مهنة تربية الأسماك بعد شيوع سمك الكارب، عن طريق منظمة الإنماء الأميركية. 

ويضيف المشهداني لـ"ارفع صوتك"، أن "الفيروس بدأ الانتشار عام 2018 في نهر دجلة ثم انتقل إلى البحيرات والأحواض النهرية، في وقت كانت تبلغ الطاقة الإنتاجية من تربية الاسماك نحو 900 ألف طن، لكنها تتناقص بنسبة 20% في كل عام منذ الفيروس" . 

ويشير إلى أنه مع عدد من أصحاب البحيرات، التقوا بمسؤولين في وزارة الزراعة والري والأمانة العامة لمجلس الوزراء، بغرض نلقي الدعم الحكومي للقضاء على الفيروس. 

"لكن أياً من تلك الجولات لم يأت بحلول وأسند لنا توفير اللقاح إلى القطاع الخاص، وهو أمر صعب للغاية؛ لأن سعره يتجاوز المليون دولار مع شحة موردي مثل تلك الأمصال"، يتابع المشهداني. 

وفي 26 أكتوبر 2018، انتشرت ظاهرة نفوق أسماك هائلة في العراق أودت إلى هلاك ملايين من أسماك الكارب المستزرع في منطقة الفرات الأوسط، الأمر الذي ولّد حالة قلق في البلاد.

أسماك ميتة تطفو على سطح مستنقع الدلمج شرقي مدينة الديوانية جنوب العراق
تركيا وإيران وحرب السمك في العراق
من جديد هذا العام، تنفق أطنان من الأسماك في الأهوار جنوب العراق، في ظاهرة يعزوها مربو الأسماك إلى تسميم المياه وإغلاق بوابات النهر الذي يغذيها بصورة غير قانونية والمواجهات المسلحة.
يقول حسين بلهجة غاضبة "هذه فاجعة وكارثة بيئية".
ورث حسين مهنة تربية الأسماك أبا عن جَد في محافظة الديوانية الزراعية والقبلية.

 

وشاع الخوف من أن نفوق الأسماك يُعزى إلى تلوث غامض يمكن أن يؤدي إلى تسمم الناس أيضا، في حين عانى مزارعو الأسماك من تكبد خسائر مالية بسبب نفوق الأسماك، الواقعة التي أثرت على مصدر رزقهم. 

ويلفت المشهداني إلى أن "هنالك جوانب أخرى تضاف إلى المرض الفيروسي الذي يصيب الأسماك وهو شح المياه وارتفاع أسعار الأعلاف الخاصة بتربية الأسماك". 

ويدعو الجهات المختصة إلى تشريع قوانين تخص تربية الأسماك، خصوصاً أن أغلب اللوائح المعتمدة في العراق تعود لعام 1972، عندما كان الصيد محصوراً في أعالي البحار.

وتتوزع أغلب البحيرات الخاصة بتربية الأسماك عند أطراف العاصمة بغداد الشمالية، امتداداً باتجاه مدينة سامراء، يتجاوز عددها ثلاثة آلاف موقع، أغلبها غير مرخص رسمياً. 

بدوره، يقول مستشار لجنة الزراعة البرلمانية السابق، عادل المختار، لـ"ارفع صوتك": "تربية الأسماك يمكن تصنيفها بأربعة أنواع، الأول تربية الأسماك في البحيرات والأقفاص النهرية وهو الأكثر شهرة واعتماداُ من قبل وزارة الزراعة". 

"وهذا القسم يعاني الإصابة بالفيروس القاتل والشحة المائية وارتفاع أسعار الأعلاف فضلاً عن افتقار التسويق، بالتالي يجب إلغاؤه لأنه يشكل ضغطاً كبيراً على خزيننا المائي فضلاً عن خطورة انتقال تلك الأمراض إلى بقية الأنهار"، يضيف المختار. 

ويؤكد أن "حجم المياه المستخدمة من قبل تلك البحيرات المخصصة لتربية الأسماك تصل نحو مليار وربع المليار متر مكعب، في ظل عدم جدوى من استمرار تلك المهنة واستثمار الأعلاف في سد نقص التغذية للدواجن والماشية". 

ويتابع المختار: "يمكن تعويض تلك الثروة من خلال بدائل عديدة وبأسعار أقل كلفة وأوفر لكميات المياه، من بينها اعتماد المسطحات المائية مثل الثرثار والحبانية والرزازة والأهوار وغيرها وهو القسم الثاني من تربية الأسماك". 

أما النوع الثالث، فيكمن في اصطياد الأسماك عند منطقة الفاو البحرية في أقاصي جنوب العراق، حسب المختار، مردفاً "هنالك نحو 1500 زورق معطل عن الخدمة بإمكان كل واحد من تلك القوارب أن يعود خلال 10 أيام بنحو نصف طن من الأسماك". 

وينوه إلى أن "أغلب الصيادين في تلك المنطقة يتعرضون للإهانة والضرب والاعتقال من قبل السلطات الإيرانية التي تمنع مزاولتهم لتلك المهنة رغم أن هنالك اتفاقية تنظيم الصيد في المياه الإقليمية". 

والنوع الرابع "يقع في أعالي المحيطات" وفق المختار.

ويبيّن: "بحسب الخطة الإستراتيجية لوزارة الزراعة عام  2014، نصت على ألاّ تتجاوز المساحة المخصصة لبحيرات الأسماك، 31 ألف دونم لمدة عقدين، لكن المساحة الحالية أكثر من 60 ألف دونم". 

ويشدد المختار في نهاية حديثه، على أن "الحل للقضاء على الفيروس القاتل، يكون بإيقاف تربية الأسماك من النوع الأول لمدة أقلها خمسة أعوام".

ارفع صوتك

مواضيع ذات صلة:

العراق

الهجرة الداخلية بحثاً عن المياه.. ماذا يقول خبراء عراقيون؟

دلشاد حسين
28 مايو 2022

يرى الناشط البيئي العراقي ليث العبيدي، أن الحلول المطروحة للحد من النزوح بسبب التغيير المناخي واتساع ظاهرة التصحر "تقتصر على ورش العمل والمؤتمرات فقط، دون أي حل فعلي ملموس".

"وحتى إذا كانت هناك بوادر للحل فهي ضعيفة، بينما أحرزت دول أخرى في المنطقة، تقدماً في هذا المجال، خلال العاميين الماضيين"، يقول العبيدي لـ"ارفع صوتك".

ويضيف أن النزوح المرتبط بنقص المياه "ليس حديثاً في العراق، فهو مستمر منذ نحو 15 عاماً، وتسبب بانخفاض الإنتاج الزراعي والحيواني للبلد بشكل كبير".

من جهته، يقول المتنبئ الجوي صادق عطية لـ"ارفع صوتك"، إن "النزوح بسبب تقلبات المناخ لا يقتصر على سكان جنوب العراق، إنما يشمل أيضاً النزوح الى المناطق الأكثر أمنا من الناحية المعيشية، مثل النزوح من قرى ومدن الفرات الأوسط نحو بغداد والبصرة".

ويشير إلى أن الصراعات العشائرية في بعض مناطق شمال مدينة البصرة، يعود سببها إلى نزاعات حول المياه ومواقع الأراضي الزراعية من مصادر المياه، داعيا لتوفير بيئة مناسبة في القرى والأرياف وحل مشاكل شحة المياه من أجل منع النزوح من القرى إلى المدن.

ويأتي حديثهما، تعقيباً على تقرير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، الذي نُشر في 23 مايو الجاري، وحذر من احتمالية حدوث موجات نزوح من المناطق الجنوبية، بسبب الجفاف والعواصف الترابية.

وأكد التقرير خسارة ما نسبته 30%من كميات المياه التي كان يحصل عليها العراق من نهري دجلة والفرات.

وكان تقرير تقرير رسمي صدر عام 2018، توقع خسارة العراق نسبة 50%من مياه النهرين اللذين يمثلان شريان الحياة للبلاد، جراء سياسات تركيا وإيران، اللتين تستأثران بالمياه وتبنيان السدود والمشاريع على المنابع.

وأفاد المرصد أن آلاف الأشخاص والعائلات نزحوا من جنوب العراق باتجاه مناطق أخرى بسبب الجفاف والتصحر.

ودعا في تقريره، أجهزة الدولة المعنية بقضايا المناخ والبيئة والزراعة إلى إيلاء أهمية قصوى لمشكلة الجفاف والتصحر والتخفيف من آثار العواصف الرملية والغبار، والعودة إلى العلماء المختصين في هذه المجالات والاطلاع على تجارب دول أخرى تشبه العراق بظروفه المناخية.

وطالب الجهات المسؤولة عن تحديد ميزانية العراق المالية بتخصيص جزء من ميزانية 2022 وما يتلوها من أعوام لقضايا المناخ، بغية تفادي "كارثة تفاقم التغير المناخي".

وبعد أيام قليلة على تقرير المرصد، نشرت وكالة الأنباء الرسمية (واع) مقابلة مع المديرة العامة لدائرة الغابات والتصحر في وزارة الزراعة، راوية مزعل، تتحدث فيها بالتفصيل عن مشاريع يمكنها الحد من التصحر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، مشيرة أيضاً إلى الصعوبات التي قد تحول ون تنفيذها.

وقالت مزعل: "المساحات التي تعرضت للتصحر تقدر بـ 27 مليون دونم وفقدان بحدود مليون و747 ألف دونم من الغطاء النباتي الأخضر، خلال  الـ 10 سنوات الأخيرة".

في نفس السياق، يقول خبير الإستراتيجيات والسياسات المائية وعضو التدريس في جامعة دهوك، رمضان حمزة: "الهجرة من الريف إلى المدن بسبب أزمات المياه والعواصف الغبارية، سيحدث تغييراً ديمغرافياً خطيراً".

"كما سيؤدي إلى زيادة نسب البطالة وتزايد في نسب الجرائم وتدني المستوى الاقتصادي، وسيادة الفوضى على سيادة القانون لتؤدي اإى فقدان الدولة لبوصلة التطور والتنمية"، يتابع حمزة لـ"ارفع صوتك".

ويؤكد: "دون اتخاذ إجراءات ملموسة، ستؤدي القيود التي يعاني منها قطاع المياه لخسائر كبيرة عبر قطاعات متعددة من الاقتصاد، وستؤثر على المزيد من الفئات الأكثر احتياجا بين العراقيين".

ويضيف حمزة أن "أزمات المياه هي المحور والأساس، إضافة إلى عوامل أخرى كلها ستساهم بشكل واضح وملموس بزحف كبير من الريف نحو حواضر المدن".

ويوضح: "الغياب التام للإستراتيجيات والسياسات المائية الرشيدة، خصوصا عندما بلغت إيرادات العراق الكلية من المياه عام 2019 بحدود 100 مليار متر مكعب ولم تستغل بالشكل الأمثل، بل ذهبت هدراً إلى البحر، يمثل مسبباً لأزمة المياه".

وحسب حمزة، فإن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 "لم تراعِ سياسات ناجحة لاستغلال الوفرات المائية، كأن تنشئ مخزوناً إستراتيجياً للمياه عن طريق السدود والخزانات، أو تأهيل مملحة الثرثار لتكون العمود الفقري لخزين العراق الإستراتيجي وإدارة ملف مهم يمس الأمن المائي والغذائي للعراقيين".

دلشاد حسين