خلال فترة حكم الإخوان المسلمين القصيرة في مصر وتونس، اتهمهم خصومهم بأنهم سعوا إلى "أخونة الدولة" والسيطرة على مفاصلها وتغيير طبيعة المجتمع بهدف "بناء دولة دينية". وبرغم أن هذه الاتهامات صحيحة نسبياً، إلا أنه جرى تضخيمها.

وقال المحامي طارق الخولي، مؤسس "جبهة شباب الجمهورية الثالثة"، لموقع (إرفع صوتك) إنه "بعد تولي جماعة الإخوان الحكم في مصر، اتضح أنها لا تريد تسيير شؤون البلاد عن طريق الإجماع الوطني واتجهت نحو بناء طبقة سلطوية مغلقة".

خلال فترة حكمهم، عيّن الإخوان مقربين منهم في وظائف الدولة الهامة. وأثارت إقالة الرئيس الأسبق محمد مرسي للنائب العام عبد المجيد محمود عام 2012 ضجة واسعة، واعتبرها معارضوه تدخلاً في السلطة القضائية ومحاولة لأخونتها. كما هوجم الإخوان بعد تعيين مرسي محافظِين عام 2013، واختياره عدداً كبيراً منهم من بين أعضاء الجماعة.

كان الإخوان، من جانبهم، يعتبرون أن "سيطرة الجماعة على بعض المؤسسات جاءت عن طريق آلية الانتخاب، وهي آلية شرعية شارك فيها الشعب بالتصويت"، كما قال أحمد السبيع، المستشار الإعلامي لحزب "الحرية والعدالة". مضيفاً أن الرئيس مرسي "جاء من خلال صندوق انتخابات بما يكفل له حق الاستعانة بكوادر حزبه في الإدارة وهو شيء طبيعي".

"المرشد" وبوصلة الدولة

في الدستور الذي أعدّته الجماعة عام 2012، نصت المادة الثانية على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وجاءت المادة 219 لتنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة"، ما أقلق ذوي التوجهات المدنية الذين لطاما اعتبروا أن مكتب إرشاد الجماعة يتحكم بالرئيس وبباقي المسؤولين.

بعد سقوط الإخوان، تم إلغاء المادة 219 في الدستور المعدّل.

وفي تلك الفترة، اعتبر القيادي المنشق عن الإخوان ثروت الخرباوي أن الهدف النهائي لجماعة الإخوان المسلمين هو "تأسيس دولة دينية تقوم على الشريعة الإسلامية".

في الحقيقة، يشوب مفهوم "الدولة المدنية" كما يعرّفها الإخوان الكثير من الالتباسات. ما يفهمونه منه يختلف عن فهم الآخرين له. فالجماعة تؤكد في أدبياتها على رفض الدولة الدينية، أي الدولة التي يسيطر عليها رجال الدين، ولكنها تدعو إلى دولة مدنية تلتزم تطبيق شرع الله.

"الإخوان"... أي رسالة الى الغرب؟

برغم ذلك، لم تصدر إشارات جدية حول برنامج إخواني لفرض حكم الشريعة. يعترف الخولي بذلك. لكنه لا يعزوه إلى انفتاحهم على المكوّنات الأخرى، بل إلى "سعيهم إلى طمأنة الغرب حول عدم تشددهم". أما عن سبب فشل مشروع الإخوان فيردّه إلى أن "الشعب المصري وسطي في كل شيء من الدين إلى باقي الأمور الحياتية ويكره كل تطرّف أكان دينياً أو سياسياً، ويكره الحركات التي تضع مصلحة أفرادها فوق مصلحة الشعب".

في تونس، يختلف الوضع عن مصر. وقال منير كشو، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة تونس، لموقع (إرفع صوتك) إن "الإخوان المسلمين حركة عالمية وثمة مشتركات تجمع بينهم، لكن هنالك فوارق كبيرة بين حركاتهم السياسية في الدول المختلفة، وذلك لأن الحراك السياسي والاجتماعي الذي يميّز مجتمعاً معيّناً يؤثر على برامج هذه الحركات وثقافتها السياسية".

"أسلمة الدولة" بين السلفيين والإخوان

ورأى أستاذ علم الاجتماع في جامعة تونس محمد أجويلي، في حديث لموقع (إرفع صوتك)، أن "حركة النهضة لم تفكّر في أسلمة المجتمع لأنه من الصعب أن تؤسلم المجتمع التونسي الذي عاش تجربة حداثية وفيه حركات علمانية ويسارية ونسوية فاعلة، وأيضاً لأن طبيعة الحركة تختلف عن حركات الإخوان في الدول الأخرى. ففي تونس هنالك نوع من المصالحة بين حركة النهضة وبين المجتمع حتى أن أحدهم وصفها بأنها الابن غير الشرعي للرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة".

بعد الثورة، ظهرت إشارات على نيّة حركة النهضة أسلمة المجتمع. ففي تجمع انتخابي عام 2011، وعد أمينها العام حمادي الجبالي أنصار الحركة بـ"الخلافة الراشدة السادسة".

وبعد وصولها إلى السلطة، طالبت الحركة بأن ينص الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسي للتشريع. ولكنها عادت وتخلّت عن مطلبها مستجيبةً للأصوات المعترضة. هكذا نص الدستور الصادر بداية عام 2014 على أن الإسلام دين الدولة التونسية ولكنّه أكّد أن "تونس دولة مدنية".

ولفت أجويلي إلى أن "مَن يريد أسلمة المجتمع هو الحركات السلفية أما النهضة فهي تركز اهتمامها على الدولة وأجهزتها وتسعى إلى السيطرة عليها كحزب سياسي".

وبرأي كشو، "عانت تونس من محاولات أخونة الدولة ولا يزال التونسيون يعانون من تبعات قرارات اتخذها حزب حركة النهضة الإسلامية، وذلك على مستوى التعيينات الإدارية وخاصةً في المواقع العليا للدولة".

شارك بالنقاش:

لو تواصلت تجربة "الإخوان المسلمين" في مصر وتونس هل كانوا سيفشلون في بناء "دولة دينية"؟

*الصورة: مرشد جماعة الإخوان المسلمين محمد بديع ومجموعة من قيادات الإخوان المسلمين في قفص الاتهام/وكالة الصحافة الفرنسية

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.