زهير الكساب

بعد مرور سنوات طويلة على طرح سؤال العلمانية في العالم العربي، ما زالت إشكالية فصل الدين عن السياسة تثير نقاشات واسعة في أوساط الأكاديميين والسياسيين في العديد من البلدان العربية.

وتظل الدول العربية معنية أكثر من غيرها بإشكالية العلاقة بين الديني والسياسي بالنظر إلى الطبيعة المتميزة التي يكتسيها الدين في المجتمعات العربية وتأثيره الكبير في صياغة تفكيرها، وهو ما جاءت نتائج الربيع العربي لتؤكده عندما وصلت إلى السلطة قوى إسلامية تستند بدرجات مختلفة إلى مرجعية دينية واضحة.

لكن، ورغم التشابه في اعتماد المرجعية الإسلامية، تبقى أوجه التباين والاختلاف واضحة بين التجارب العربية في بناء دولة حديثة وعلاقتها بالدين. فالعراق الذي بني نظامه السياسي ما بعد 2003 على هيمنة الأحزاب الدينية وبروز البعد الطائفي، يختلف عن دول أخرى مثل المغرب الذي لا يجد غضاضة في مزاوجة الدين بالسياسة في إطار نظام فريد يوائم بين الاثنين، ويضمن قدراً من الاستقرار.

تجربة المغرب والشرعية الدينية

في هذا السياق، يرى الباحث المغربي والأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، د. عبد  الحق عزوزي، أن الدين الإسلامي لم ينفصل أبداً عن الشرعية السياسية في المغرب، "فالسلطان، أو الملك كان تقليدياً مسؤولا عن حماية الدين وإقامة الشريعة من خلال رعايته للعلماء وحرصه على نشر التعليم الشرعي. بل إن النخبة الدينية كانت في التاريخ السياسي المغربي تمارس رقابة على السلطان".

وأضاف عزوزي في حديث لموقع (إرفع صوتك) أن "أي إخلال بواجب الدفاع عن الثغور ضد المحتمل، قد يفضي إلى العزل".

تداخل السياسة بالدين في المغرب يتجلى على نحو خاص في دساتير المملكة، التي تنص جميعها على أن الإسلام هو دين الدول، فقد نص دستور 2011 على أن "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية".

وبمعنى آخر، يجعل الدستور من الإسلام مكوناً أساسياً في الهوية المغربية والرافد الأهم في تشكيل الشخصية الوطنية بأبعادها المختلفة. لكن ما يكرس بوضوح أكبر موقع الدين داخل النظام السياسي هو علاقته بالملك، وهي علاقة تنكشف تفاصيلها في الفصل 41 من الدستور الذي ينص على أن "الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية"، هذا بالإضافة إلى أن الملك في المغرب يرأس المجلس العلمي الأعلى الذي يتولى تنظيم الحقل الديني في المغرب.

إمارة المؤمنين... صمام أمان

وهكذا لا يمكن الحديث في التجربة المغربية عن قطيعة بين الديني والسياسي، أو فصل بين المجالين بقدر ما يبرز التعايش الإيجابي بينهما، حيث يتجاور الحقل الديني برمزيته وطابعه الهوياتي مع مكونات الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات المدنية، وهو الأمر الذي أكده الباحث عبد الحق عزوزي.

وأضاف "هناك خاصية مغربية في المجال السياسي العام المغربي، وهي إمارة المؤمنين باعتبارها مؤسسة توحد الخاص والعام، وهي إحدى الرموز الكبرى لوحدة الوطن. ولفهم هذه المسألة بالإمكان أن نقيس دور إدارة المؤمنين بدور الوحدة المذهبية في تاريخ المغرب، فلهما نفس التأثير في وحدة الدولة المغربية والحفاظ عليها من شرور التشرذم والفتن".

ويرى الباحث أن التفاعل الإيجابي بين الديني والسياسي في المغرب ربما يمثل نموذجاَ لباقي البلدان العربية، بحيث يتفرغ الساسة لإدارة الحياة العامة وتعكف النخب على تدبير المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فيما تدبير الحقل الديني هو فعل خاص بالملك.

وعن دور إمارة المؤمنين في حفظ الاستقرار بالمغرب يقول عزوزي "إن إمارة المؤمنين تقصم ظهر كل من يريد أن يستغل الدين لحسابات سياسية أو مغرضة أو يحدث الفرق والنحل والطوائف. قارن معي: هل غيّر «حزب العدالة والتنمية» المستند إلى مرجعة دينية في المغرب شيئاً من أمور الدين منذ أن وصل إلى الحكومة؟ لا شيء، ولا يستطيع أن يقوم بذلك لأن الثوابت داخل المجال الديني لا يمكن أن تتزعزع، حتى إن كل مؤاخذات "حزب الاستقلال" قبل أن يخرج إلى المعارضة كانت جلها تصب في ميادين تسيير الشأن العام. فإمارة المؤمنين رسخت خطوطها انطلاقاً من العلاقة الوثيقة بين الملكية والإسلام في تاريخ المغرب الأقصى، فنتج عنها هذا الحقل المرتكز على مفهوم البيعة، والتي هي عقد سياسي وروحي بين الحاكم والمحكوم، إلى جانب التواجد الدستوري المهيكل والمنظم للمجال السياسي العام وبالأخص في مجال التعدد السياس".

ويخلص الباحث المغربي إلى أن الدين والسياسة في المغرب ليسا بالضرورة مصدري توتر بالنظر إلى وحدة المذهب في المغرب وغياب التعددية الطائفية، وأيضاً لأن "الأمن الروحي الذي رسخته إمارة المؤمنين بالنسبة للمغاربة" هو الذي يفسر غياب التوتر السياسي في أعلى وأخطر تجلياته داخل المجال السياسي العام، أي بين النخب السياسية ذات الوجه الإسلامي والأخرى المختلفة معه، مقارنة مع دول كتونس ومصر، الأمر الذي أعطى للتجربة السياسية المغربية خصوصيتها المتميزة".

*الصورة: "إمارة المؤمنين تقصم ظهر كل من يريد أن يستغل الدين لحسابات سياسية أو مغرضة"/وكالة الصحافة الفرنسية

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.