محمد الدليمي

مدينةٌ عراقية تقع في محافظة الأنبار. تموت جوعاً منذ أكثر من سنة نتيجة حصار شديدٍ يفرضه عناصر تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" عليها.

إنها مدينة حديثة، تلك المدينة التي لا يجد ساكنوها غذاءً كافياً ولا دواءً يتعالجون به. يبلغ عدد سكانها 96 ألف نسمة، فضلاً عن قرابة 30 ألف لاجئ هربوا إليها.

تكررت هجمات التنظيم لاحتلال المدينة، على مدى عام ونصف، لأهميتها الاستراتيجية وقربها من قاعدة (عين الأسد) الجوية واحتوائها على ثاني أكبر سدود العراق المائية.

كل هذا يدفعك للتساؤل إلى أي حدٍ وصل التطرف بهؤلاء الناس حتى يريدوا قتل كل هذا العدد من الناس جوعاً وعطشاً وقصفاً؟ لكن ورغم تهديدات التنظيم بالإبادة الجماعية لعشائرها في رسائل بثها على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد ظلت المدينة تقاوم.

 تقع مدينة حديثة على مسافة 240 كم شمال غرب بغداد وهي مدينة زراعية وفيها أراض خصبة، وتزخرُ بالمثقفين والأسماء الكثيرة التي ساهمت بتاريخ العراق الحديث. يعود تاريخها لأكثر من 3000 سنة للعصر البابلي وتحتوي على أكثر من 30 مَعلَم أثري، منها مسجد يعود تاريخه لعام 16 هجرية.

بحثاً عن حليب الأطفال

تقول أم أحمد، التي اضطرت لمغادرة حديثة قبل عدة أشهر نتيجة عدم توفر حليب الأطفال لابنتها التي لم تكمل شهرها الثاني.

"لم أعد قادرة على شراء علبة الحليب الصغيرة التي تضاعف سعرها عشرة أضعاف، إذا وجدت، ولا أريد لابنتي صفاء أن تموت جوعاً".

أم احمد وغيرها من النساء اللواتي اضطررن لمغادرة المدينة، بصعوبة بالغة وبتحمل مخاطر لا تحصى هددت حياتهم، لم تنته معاناتهم، بل ازدادت أثناء مرورهم بمناطق سيطرة تنظيم داعش وصولاً إلى بغداد، التي منعتهم القوات الحكومية من الدخول إليها فظلوا في الصحراء ستة أيام.

"هربنا من الموت حتى وصلنا لبغداد، فخفنا هناك من الموت أيضاً، وكأننا لسنا عراقيين، وكأننا لم نعاني من الحصار. وكأننا غرباء".

وجدوا كفيلا فسافروا لإقليم كردستان العراق.

وتختتم أم احمد كلامها بصوت لم يستطع كتمان الدموع "حديثة أم الخير، حرام اللي يصير بيها".

ويعاني العديد من الاطفال في المدينة من أمراض نتجت عن سوء التغذية وشرب الماء غير الصافي، وهو ما حاول عدد من الأطباء علاجه بالوسائل المتوفرة في المدينة.

أمراض منتشرة .. ومرتبات متأخرة

قائم مقام مدينة حديثة عبد الحكيم الجغيفي قال من المدينة المحاصرة في اتصال هاتفي مع موقع (إرفع صوتك)، إن المدينة تواجه خطر الموت جوعاً ومرضاً، فضلا عن الحرب.

فالقصف المستمر عليها، ومحاولات اقتحامها من قبل تنظيم داعش باستخدام العديد من السيارات الملغومة والمتزامنة مع قصف مدفعي غالباً ما تنتهي عند ساترها الترابي، لكن بتضحيات العديد من أبنائها.

يقول الجغيفي "الوضع المعيشي صعب جداً. حتى أصبح الحصول على رغيف الخبز رفاهيةً للعديد من الناس وصعباً للغاية، فضلا عن أنواع الطعام الأخرى التي صار يحلم بها الكثير من أهالي حديثة".

وزاد الوضعَ سوءاً الأزمة الصحية الخانقة في حديثة نتيجة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. فالمدينة التي تعتمد على المساعدات القادمة جواً عن طريق رحلات محدودة تقوم بها طائرات عراقية للمطار العسكري القريب منها، لا تكاد تحصل على ما يكفيها من الاحتياجات المختلفة. ويقول الجغيفي "المدينة تعاني من نقص مستويات المياه في نهر الفرات، مما أدى لركود الماء وتعفنه. وهذا ما قاد إلى انتشار الأمراض الجلدية وغيرها بين الشباب والأطفال والنساء والشيوخ. وكلهم يعانون من نقص المستلزمات الطبية عند مراجعة المستشفى".

ويضيف الجغيفي أن هناك أزمة مالية خانقة نتيجة توقف الأعمال الخاصة المختلفة والمرتبات من الحكومة، حيث تعاني العوائل من عدم تسلم مرتباتهم لأكثر من ثلاثة أشهر. فتقطعت بالناس سبل المعيشة وهم لا يجدون المال الكافي لشراء الأغذية التي تضاعفت أسعارها.

"اندثرت الأعمال الخاصة، فصار الناس يعتمدون على الراتب، إن كان له وظيفة حكومية. فكيف يعيش الناس وهم لم يستلموا أجورهم منذ ثلاثة أشهر؟".

وكان تنظيم داعش قد قتل 16 تاجراً من أهالي حديثة حاولوا إدخال المواد الغذائية إلى المدينة، حسب ما أعلنه الجغيفي في وقت سابق.

لا يمكن السكوت

ويقول ناشطون مدنيون سافروا إلى مدينة حديثة جواً لنقل مساعدات للمدينة، إن المدينة تعيش وضعاً مأساوياً لا يمكن أن تسكت عنه الحكومة ولا المنظمات الإنسانية.

الناشط عمر العلواني الذي يتهيأ للسفر إلى حديثة قريباً لنقل 25 طناً من المساعدات والأغذية، والذي سافر إلى المدينة برفقة عدد من المتطوعين سابقاً، وجد مدينةً تحتاج لمساعدة عاجلة وبلا توقف حتى تستطيع الصمود بوجه الهجمات التي تستهدفها.

ويقول "لحظة دخولك مدينة حديثة، تشعر بأنها تختلف عن غيرها. ترى الوسائل البدائية لتبريد المياه. ترى اعتماد الناس على الدراجات الهوائية لعدم توفر الوقود، وجوعاً وقلقاً في كل مكان".

وليس أهالي حديثة وحدهم من يعاني من نقص الإمداد والأغذية، ولكن معهم الجنود المرابطين في المدينة وسط ما أسماه العلواني بالتقصير الحكومي.

وقال "إن هذا الوضع لا يمكن السكوت عنه. نحتاج عملاً وطنياً ودولياً لإغاثة المدينة، فالمدينة منكوبة".

وكان عدد من الناشطين المدنيين العراقيين والمتظاهرين في بغداد قد رفعوا شعارات تنادي بإغاثة مدينة حديثة وأطلقوا على حملتهم (أغيثوا مدينة حديثة).

*الصورة 1:  ظلت مدينة حديثة تقاوم رغم الجوع والنقص في كل متطلبات الحياة الأساسية/وكالة الصحافة الفرنسية

* الصورة 2: أطباء من مدينة حديثة يفحصون أطفالاً يعانون من سوء التغذية/مواقع التواصل الاجتماعي

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.