بقلم حسن عبّاس:

تفاجأ اللبنانيون من خبر الإعلان عن انضمام دولتهم إلى التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي أعلنت عنه السعودية. ولكن مفاجأة اللبنانيين كان لها طابع خاص كونها ترافقت مع سجال داخلي غريب.

فوضى اليوم الأول

فرئيس الحكومة تمام سلام أصدر بياناً أعلن فيه أنه تلقّى اتصالاً هاتفياً من القيادة السعودية لأخذ رأيه حول انضمام لبنان إلى التحالف وأنّه رحّب بتأسيسه "كون لبنان على خطّ المواجهة الأمامي مع الإرهاب". ومن الأمور اللافتة في البيان أن معلومات سلام بدت أوّلية جداً فهو رحّب بـ"التحالف العربي الإسلامي"، مع أن التحالف إسلامي وليس تحالفاً عربياً.

في المقابل، وفي اليوم نفسه، أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين بياناً أكّدت فيه أنها "لم تكن على علم، لا من قريب ولا من بعيد" بالموضوع وأنه "لم يتم التشاور معها لا خارجياً كما تفرضه الأصول ولا داخلياً كما يفرضه الدستور".

وبرغم أن الوزارة أعربت عن تأييدها لأيّ تحالف يهدف إلى محاربة الإرهاب، إلا أنها أبدت حرصها على أن يكون موقفها مستقلاً "نابعاً من أولوية مصلحة لبنان، ومن التوافق الداخلي على هذه السياسة الخارجية"، في إشارة إلى أن أيّ موقف بحجم المشاركة في تحالف عسكري لا يمكن أن يمّر في لبنان من دون توافق كل الأطراف الداخلية عليه.

لبنان ليس دولة إسلامية

في دولة مثل لبنان تعيش على التوازن بين الأطراف السياسية – الطائفية المختلفة، يصعب الترويج لخطوة مثل التحالف الإسلامي خاصةً أن هذا التحالف يعني التقرّب الكامل من السعودية والابتعاد عن إيران التي لم تُضمّ إليه.

وللتعبير عن رفضه، اختار وزير العمل سجعان قزي، وهو عضو في حزب الكتائب اللبنانية الذي يتبنّى موقفاً وسطياً بين تيار المستقبل وحزب الله، مدخلاً بعيداً عن الانقسامات الإقليمية لرفض التحالف. وقال إن "لبنان لم يقرّر المشاركة، فهو ليس دولة إسلامية ولا مسيحية لكي ينضم إلى حلف إسلامي أو مسيحي"، ومطالباً بـ"أن يكون هناك حلف واحد لا ديني، لا إسلامي ولا مسيحي" لأن "التّحالفات ذات التّسمية الدينية من شأنها تعميق الصّراعات المذهبية والدينية التي تجتاح الشرق الأوسط".

من الواضح أن موقف قزّي هو موقف اختار الابتعاد عن صلب الموضوع لعدم تعكير علاقته بتيار المستقبل. ولكن الرئيس سلام لم يمرّر هذه الحجة بلا تعليق. ففي مقابلة له ذكّر بأن "لبنان عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي ورئيس الجمهورية اللبنانية هو المسيحي الوحيد الذي يشارك في اجتماعات القمة الإسلامية"، داعياً إلى عدم تحريك الحساسيات.

التوافق الداخلي الصعب

منذ سنوات ولبنان يعيش أزمة سياسية حادّة وانقساماً سياسياً بين فريق متحلّق حول حزب الله الشيعي وآخر حول تيار المستقبل السنّي. وهذه الأزمة بعض عناصرها داخلية وبعضها الآخر له علاقة بالانقسام الحاد في الشرق الأوسط بين القوى الإقليمية الفاعلة. وهذا ما أدى إلى تمديد مجلس النواب لنفسه وإلى العجز عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

من هنا، مفهوم أن ينقسم اللبنانيون حول مسألة بحجم مسألة انضمام بلدهم إلى تحالف إقليمي. وهذا الانقسام ظهر فوراً. فمن جهة، رحّب رئيس الحكومة السابق، زعيم تيار المستقبل سعد الحريري بالتحالف معتبراً أنه "خطوة تاريخية في الطريق الصحيح" وضرورة لـ"مكافحة الإرهاب الذي يتخذ من الإسلام وسيلة للطعن بالإسلام". ومن جهة مقابلة، اعتبر حزب الله أن ما قاله رئيس الحكومة "هو رأي شخصي لا يلزم أحداً"، متحدثاً عن "معطيات مشبوهة" أحاطت بإعلانه.

في كل الحالات، عاد سلام وأشار إلى أن موقفه ليس أكثر من "موقف مبدئي وأوّلي من الدعوة السعودية". فالدستور اللبناني يمنعه من أكثر من ذلك وهو ما أشارت إليه قوى سياسية عدّة في بيانات أصدرتها.

فالمادة 52 من الدستور تنص على أنه "يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء" وتؤكد أن "المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب".

مخاوف ولكن لا خوف

يتخوّف قسم من اللبنانيين، وبشكل خاص معارضي السعودية، من تصنيف المملكة العربية للمنظمات الإرهابية، ومن أن يطال عملها التصدي لمنظمات مثل حزب الله  وفصائل فلسطينية والحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق، وهي منظمات يرى الكثير من اللبنانيين أنها شرعية ووجودها ضرورة.

ولكن لا داعي للخوف لأن موافقة رئيس الحكومة "المبدئية والأولية" ليس لها أيّة تبعات طالما أن مجلس الوزراء لم يتخذ قراراً حول هذا الأمر.

وفي الأساس، أكّد سلام أنه "لا يوجد في إطار التحالف الإسلامي ما يلزم لبنان بأيّة مشاركة عسكرية"، ولكن يمكن للبنان أن يقدّم خبرات أمنية أو أن يستفيد من خبرات الدول الأخرى المشاركة فيه.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.