بقلم إلسي مِلكونيان:

عززت الأحداث الإرهابية الأخيرة في أوروبا وأميركا والتحاق المئات من الشبان في الغرب بالمنظمات المسلحة نظرة الغرب السلبية للمسلمين، وهي ما كان قد أشار إليها سابقاً استطلاع مركز "بيو" للأبحاث الذي خلص إلى أن "معظم الغربيين يميلون إلى ربط الإسلام والمسلمين بالعنف والتطرف"، وتناقلتها صفحات التواصل الاجتماعي.

لكن يبدو أن هذه الصورة قد تكون مختلفة في عيون الغربيين الذين يعيشون في الدول العربية والتي يشكل الإسلام فيها مصدراً رئيسياً للتشريع. فالحياة في الدول العربية والتعايش مع مواطنيها أتاح لهم الفرصة لفهم ماهية الأمور.

تزايد المتطرفين الإسلاميين

يستعرض موقع (إرفع صوتك) بعض الآراء على مواقع التواصل الاجتماعي التي تؤيد ارتباط الإرهاب والتطرف بالإسلام. يعتبر المرصد الإسلامي، والذي يعنى بمحاربة الإسلاميين، في تغريدة على تويتر أن عدد المتطرفين المسلمين قد تضاعف مقارنة بالعام الماضي:

https://twitter.com/Islamist_Watch/status/698358164631261185  

وفي تغريدة أخرى يقول المرصد أن من سبّب تفجيرات كوبنهاغن في العام الماضي كان يحمل القرآن:

https://twitter.com/Islamist_Watch/status/696880304921903107  

نظرة مغايرة للإسلام والمسلمين

تعتبر الإمارات العربية من أكثر دول الشرق الأوسط جذباً للقوة العاملة الأجنبية، بحسب تقرير لينكدإن الأخير. وتمنح هذه الدولة المبنية على أسس الشريعة الإسلامية المقيمين فيها أجوراً من غير ضرائب، إضافة لتوفيرها الاستقرار الأمني واحترام النظم التي سنها الشارع، فقد احتلت الإمارات مركز الصدارة في عام 2013، بسبب التطبيق الفاعل للأنظمة بحسب مؤشر سيادة القانون.

وترى باحثة اقتصادية كندية (فضلت عدم الكشف عن اسمها)، وانتقلت للعمل في منظمة دولية في دبي، بأن حياتها في الإمارات ساعدتها على فهم التعاليم الإسلامية التي لا يدرك أقرانها القاطنون وراء البحار معناها الحقيقي. فالإسلام في الإمارات يمثل قيادة عليا تطبق سيادة القانون على جميع المقيمين على أراضيها.

 تقول الباحثة "أعتقد أن جميع الأديان هي شكل من أشكال خداع الذات، لكن الإسلام هنا هو قوة دافعة لفرض النظام لأنه يبني سلطة عليا يبدو أننا في حاجة إلى احترامها. وأعتقد بأن اختياري لدولة إسلامية كدولة الإمارات العربية ودبي على وجه الخصوص لأعيش فيها هو اختيار رائع. حتى وإن كان داعش يدعي إسناد حكمه إلى ذات المبادئ الإسلامية التي تحكم بها دولة الإمارات. الإسلام هنا هو شكل من أشكال الدكتاتورية المحمودة، تمارس السلطة بشكل وظيفي تفوق فاعليتها العديد من الديموقراطيات الغربية".

وبالمقابل يعتقد الأميركي برايان فرايدنبرغ والذي يعيش في الأردن منذ ثلاث سنوات، بأنّه يتحتم على المجتمعات الغربية التمييز بين المسلمين ومن يتخذ الإسلام ذريعة ليبث الإرهاب. فقد التقى هذا الكاتب المستقل بالعديد من المواطنين الأردنيين الذين يشهدون حالة التوتر المتكرر من قبل المتشددين في مدينة معان والتي امتدت إلى مدينة إربد الأسبوع الماضي.

يقول فرايدنبرغ في مداخلة مع موقع (إرفع صوتك) إن "الإسلام بطبيعته لا يتحدد مع الخير أو مع العنف بشكل كامل، فهو لا يختلف عن غيره من الأديان، إذ له محاسن ومساوئ. لكن لا يمكننا اعتبار أغلبية المسلمين إرهابيين. فهناك أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، وإذا اعتبرنا أن غالبيتهم إرهابيون، لكانت حياتنا مهددة بالخطر. في الوقت نفسه، لا يمكننا أن ننكر أن الإسلام هو انعكاس لتردي الحالة الاجتماعية والاقتصادية لمجتمع ما والمرتبطة أيضا بالمشاكل الجيوسياسية في العالم العربي. وهذا ما يجعله مرتبطا بمشاكل التطرف والعنف".   ويدعم رؤية فرايدنبرغ ناشطون على صفحات التويتر بقولهم "لا يجوز أن نعتبر كل مسلم إرهابيا".

https://twitter.com/MiriamIsa/status/705488171304226816

ورغم تباين الآراء بين الغربيين الذين يعيشون في العالم العربي وبين الغرب الذي يربط الإسلام بالإرهاب، بحسب ما ورد في استطلاع "بيو"، يستمر توافر العمالة الأجنبية إلى الدول العربية. فقد بلغ عدد العمالة الوافدة بحسب الإحصاءات الأخيرة المسجلة في وزارة العمل في الإمارات العربية في عام 2014 حوالي 4.5 مليون بعد أن كانت دون الأربعة مليون عام 2010.

*الصورة: برج خليفة في دبي/shutterstock

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.