بقلم حسن عبّاس:

لا شيء على مواقع التواصل الاجتماعي يجذب انتباه الشباب أكثر من الفيديوهات. نظرة بسيطة على التفاعل مع ما يُنشر منها تكفي لإثبات ذلك.

من هنا بادر البعض إلى الحديث عن أمراض مجتمعه والتصدّي للتطرّف عبر صفحات مخصصة لنشر الفيديوهات.

البشير شو

إحدى الصفحات التي سلكت هذا المنحى هي صفحة البشير شو Albasheer Show، وهو في الأساس برنامج كوميدي عراقي ساخر يقدّمه الإعلامي أحمد البشير، وكان يُبثّ عبر قناة الشاهد المستقل، لكنه مُنع بعد تلقي تهديدات من أطراف عراقية استاءت من السخرية منها. وتحوّل إلى برنامج تُنشر حلقاته على موقع يوتيوب وتحقق نسب مشاهدة عالية.

يضع البشير نصب عينيه هدف إضحاك العراقيين. وقال لموقع (إرفع صوتك) "من أصعب الأشياء أن تجعل العراقي يضحك بسبب المآسي التي عاشها، ولإضحاكه تحتاج إلى نكتة قوية".

وتابع أن "إيصال الرسالة إلى الناس من خلال فكرة مضحكة هو أفضل طريقة للوصول إلى عقلهم الباطني".

وعلى استمراره في العمل برغم تلقّيه تهديدات، علّق البشير "إذا كل واحد توقّف عن التعبير عن رأيه بسبب تهديد يتلقّاه، لن يبقى أي شخص يعبّر عن رأيه في العراق".

انتقل البشير مع فريق عمل برنامجه إلى الأردن، لكن الخطر لا يزال يحدق بهم، فمن بين الممتعضين من البرنامج تنظيم داعش.

وقال البشير "موضوع داعش هو موضوع شخصي بالنسبة إلينا في فريق البرنامج. كلّنا تأذينا بسببه ففقد بعضنا أقارب وفقد بعض آخر منازل وتشرّد آخرون، ولن نوقف نقدنا له حتى ولو تأذّينا جسدياً".

وحديثاً، صارت صفحة البرنامج تنشر حلقات مخصصة لفيسبوك. جزء كبير منها يتمحور حول هذا التنظيم المتطرّف. وشرح البشير أن "هذه الفيديوهات هي جزء من حملة هدفها محاربة العنف والطائفية وتشجيع ثقافة التعايش بين العراقيين".

ضمن هذه السلسلة الجديدة مجموعة من الحلقات التي تتناول القيود التي يضعها داعش على حياة الناس، بقالب كوميدي، كما في الحلقة التالية:

وفي حلقة فانتازية ساخرة، نرى تخيّلات لما يمكن أن يحضر في أحلام الداعشي فيخيفه:

ولا تكتفي السلسلة الجديدة بذلك، بل خصّصت مجموعة حلقات لانتقاد ازدواجية العراقيين حين يتحدثون عن الوطنية واللاطائفية بينما هم منغمسون في الطائفية، ومنها الحلقة التالية:

وعن هذه الحلقات، قال البشير "جزءٌ كبير من العراقيين لا يتقبّل النقد. وحاولنا بطريقة ساخرة أن ننتقد بعض الأفكار الشائعة والازدواجية الموجودة عند عدد كبير من الناس".

ومؤخراً، نشرت الصفحة رسالتين مصوّرتين من أحمد البشير. في إحداهما ينتقد ازدواجية العراقيين في ما خصّ رأيهم بالسياسيين وأمور مختلفة من حياتهم العامة. واللافت أنها حققت نسبة تفاعل كبيرة بين تعليقات ومشاركات.

وقال البشير "في هذه الرسائل أعطي رأيي ببعض الأمور فمن النادر أن يواجه أحدهم العراقيين بهذه الطريقة النقدية، لكن تبيّن من التفاعل معها أنهم تقبّلوا ذلك".

الخليفة برهوم

وفي الفترة الأخيرة، اشتهرت صفحة "أعماق الخليفة برهوم" على فيسبوك. وتعرّف الصفحة هدفها ببساطة شديدة، فتقول "نظهر داعش كما هم. مع أسلحة".

وقال أحد المشرفين عليها، مفضلاً عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، لموقع (إرفع صوتك) إن "التحليلات والأبحاث المعمّقة لا تُقرأ كثيراً في العالم العربي ولا يتفاعل معها الناس. بينما بالعكس نراهم يتفاعلون مع الكوميديا".

وتابع أن "الكوميديا تشجّع الناس على التفاعل مع قضايا جدية كخطر داعش وعلى التعبير عن رأيها بلا تحفظات. فالسخرية تُخرج المواطنين من مخاوفهم كما أنها قادرة على إيصال نفس الرسالة التي تتضمنّها الكتابات الجادة".

تنشر الصفحة محتوى خاصاً، لكنها تشارك أيضاً بين حين وآخر بعض الوثائقيات القصيرة أو الصور الكاريكاتورية أو حتى أخباراً عن انكسارات لداعش مع وضع تعليقات عليها.

تتبُّع بدايات الصفحة يظهر أن نقلتها النوعية في المحتوى الذي تقدّمه كانت مع شروعها بنشر "‏ذا بيغ دادي شو"، وهو سلسلة رسوم كارتونية تنطلق من ست شخصيات، وهي أول رسوم متحركة ثلاثية الأبعاد تتناول داعش في العالم.

تتناول حلقة جديدة من "ذا بيغ دادي شو"، فكرة فيديوهات الإعدامات التي يبثها داعش. وتُبنى الحلقة على فكرة أن هذه الفيديوهات ليست سوى تمثيل. وبرغم ابتعاد الفكرة عن الواقع، يلفت أن تكتيك نزع القوّة عن داعش أغضبت بعض المتعاطفين معه فاعترض أحدهم في تعليق مصرّاً على أنهم "يخوّفون ويرعبون".

بشكل عام، تتفاوت الحلقات من حيث قوّة فكرة المحتوى. فنرى إحداها تركّز على إبراز داعش كخطر كوني من خلال فكرة لقاء بين أبي بكر البغدادي وبين مخلوقات فضائية. وفي المقابل، نرى حلقات أخرى تنطلق من فكرة قويّة مثل الحلقة التالية:

يكتفي القائمون على الصفحة بتعريف أنفسهم بأنهم شباب عراقيون وعرب متنوّعو التخصصات. وفي التعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي، لا يدخلون في حوارات مع المتعاطفين مع داعش والممتعضين من عملهم لتغيير قناعاتهم. لكن الشخص الذي تحدث معه موقع (إرفع صوتك) يؤكد أن هنالك حوارات جادة تدور في رسائل يتبادلونها مع بعض هؤلاء.

ولفت إلى أن "بعض الأشخاص الذين يشتموننا صاروا من مرتادي الصفحة الدائمين مع أنهم يأتون للتهجّم علينا، وفكرة زياراتهم المتكررة لمنبر يختلف معهم بحد ذاتها هامة".

الصورة: كاريكاتير لأبي بكر البغدادي/عن صفحة "أعماق الخليفة برهوم" على فيسبوك

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.