بقلم حسن عبّاس:

تُبنى مشاعر الإسلاموفوبيا (رهاب الإسلام) على مجموعة من الأفكار النمطية التي تكون أحياناً خاطئة وأحياناً أخرى صحيحة، لكنها تقع في فخّ التعميم أو التضخيم والمبالغة.

دين عنيف

"هنالك فكرة شائعة عند معادي المسلمين وعند غيرهم أيضاً مفادها أن المسلمين يؤمنون بغير الله الذي يؤمن به الأميركيون، وبأن إله المسلمين ليس هو نفسه إله الأديان الإبراهيمية. وقد يكون استخدام المسلمين لكلمة الله معرّبةً سبباً في ذلك"، لاحظت الكاتبة والإعلامية الأميركية الفلسطينية سمر دهمش جرّاح.

جرّاح تقدّم، منذ 12 عاماً، برنامجاً إذاعياً على راديو "دبليو أم أن أف" بعنوان "ترو توك" (حوار صادق)، وهو برنامج حواري يركّز على قضايا الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ومن أهدافه التعريف بالإسلام بعيداً عن التنميط السائد.

ولفتت جرّاح  إلى أن معادي المسلمين "يعتقدون أن النبي محمّد هو مَن كتب القرآن وأن هذا الكتاب يشجّع على العنف ويحتوي على أفكار تحتّم على المسلم قتل المسيحي واليهودي".

وأضافت أنهم "يعتقدون أن المرأة المسلمة مضطهدة ولا حقوق لها وأن الإسلام يضطهدها ويزوّجها وهي صغيرة في السنّ وأنّه ليس لها رأي بزواجها وأن الحجاب يُفرض عليها، وأن الرجل المسلم يتزوج أربع نساء ويحق له ضربهنّ".

ولفتت إلى أنهم يظنّون أن المسلم هو العربي فيتفاجأون حين يلتقون بمسلم أشقر. وروت أن أميركيين كثيرين التقتهم في ندوات "لا يعرفون أن هنالك مسيحيين عرب ولا أن آثار المسيح والعذراء موجودة في قلب العالم العربي"، وتابعت "كان المشاركون يظنّون أن المسيح وُلد وعاش في الفاتيكان".

وبرأيها، فإن أحد أسباب هذه الآراء الخاطئة والتعميمات هي ما يتضمّنه الأدب البريطاني الاستشراقي الذي يربط عادةً بين الإسلام والعنف وغزو الآخرين.

وأضافت "أن المشكلة حالياً هي أن داعش يطبّق ما كنت أقول لهم بأنه خاطئ وغير صحيح".

دين غير حداثي

وأشار الخبير في الأمن القومي الأميركي رايان مورو إلى أن "استطلاعات الرأي تظهر بشكل منهجي أن غالبية الناخبين الجمهوريين توافق على اقتراح (المرشّح الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية دونالد) ترامب منع هجرة المسلمين".

وبرأيه، "هنالك قناعة بأن المهاجرين المسلمين يأتون إلى أميركا، لكنّهم لا يتحوّلون إلى أميركيين، وبأنهم لا يندمجون في الثقافة الأميركية. وعوضاً عن ذلك يشكّلون تجمّعات منعزلة تتحوّل إلى قاعدة خصبة لنموّ التطرّف".

وبحسب مورو الذي يعمل في "مشروع كلاريون"، وهي منظمة غير ربحية تعرّف هدفها بالتصدي لخطر التطرّف الإسلامي، فإن "هذا الإدراك لا يأتي من لا شيء. مؤيّدو فكرة منع هجرة المسلمين يستندون إلى فكرة مشروعة وهي أن القاعدة وداعش جنّدا بشكل كثيف عناصر من التجمّعات الصومالية التي تعاني من مشاكل في ما خصّ الاندماج".

هذه الأفكار الشائعة تؤكد جرّاح انتشارها بقولها إن معادي المسلمين "يعتقدون أن المسلمين لا يمكن أن يكونوا مواطنين أميركيين كاملين وأن إيمانهم بالإسلام يمنعهم من محض الولاء لأميركا وللدستور الأميركي لأن ولاءهم للقرآن الذي هو دستورهم ويتناقض مع قيم الدستور الأميركي، فليس فيه حرّيات ولا ينسجم مع الديموقراطية الحديثة".

لكنّها أيضاً تؤكد انتشار مثل هذه الأفكار بخصوص الكاثوليك "إذ يعتقد البعض أن ولاءهم هو للفاتيكان لا للولايات المتحدة".

الإسلاموفوبيا كذريعة

يطرح مورو نقطة هامة هي استسهال البعض رشق الآخرين بتهمة الإسلاموفوبيا "بهدف كبت بعض الأفكار المحددة" التي لا تعجبه.

واعتبر أن "بعض القوى السياسية، وبالتحديد تلك القوى الودّية تجاه الإسلاميين، تستنكر الانتقادات للإسلام المتطرّف باعتبار أنها "إسلاموفوبيا" أو آراء متعصّبة".

وتابع أن "إساءة استخدام مصطلح "الإسلاموفوبيا" تجعل من الصعب جداً إجراء حوار صادق حول هذه القضية الهامة وإحداث تقارب بين المسلمين وغير المسلمين".

ما الحلّ؟

أمام واقع تنامي مشاعر العداء للمسلمين، يقترح البعض، كالمرشّح الجمهوري دونالد ترامب، منع كل المسلمين من الدخول إلى أميركا.

وبرأي مورو، "هذا خطأ وهو أيضاً غير قابل للتطبيق، خاصةً من وجهة نظر محاربة الإرهاب. فإذا أراد إرهابي إسلامي الدخول إلى البلاد ليقتل شخصاً ما، فإنّه بالتأكيد سيكذب بخصوص إيمانه".

وأكّد مورو أن "سياسة مماثلة تبقى تحريضية وتحول دون تحوّل الولايات المتحدة إلى بيت للحلفاء المسلمين الذين يرغبون بالقدوم إلى هنا".

وتابع أن داعش "يتمنّى حدوث ردّ فعل معادٍ للمسلمين لأن ذلك يدفع المسلمين إلى "منطقة رمادية" في ما خص موقفهم من قضيته"، ما يعني أنه سيسهّل عليهم تجنيد عناصر جديدة.

من جانب آخر، أكّدت جرّاح أن "الأميركي عادةً يتميّز بحسّ سليم فهو لا يعمّم ولا يقول إن كل الألمان نازيين ولا يكره كل اليابانيين. وهو يحب أن يستمع إلى وجهة نظر المسلم"، لافتةً إلى أنه بعد أحداث العنف التي يقوم بها بعض المسلمين، ترتفع نسبة الاستماع إلى برنامجها الإذاعي كما يتزايد عدد الذين يذهبون للمشاركة في محاضراتها.

الصورة: غرافيتي امرأة محجبة في باريس/عن موقع Shutterstock

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.