الأردن – بقلم صالح قشطة:

في حوار مع موقع (إرفع صوتك)، يناقش د. مهند مبيضين، كاتب ومؤرخ وإعلامي أردني له أبحاث حول الحركات الإسلامية المعاصرة، نقاط الضعف في مواجهة الإرهاب سواءً على الصعيد العالمي أو الصعيد الأردني المحلي.

س: برأيك، ما الأسباب التي أدت إلى التطرف والأحداث الإرهابية التي أصبحنا نشهدها بشكل شبه يومي في المنطقة والعالم؟

ج: ما يحدث اليوم هو نتيجة لصدام مشروعين، صدام مشروع النفوذ الغربي في المنطقة مع طموح الشعوب العربية إلى التغيير والتطوير، بالإضافة إلى مشروع هيمنة الدين على السياسة. وهذا ما حدث عندما وضعت الدولة العربية المعاصرة الدين في بطنها وحاولت أن تهيمن عليه عبر مؤسساتها الدينية التي لم تفلح في ذلك، وبالتالي ظهرت مرجعيات أخرى من رحم هذه المؤسسات أو انقلبت عليها أو انشقت عنها، فأوجدت سجالاً بديلاً حول من يغلب على الإسلام، ومن يحكم مسار الإسلام. كما أن هناك صراع على الإسلام في الداخل العربي وهناك فشل في منظومة القيم للدولة الوطنية العربية. وهناك فشل في مشروع الدولة نفسها التي لم تقم أحياناً، والتي تعود اليوم إلى القبائلية والتي تستخدم فيها مسألة القبيلة للسلطة والمصالحات وتعزيز النفوذ والشرعية.

س: منذ عدة سنوات أعلن الأردن توجهه نحو محاربة التطرف والإرهاب، وكان السباق في إطلاقه لرسالة عمّان، وانضمت إليه العديد من دول المنطقة لاحقاً في تبني ذات التوجه. لماذا لم تنجح أي من هذه الجهود حتى اليوم في القضاء على الإرهاب والتطرف تماماً؟

ج: في الأردن، رسالة عمان لم تتطور، ولم تكن نتيجة لحالة شعبية أو حالة إسلامية عامة، فقد كانت رداً على قضية تفجيرات عمان. نص الرسالة جميل وجيد، لكنها لم تشكل مرجعية.

والدول التي فيها مرجعيات إسلامية كالسعودية، ومصر حيث الأزهر، لديها موقف ملتبس من داعش حتى هذا اليوم، فهم لا يرون في داعش سوى أناس ضالين وخارجين عن الملة، لكنهم لم يكفروهم. وليس المطلوب أن نخرج بالتكفير وإصدار فتاوى التكفير بين كل حين وآخر، لكن المطلوب هو موقف حازم وسريع لمحاربتهم لأنهم يهددون السلم المجتمعي. ولا نريد أن نقول إنهم يختطفون الإسلام، بل إنهم يهددون الأمن والاقتصاد، ويهددون أوروبا وأميركا ويهددون العالم العربي نفسه، ويهددون المجتمعات نفسها، سواءً الفقيرة أو الغنية.

والسبب أيضاً هو أننا لم نقم بتطوير حالة ديموقراطية سليمة تتصارع فيها الأحزاب وتتداول السلطة وتشكل النخب على هذا الأساس. فعندما تغيب الحزبية تغيب الحياة المدنية والدولة المدنية. والدول العربية كلها تريد دولاً مدنية، لكن في النهاية جميعهم يقولون "اللهم أقم دولة الإسلام" في خطبهم يوم الجمعة. لكن ما هي دولة الإسلام التي يجب أن تقوم؟ ونحن نعلم أن الإسلام لم يكن فيه نظام سياسي واضح لإدارة الدولة، هناك اجتهادات فقهية. فالمشكلة أنهم يريدون دولة مدنية ولا يريدون أن ينتسبوا إليها.

س: هل هناك أي أطراف أخرى تتحمل مسؤولية هذا التقصير في محاربة التطرف؟

ج: هناك مسؤولية على النخب أيضاً، النخب الإسلامية التنويرية والنخب العربية نفسها، الطبقة العلمية في المجتمعات غائبة عن التأثير، والأنظمة أوجدت حالة من التشابك مع مجموعة من النخب، بتمثيلها وتوظيفها واستغلالها واستثمارها، لأجل السيطرة على الجماهير.

وعندما تريد أن تقنع الجماهير بمحاربة داعش يجب أن تقنعهم بالعدالة، يجب أن تقنعهم بالمساواة وبالمواطنة. وفي آخر دراسة تمت في صندوق البحث العلمي والتي أطلقت مؤخراً، تبين أن السبب الأول والأساسي لم يكن العامل الاقتصادي ولا عامل الفقر، ولا أي شيء من ذلك، بل كان غياب العدالة والحرمان، وغياب التمثيل العادل للناس في السلطة. وبالتالي عندما يكون هناك تمثيلاً صحيحاً وعدالة صحيحة وعدم حرمان ومشاركة فاعلة للناس، تصبح الهموم الوطنية مشتركة، وتصبح محاربة الفكر المتطرف هم وطني.

س: وفي الأردن تحديداً، على من تقع المسؤولية في التصدي لهذا الفكر؟

ج: الدور الأكبر يقع على إشاعة الثقافة العلمية في المجتمع واتخاذ سياسات واضحة نحو تطوير المجتمع. كما يجب أن يتم فرض قوانين ضد الكراهية واستخدام الدين والتطرف، وأن يتم إدخال وعّاظ مدربين ومؤهلين إلى منابر المساجد. وعلى أساتذة الشريعة في الجامعات أن يأخذوا دورهم بشكل تنويري حقيقي، نحن بحاجة إلى سياسات واضحة وتنمية حقيقية في الأطراف حتى توقف تلقي الناس لرسائل التطرف والإيمان بها والذهاب إليها، تحت غاية الشهرة وغاية الاقتصاد، وغاية العدالة وغاية البحث عن النجومية أيضاً.

س: هل يعتبر هذا حلاً حاسماً للحد من توجه بعض الشباب نحو الفكر المتطرف؟

ج: أنا أقول دائماً أنه عندما تريد أن تواجه الفكر المتطرف فعليك أن تتجه إلى الدولة المدنية بشكل جدي وليس موارب. وبحسب الدراسة الأخيرة فالشباب الأردني عندما يحتاجون إلى أمر ديني فهم يلجؤون إلى شبكة الإنترنت، ولا يلجؤون إلى مؤسسة الإفتاء، والسؤال هنا لماذا تغيب مؤسسة الإفتاء عن خيارات الشباب فيما يحتاجون من أمور وفتاوى دينية؟ ربما لأنهم لا يثقون بها كونها تعتبر رسمية لدى البعض.

*الصورة: د. مهند مبيضين/إرفع صوتك

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.